البرازيل.. عملاق اقتصادي بين مطرقة التقشف وسندان الركود

فضائح فساد ضخمة.. «النقل» تخفض عمالتها و«الصلب» في أزمة تاريخية

البرازيل.. عملاق اقتصادي بين مطرقة التقشف وسندان الركود
TT

البرازيل.. عملاق اقتصادي بين مطرقة التقشف وسندان الركود

البرازيل.. عملاق اقتصادي بين مطرقة التقشف وسندان الركود

تُعاني سابع أكبر قوة اقتصادية على مستوى العالم من بوادر ركود حاد، حيث تشهد البرازيل مشكلات عميقة في اقتصادها، ولا سيما فضائح الفساد الضخمة التي نالت شركة النفط الوطنية «بتروبراس» وامتدت عبر شركات كبرى أخرى وإلى الأوساط السياسية.
فبعد ربعين متتاليين من النمو، عادت البرازيل لتُسجل انكماشا في الربع الأول من عام 2015، مدفوعًا إلى حد كبير من تقلص معدلات الاستهلاك التي سجلت أسوأ نتيجة منذ الربع الرابع من عام 2008. وتراجعت الثقة في الأعمال التجارية إلى مستوى قياسي منخفض في يونيو (حزيران).
واتجهت توقعات الناتج المحلي الإجمالي في البلاد مرة أخرى إلى الانكماش، حيث تأتي توقعات الحكومة والقطاع الخاص معًا بتسجيل انكماشًا بنسبة 1.2 في المائة خلال العام الحالي، وستكون هذه أسوأ نتيجة للبرازيل منذ عام 1990. وفي عام 2016، يتوقع معهد الإحصاء الوطني بالبلاد أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي نموًا بنسبة 0.33 في المائة فقط.
وكانت البرازيل قد شهدت تباطؤًا اقتصاديًا ملحوظًا خلال السنوات الأربع الماضية، بعد أن حققت نجاحًا كبيرًا مقارنة بالاقتصادات الناشئة الأخرى، لتحول كثير من فقرائها إلى الطبقة الوسطى.
وفي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015 نما الاقتصاد البرازيلي بنسبة 0.2 في المائة وفقًا للمعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء. وجاء التدهور نتيجة للأداء السيئ لقطاع الخدمات والصناعة، فضلاً عن انخفاض استهلاك الأسر.
وتأكيدا على حالة الانكماش التي تعاني منها البرازيل، تشهد الصناعات البرازيلية عددا من التحديات خلال الفترة الراهنة، حيث اتخذت ما يقرب من 60 في المائة من الشركات في قطاع الصناعات التحويلية في البرازيل خطوات في الأشهر الأخيرة للحد من الإنتاج، بما في ذلك تسريح العمال وإجبار الآخرين على إجازة إجبارية، وفقًا للاتحاد الوطني البرازيلي للصناعة.
وتقول دراسة صادرة عن الاتحاد الوطني للصناعة «CNI»، والتي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، إن أكبر التخفيضات في استخدام اليد العاملة كانت في قطاع السيارات، حيث وضعت 78 في المائة من الشركات خططًا للاستغناء عن الموظفين بصفة دائمة أو مؤقتة أو تخفيض ساعات عملهم.
وقال «CNI» إن نحو 73 في المائة من الشركات في المجالات ذات الصلة بالنقل، مثل الطيران وبناء السفن، اعتمدت التدابير ذاتها من أجل تخفيض العمالة.
ووفقًا لرئيس معهد الصلب في البرازيل ماركو لوبيز، تشهد صناعات الصلب والصناعات التحويلية أكبر أزمة في تاريخها، قائلاً: «هذه أزمة قوية جدًا ومختلفة عن عامي 2008 وعام 2009»، فمن المتوقع أن يتراجع إنتاج الصلب الخام في البرازيل إلى 32.8 مليون طن هذا العام وذلك بانخفاض قدره 3.4 في المائة عن العام الماضي، وفقًا لتقديرات معهد أكو البرازيل (معهد الصلب). ومن المتوقع أن ينخفض حجم المبيعات المحلية من الصلب بنحو 15.6 في المائة إلى 18.3 مليون طن.
