«ابن الفراتين»... من ظلم «البعث» إلى كرسي الرئاسة

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (فيسبوك)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (فيسبوك)
TT

«ابن الفراتين»... من ظلم «البعث» إلى كرسي الرئاسة

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (فيسبوك)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (فيسبوك)

يحمل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في قلبه جرحاً عميقاً وحزناً كبيراً، على أبيه وأربعة من أفراد أسرته، قتلوا في ظل نظام صدام حسين، إلا أنه يأبى أن يسلك دروب الانتقام والثأر.
فالسوداني الذي قُدّر له أن يجلس على كرسي صدام حسين، وفي المكان نفسه، لم يزل يحمل تلك الصورة المؤلمة لوالده الذي اقتيد إلى الإعدام، وفي رجله جبيرة من الجبس، وبعده ثلاثة من أعمامه، وخاله، لقوا المصير نفسه في تلك الحقبة من الزمن التي كان يسيطر فيها حزب «البعث» على السلطة في العراق.
ففي ثمانينات القرن الماضي، كان السوداني فتى في العاشرة من عمره، عندما حصل لوالده، الموظف الحكومي، حادث سير استدعى أن تنقله الحكومة على نفقتها إلى فرنسا لإجراء عملية جراحية. وما كاد الأب يتحضر لإجراء الجراحة، حتى وردت إلى جهاز الأمن في بغداد معلومات بأنه ينتمي إلى «حزب الدعوة الإسلامية» الذي يقال إنه أعلن وقوفه إلى جانب «الثورة الإسلامية» في إيران، بعد انطلاقها (1979)، وردّ النظام العراقي في 31 مارس (آذار) 1980 بإصدار قرار نص على إعدام كل من ينتمي إلى هذا الحزب.
سرعان ما أُرسل الخبر إلى السفارة العراقية في باريس، فجاء حراس منها وسحبوا والد السوداني من المستشفى بحجة تأجيل الجراحة، ووضعوه في الطائرة وأعادوه إلى بغداد. لا يزال رئيس الوزراء يتذكر عندما أُحضر والده بسيارة إسعاف والجبيرة في رجله إلى المنزل، فبات ليلته، وفي اليوم التالي جاء رجال الأمن واصطحبوه، ونُفذ فيه حكم الإعدام.
عندما تخرّج السوداني مهندساً في كلية الزراعة بجامعة بغداد عام 1996، كانت الحرب العراقية – الإيرانية قد انتهت. وكان خريجو الجامعات حينها يُجنَّدون برتبة ضابط؛ لكن كثيرين منهم كانوا يفضلون أن يُجنَّدوا جنوداً ليُسرَّحوا من الخدمة بعد سنة ونصف سنة، بينما يخدم الضابط 6 سنوات. إلا أن النظام حينها جنَّده ضابطاً رغماً عنه، فالتحق بالكلية العسكرية؛ حيث خضع لتدريب قاسٍ لمدة أسبوعين. حينها جاءت معلومات أمنية إلى الكلية مفادها أن أباه من «حزب الدعوة»، و«هذه المعلومات الأمنية خدمتني». ويضيف: «قالوا لي: من أتى بك إلى هنا؟ قلت: أنتم جئتم بي بالقوة. فقالوا: اطلع. فقلت: أنا أريد أن أطلع. فذهبت وخدمت سنة ونصف سنة جندياً في منطقة تلكيف في الموصل، ثم تسرحت. كنت في الفرقة الأولى المدرعة، كتيبة دبابات قرطبة».
يروي السوداني تلك الصورة المؤلمة، ويقول: «هذه مسألة مهمة بالنسبة إليَّ في بناء شخصيتي؛ لأن الذي يشعر بالظلم يفترض ألا يظلم. وأنا أردد دائماً: النظام السياسي بعد 2003 يجب أن يكون مختلفاً عما قبل 2003، وإلا فلن نختلف عنه بشيء».
وانطلاقاً من ذلك يعلن رفضه لما حصل من أعمال ثأر وقسوة بحق رموز النظام السابقين، ويقول: «حصلت ممارسات خاطئة؛ لكن ليس من الجميع».
ويروي ما حصل معه شخصياً، وهو الذي لم يغادر العراق إطلاقاً، وجاء من بين الناس، بدءاً من نشأته يتيماً في الثمانينات، مروراً بعمله عامل بناء ليلاً في سوق حمادة بصدامية الكرخ، في أثناء دراسته الجامعية بداية التسعينات، ثم موظفاً في نهاية التسعينات. وبعد 2003 أصبح «قائمقام»، ثم عضو مجلس، ثم محافظاً، ثم وزيراً، ثم تولى عدة وزارات، والآن رئيس حكومة.
وإلى جانب مهامه، كان السوداني رئيس «هيئة المساءلة والعدالة» التي تولت ملف كبار البعثيين و«الأجهزة القمعية»، ويقول: «لم أتعامل معهم بالنفَس الثأري، كوني فقدت 5 من أفراد عائلتي: والدي وأعمامي وخالي».
ويؤكد أنه لم تكن لديه رغبة في الثأر «إطلاقاً»؛ بل على العكس «تعاملت معهم بشكل عادي». ويرفض ذكر أسماء بعثيين واجههم، إنما يتحدث باقتضاب عن تصرفه مع اثنين من «كتبة التقارير عن والدي». ويقول إن أحدهما لا يزال موجوداً في منطقته، وإنه «أول شخص أذهب إليه في العيد لأعايده»، في جولة على الناس يقوم بها دائماً في الأعياد.
ويشير إلى شخص آخر كان «يلبس زيتوني»، أي من جهاز الأمن. ويقول: «كنت في العاشرة من عمري، وكان هذا الرجل يأتي إلينا مرة كل أسبوع ويستجوبنا عن كل شيء. ودارت الأيام وصرت محافظاً لميسان، وجاء الرجل وقد أصبح عجوزاً. واستقبلته بكل الترحاب، ولم أُرد أن أحسسه بشيء، علماً بأنه يعرفني. جلس جنبي وطلب مني أن أعيِّن (أوظِّف) ابنته، وعيَّنتها».
في شبابه، أحب السوداني الجواهري، وكان يقرأ قصائده؛ خصوصاً التي يتغنى فيها بدجلة. وعندما شكَّل كياناً سياسياً سماه «الفراتين»، تيمناً بالجواهري، وحباً في قصيدته التي ينادي فيها العراقي بـ«يا ابن الفراتين».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