وأضاف لوبيز، في نشرة للمعهد اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أن القضايا الهيكلية والدورية أجبرت هذه الصناعة على استخدام طاقتها الإنتاجية عند مستوى منخفض للغاية. وقال: «يجب أن تعمل الصناعة على 80 في المائة من القدرة المركبة، ولكنها تعمل عند 69 في المائة فقط، وهو أقل بكثير مما يمكن أن يكون معقولاً».
وأشار لوبيز إلى أنه سيكون هناك فصل لنحو 11.188 ألف موظف وتعليق عقود نحو 1.397 مليون في ضوء الأزمة الراهنة التي يعاني منها القطاع.
وتمر «أودبريشت»، شركة البناء البرازيلية العملاقة، وعدد من القطاعات الأخرى التابعة لها بحالة اضطراب كامل، إذ تم اعتقال رئيسها، مارسيلو أودبريشت، وعدد من المديرين الآخرين في المجموعة في 19 يونيو الماضي، في سياق فضيحة الفساد الواسعة داخل مجموعة «بتروبراس» النفطية.
وكانت سويسرا قد فتحت تحقيقًا ضد «بتروبراس» في أبريل (نيسان) عام 2014، وتتعلق أحكام الإدانة بتهم تخص محاولات للتلاعب في عملية المنافسة على العقود في «بتروبراس».
وسجلت «بتروبراس» خسائر بلغت 6.2 مليار ريال في عام 2014، وتعتبر «بتروبراس» أكبر شركة في البرازيل بإيرادات تبلغ نحو 140 مليار دولار سنويًا.
ونتاجًا للاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، أعلنت رئيسة البرازيل ديلما روسيف في وقت سابق من الأسبوع الماضي عن تخفيضات جديدة في الميزانية بقيمة 8.6 مليار ريال برازيلي (2.6 مليار دولار)، وذلك بعد خفض الميزانية في مايو (أيار) الماضي بمقدار 70 مليار ريال.
وفي هذا الإطار، خفضت الحكومة البرازيلية أهدافها الخاصة بتحقيق فوائض مالية خلال موازنات العام الحالي والقادم، نتيجة التراجع في عائدات الضرائب، وأعلن وزير المالية جواكيم ليفي خفضًا جديدًا للإنفاق في مُحاولة منها لتأكيد التزامها التقشف في ظل التراجُع الاقتصادي الحاد.
وبعد أن كان الهدف هو الوصول بالفائض المالي للبلاد للعام الحالي لنحو 20.6 مليار دولار بما يُعادل 1.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، قلصت الحكومة أهدافها ليبلغ الفائض 2.7 مليار دولار فقط بما يوازي 0.15 في المائة من الناتج الإجمالي للبلاد. كذلك خفضت الحكومة أهدافها للفائض المالي لعام 2016 ليُعادل 0.7 في المائة، بعد أن كانت تستهدف الوصول بالفائض إلى ما يُعادل 2 في المائة مِن إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.
وتتزايد المخاوف من مواجهة البرازيل لمخاطر خفض الائتمان، إذ تنظر الأسواق ووكالات التصنيف الائتماني إلى الفائض المالي للبرازيل باعتباره مقياسًا لقدرة الدولة على سداد ديونها. وسبق أن حذرت وكالات التصنيف الائتماني من أنها قد تُخفض من درجات تصنيف المستوى الاقتصادي للبرازيل، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وحذر بنك «سوسيتيه جنرال» من أن فضيحة الفساد بشركة الطاقة العملاقة «بتروبراس» التي تسيطر عليها الدولة وتدهور الحسابات المالية بالبلاد، يمكن أن يُعرض البرازيل لخلل كبير مما يُقلل من تصنيفاتها الائتمانية من قبل وكالات التصنيف العالمية.
وقال البنك، في مذكرة بحثية اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، إن فضائح الفساد والمخاطر السياسية وتدهور البيئة الخارجية مع اقتراب بنك الاحتياطي الفيدرالي من رفع أسعار الفائدة، فضلاً عن تدهور الحسابات المالية والنمو المتعثر يجعل البرازيل على حافة فقدان الدرجة الاستثمارية خلال الأشهر القادمة وسط توقعات بأسوأ ركود اقتصادي في ربع قرن.
وسبق أن خفضت «ستاندرد آند بورز»، وكالة التصنيف الائتماني العالمية، التصنيف الائتماني للبرازيل في مارس (آذار) 2014 إلى مستوى واحد أعلى من غير المرغوب فيه. وتبعتها وكالة «موديز» لخدمات المستثمرين بعد ستة أشهر من خلال خفض توقعاتها لتصنيف البرازيل من Baa2 إلى سلبية.
وقالت الشركتان إن تقييمات تدهور الحسابات المالية والنمو المتعثر كانت وراء قراراتهما. ومنذ ذلك الحين، ساءت حظوظ البرازيل. ارتفع العجز لمدة 12 شهرًا إلى 0.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في مايو الماضي.
وفي حين حققت الحكومة البرازيلية بعض التقدم في جدول أعمالها المتعلقة بالتدابير المالية وخطة إعادة النظر في الهدف الفائض المالي، تُسلط «فيتش»، وكالة التصنيف العالمية، الضوء على الصعوبات التي تواجهها البرازيل وسط الركود.
وتقول «فيتش»: «بالإضافة إلى اضطرابات الميزانية وتباطؤ الاقتصاد، تعاني البرازيل أيضا من ارتفاع معدلات التضخم، فضلاً عن المخاطر الخارجية المتعلقة باحتمال حدوث تباطؤ للاقتصاد الصيني ورفع معدلات الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي الذي من شأنه أن يزيد من قوة الدولار مما يُحدث اضطرابات واسعة النطاق للريال البرازيلي»، فقد ارتفع معدل البطالة في البرازيل خلال يونيو الماضي إلى 6.9 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 2010، وذلك بعد أن وصل المعدل إلى أدنى مستوياته عند 4.3 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفقًا للمعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء. وهذا يعني أن 298 ألف شخص فقدوا وظائفهم خلال عام واحد، وهي أسوأ نتيجة منذ بدأت الحكومة في تسجيل هذه السلسلة في عام 2002.
وتعتبر الضغوط التضخمية أيضًا واحدا من التحديات الكبرى التي تواجه الحكومة البرازيلية، ويقول مدير السياسات الاقتصادية بالبنك المركزي البرازيلي لويس بيريرا في تصريحات معدة سلفًا نشرت على موقع البنك على الإنترنت: «على الرغم من بعض النتائج الإيجابية التي لا يمكن إنكارها، تُبين التطورات الأخيرة أن هناك مخاطر جديدة لنتائج التضخم قد تؤثر على آفاق النمو على المدى الطويل»، فحتى منتصف يوليو (تموز) الحالي، انخفض معدل التضخم إلى 0.59 في المائة، وفقًا لمكتب الإحصاء البرازيلي. وهذا المعدل أقل بكثير من بيانات شهر يونيو الماضي، حيث تم تسجيل 0.99 في المائة، لكنه لا يزال يُسجل أعلى معدل منذ عام 2008.
ويظل معدل التضخم السنوي على مدى 12 شهرًا أعلى بكثير من الهدف الرسمي البالغ 4.5 في المائة، والذي تسارع إلى 9.23 في المائة من 8.80 في المائة في منتصف يونيو، وفقًا لاستطلاع المكتب الإحصائي.
وقدرت التوقعات الرسمية، الصادرة عن البنك المركزي في البرازيل خلال الأسبوع الماضي، معدلات التضخم لتصل إلى 9.15 في المائة في عام 2015، ليرتفع التقدير للمرة الرابعة عشرة على التوالي. ووفقًا للبنك، إذا تأكد ذلك التوقع فسيكون ذلك أعلى معدل للتضخم منذ عام 2003، حيث سجل معدل التضخم نحو 9.3 في المائة.
* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.