‏يتعامل «الثنائي الشيعي»؛ ممثلاً في «حركة أمل» و«حزب الله»، مع قرار طرد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، على أنه حد فاصل بين ما يمكن استيعابه من إجراءات وقرارات بحق فريقهم السياسي، وما لم يعد يجوز السكوت عنه وتمريره.

ولم تنسحب حالة الاستنفار التي يعيشها «الثنائي» وجمهوره للتصدي للقرار، على قرارات أكبر اتُخذت في وقت سابق؛ سواء في 7 أغسطس (آب) الماضي حين قررت الحكومة حصرية السلاح، ولا حين عُلّق أي نشاط عسكري لـ«حزب الله». ففيما غطى وزراء «أمل» القرار الأخير، اكتفى وزراء «الثنائي» بالخروج من الجلسة التي اتُّخذ خلالها القرار الأول.

الكرة في ملعب عون

تشير مصادر «الثنائي الشيعي» إلى أن لديه مجموعة خيارات للتعامل مع هذا القرار، كاشفة لـ«الشرق الأوسط» عن أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية الذي نفى علمه المسبق بقرار وزير الخارجية»، لافتة إلى أن «(الثنائي) أبلغ السفير بالتعامل مع القرار كأنه لم يكن». وتشير المصادر إلى أن «تعليق العمل الحكومي من الخيارات الواردة، مع التشديد على إصرار (الثنائي) راهناً على تفادي أي اهتزاز للاستقرار الداخلي».

موقف «حركة أمل»

وبعد البيان الذي أصدره «حزب الله»، الثلاثاء، واصفاً قرار طرد السفير الإيراني بـ«الخطيئة الوطنية والاستراتيجية الكبرى»، داعياً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى مطالبة وزير الخارجية، بـ«التراجع الفوري عن هذا القرار لما له من تداعيات خطيرة»، أصدرت «حركة أمل»، يوم الأربعاء، بياناً تبنت فيه مطالب «الحزب»، فدعت بدورها المسؤولين الرسميين المعنيين إلى العودة والتراجع عن القرار الذي وصفته بـ«الخطوة المتهورة واللامسؤولة»، مؤكدة أنها «لن تتهاون في تمريرها تحت أي ظرف من الظروف».

وعدّت أنه «كان أجدر بالمسؤولين الرسميين اللبنانيين إعلان حالة طوارئ دبلوماسية على المستوى العالمي لمواجهة ما أعلنه أمس وزير الحرب الإسرائيلي متفاخراً بتدمير كافة الجسور القائمة على طول مجرى نهر الليطاني، وإعلانه نوايا كيانه احتلال مساحة 10 في المائة من مساحة لبنان وجعل حدوده حتى منطقة جنوب الليطاني منطقةً عازلة».

لبنانيون يشاركون في تشييع عنصر من «حركة أمل» قتل بغارة إسرائيلية الثلاثاء (أ.ب)

وكانت وزيرة البيئة، تمارا الزين، المحسوبة من حصة «حركة أمل» الوزارية، قالت في حديث تلفزيوني: «نعوّل على تدارك الموضوع قبل الخميس»، لافتة إلى أنه «ستتم إثارته خلال الجلسة لما له من تبعات كبيرة». ولم تستبعد الزين أن يكون خيار انسحاب وزراء «الثنائي» من الحكومة من الخيارات المطروحة. في المقابل، اكتفت مصادر وزارة الخارجية بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «التراجع عن القرار غير وارد، فهو قرار سيادي».

ابتزاز سياسي

ويعدّ الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور علي مراد أنه «كان على الحكومة اللبنانية أن تتحرك منذ اليوم الأول لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، مع العلم بأننا نعي أنها تتعامل راهناً مع تراكم غير طبيعي منذ عقود من الزمن. فالموقف مثلاً من إيران كان يفترض أن يتغير منذ سنوات، وبالتحديد منذ حديث مسؤولين إيرانيين صراحة عن أنهم يديرون 5 دول عربية»، لافتاً إلى أن «الدولة غير قادرة على تطبيق كثير من القرارات التي تتخذها، ولكن يبقى أن القرارات المتخذة منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام تؤكد أن هناك نية لتغيير الواقع، لكن (حزب الله) و(حركة أمل) يحاولان دائماً شل أي محاولة لتطبيق هذه القرارات عبر تهديد الاستقرار والسلم الأهلي، وبالتالي هما يمارس الابتزاز السياسي».

وشدد مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «المطلوب هو الحسم السياسي والدبلوماسي من قبل الدولة؛ لأنه من غير المقبول أن تذهب إيران إلى تفاوض باسم لبنان واللبنانيين كما هي رغبة طهران و(حزب الله)»، مرجحاً لجوء «الثنائي الشيعي» إلى التصعيد بعد قرار طرد السفير الإيراني، «لكن؛ وبمعزل عن كل ملابسات القرار، يبقى الأساس عدم خضوع المسؤولين اللبنانيين للابتزاز، والثبات في مواجهة كل التهديدات».


فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
TT

فرق مؤازرة إلى الحسكة لمواجهة تداعيات الحالة الجوية... وريف حلب ليس أفضل حالاً

سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)
سكان الجزرايا جنوب حلب يملأون أكياس رمل لترميم سد ترابي منهار لمنع مياه الصرف الصحي المعالجة من إغراق المنازل والأراضي الزراعية المجاورة بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

وصلت فرق مؤازرة من الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، الأربعاء، إلى مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، آتية من مختلف المحافظات السورية؛ لدعم جهود الاستجابة الجارية منذ 3 أيام في المحافظة التي تتعرض لسيول وفيضانات جارفة بعد سنوات طويلة من الجفاف.

وتسبب فيضان نهر الخابور في منطقتي اليعربية وتل حميس بريف الحسكة في قطع الطريق الدولية ببعض المقاطع، ووصول المياه إلى أحياء الميريديان وغويران في الحسكة، وكذلك وصل الفيضان إلى حي الحمر بمدينة تل تمر، كما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في نهر جقجق؛ المارِ بوسط المدينة، إلى الحدود القصوى لمجرى النهر. وهذا الفيضان يعدّ الثالث خلال أسبوعين، وذلك بعد سنوات من جفاف النهرين وروافدهما التي عادت المياه لتتدفق فيهما.

وقالت وكالة «هاوار» الكردية، إن أكثر من 500 عائلة غادرت منازلها من المناطق الواقعة في حرم نهر الخابور القريبة من المجرى في حي الحمر والميريديان وغويران.

في السياق، ناقش مدير الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، منير مصطفى، مع محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، الأربعاء، خطة الاستجابة للفيضانات في المحافظة.

ووفق وزارة الطوارئ، فقد أجرى مدير الدفاع المدني عقب المناقشات جولة ميدانية في المحافظة برفقة قادة فرق الاستجابة لتقييم الأضرار والاحتياجات؛ الناتجة عن الأمطار الغزيرة وفيضان نهر الخابور وروافده، ومتابعة عمل الفرق لضمان سلامة المدنيين وممتلكاتهم.

وحذرت الأرصاد الجوية، أمس، من منخفض جوي وعاصفة مطرية في عموم المناطق السورية من الأربعاء حتى الجمعة. وقالت «إدارة الإعلام والاتصال» بوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لـ«الشرق الأوسط» إن فرق الوزارة تواجه صعوبات لوجيستية بسبب اتساع رقعة الفيضانات والسيول التي تشمل جميع الأراضي السورية؛ نتيجة الأمطار الغزيرة وتتابع المنخفضات الجوية.

ولفتت مصادر إلى أن كمية الأمطار التي هطلت تعدّ ضمن الحد الطبيعي، «إلا إن تتابع المنخفضات أدى إلى تشبع التربة بالمياه، وزادت نسبة تشكل السيول مع كل هطول مطري غزير»، وأضافت: «هناك نحو 120 فريقاً تستجيب على مدار الساعة في مختلف المناطق».

فرق الدفاع المدني تستجيب وتعمل على شفط المياه في شوارع الحسكة (مركز إعلام الحسكة)

ومع أن وزارة الطوارئ ما زالت في طور افتتاح مديرية لها قريباً بمحافظة الحسكة، فإن فرقها تعمل في ريف الحسكة منذ 3 أيام بكامل طاقتها، واستجابت لنحو 50 بلاغاً في مناطق اليعربية وتل حميس، ويجري العمل على فتح قنوات تصريف للمياه، ورفع سواتر ترابية، وشفط مياه من المنازل، وانتشال سيارات عالقة، وإخلاء أسر من منازل غارقة بالمياه، والاستجابة لحالات البيوت والأبنية المنهارة.

وبشأن حجم الأضرار، قالت «إدارة الإعلام والاتصال» إن هناك «تقديرات أولية تشير إلى تضرر أكثر من 300 عائلة وأكثر من 120 منزلاً، ولا تزال عمليات التقييم جارية، لإحصاء حجم الأضرار، فالأمر ما زال في طور الاستجابة» التي تجري بـ«التنسيق مع كل مؤسسات الحكومة السورية في الحسكة، ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا، والصليب الأحمر الدولي، والهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي».

من جانب آخر، عُقد في مقر محافظة الحسكة اجتماع موسّع الأربعاء، بحضور المحافظ، نور الدين أحمد، ضمّ وفداً من مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلى جانب مديريات المياه، والشؤون الاجتماعية، والعمل، والتربية، وفرع الهلال الأحمر العربي السوري، والهلال الأحمر الكردي، وبحث «واقع المناطق المتضررة جراء الفيضانات وأوضاع المخيمات، وسبل دعم عودة المهجّرين، كما جرى بحث واقع محطة مياه علوك، ومناقشة الحلول المقترحة لإعادة تفعيلها». ودعا محافظ الحسكة إلى تقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.

وأفادت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عبر قناتها على «تلغرام» بأن فرق الدفاع وصلت الأربعاء إلى مدينة الحسكة وباشرت أعمالها الميدانية فوراً بالتنسيق مع كوادر الوزارة بالمدينة وريفها لتسريع الاستجابة في المناطق الأشد تضرراً.

وتسبّبت العاصفة المطرية في تشكل برك مائية واسعة في الشوارع والساحات، إلى جانب فيضانات بالأرياف الشمالية والجنوبية والغربية للحسكة، فيما غمرت المياه مئات المنازل بمناطق تل حميس وتل براك والشدادي، مما أدى إلى أضرار مادية كبيرة، خصوصاً في المناطق القريبة من مجاري الأنهار.

وكانت محافظة الحسكة وعموم المناطق السورية تعرضت لموجة جفاف قاسية استمرت سنوات، أدت - نتيجة شح المياه الجوفية - إلى خسائر فادحة وتضرر قطاعَيْ الزراعة والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى أزمة في توفر مياه الشرب، وزيادة فترات تقنين المياه... التي ترافقت مع أوضاع الحرب القاسية.


الجيش الإسرائيلي يتراجع عن موقفه ويرحّل عشرات الألوف من الشمال

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتراجع عن موقفه ويرحّل عشرات الألوف من الشمال

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الولايات المتحدة وضعت قيوداً للحرب على لبنان، بمنع إسرائيل من تجاوز نهر الليطاني في اجتياحها البري والاكتفاء بعمليات القصف والتدمير من الجو على مواقع «حزب الله» في بيروت والبقاع، قررت القيادتان السياسية والعسكرية في تل أبيب اتخاذ المنحى الأقسى في الحد الأقصى من العمليات الحربية.

وبشكل خفي وبلا إعلام، تجري في الأسبوع الأخير عملية إخلاء صامتة لعشرات ألوف المواطنين من سكان الجليل الأعلى، لأنهم يتوقعون أن يطلق «حزب الله» كل ما لديه من صواريخ ومسيرات باتجاهها.

وقالت مصادر سياسية إن الجيش الإسرائيلي تراجع عن مواقفه السابقة، وبات ينفذ بنفسه عمليات إجلاء سكان الشمال، باعتبارها جزءاً من خطة التصعيد. ووفق هذه المصادر، يعتمد الجيش نهجاً مشابهاً لما جرى في غزة، من خلال استهداف مناطق الجنوب اللبناني، من نهر الليطاني حتى الحدود الإسرائيلية، بالتوازي مع عمليات نزوح واسعة للسكان. كما يعمل على فرض حزام أمني على طول الحدود، يتراوح من 3 - 5 كيلومترات، ويسعى إلى إبقائه خالياً من أي وجود بشري لبناني. وفي هذا السياق، نشر قواته في 23 موقعاً، وأقام في كل منها نقطة عسكرية.

وإلى جانب ذلك ينفذ عمليات اغتيال واسعة ضد عناصر «حزب الله» وعناصر «الحرس الثوري» الإيراني الذين يساندونه. ويدمر القاعدة الاقتصادية للحزب، بما في ذلك محطات الوقود التي تزود عناصره بالبنزين والمازوت، والمتاجر الشعبية التي تبيعهم البضائع بسعر معقول.

مستوطنون يمرّون قرب عناصر من الشرطة الإسرائيلية أثناء إخلاء 11 عائلة فلسطينية من بطن الهوى في حي سلوان بالقدس الشرقية (أ.ف.ب)

رد فعل «حتى الرمق الأخير»

ويتوقع الجيش ردّ فعل من «حزب الله» «حتى آخر رمق». وكانت القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية قد خلصت إلى أن إخلاء السكان في غلاف غزة والجليل خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كان خطأً فادحاً؛ لذلك امتنعت عن اللجوء إلى هذه الخطوة في الحرب على إيران ولبنان، قبل أن تقرر لاحقاً تغيير موقفها.

وخلال الأسبوع الأخير، عادت هذه القيادات إلى سياسة الإخلاء نتيجة القصف الكثيف من «حزب الله»، الذي يبلغ ما لا يقل عن 30 صاروخاً و120 طائرة مسيّرة يومياً. وفي يوم الاثنين، خلّف هذا القصف قتيلة واحدة وأدى إلى إصابة 30 شخصاً بجروح.

وفي كريات شمونة، على سبيل المثال، جرى إخلاء نحو 14 ألفاً من أصل 24 ألف نسمة. وتُعد هذه المدينة الأكبر في الجليل الأعلى، وتقع مباشرة على الحدود مع لبنان. وقد دُمرت فيها مئات العمارات والمنازل خلال عام من الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023.

وعقب إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفضت شريحة واسعة من السكان العودة من دون التوصل إلى حل جذري للصراع الإسرائيلي - اللبناني، يتضمن تجريد «حزب الله» من سلاحه. ولم ترتفع نسبة العائدين إلى نحو 75 في المائة إلا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كما أن هناك بلدات أُخلي نحو 90 في المائة من سكانها آنذاك، ويطالب سكانها اليوم بإعادة إخلائها.

فرق الإنقاذ الإسرائيلية في موقع الهجوم الصاروخي الإيراني على تل أبيب (أ.ف.ب)

الحياة أصبحت كابوساً

وجرى إخلاء السكان إلى فنادق في البحر الميت وتل أبيب. ويقول موشيه دافيدوفتش، رئيس بلدية كريات شمونة، إن الإخلاء يبدأ بالمسنين والمرضى والعائلات التي لديها أطفال، إضافة إلى سكان المنازل غير المزودة بوسائل حماية. كما اختارت بعض العائلات المغادرة من تلقاء نفسها. وأضاف: «الحياة هنا أصبحت كابوساً؛ دويّ الانفجارات لا يتوقف، وجدران المنازل تهتز، ولا يستطيع المرء النوم. ولم يعد مهماً إن كان القصف من إسرائيل أو من (حزب الله)». ويُذكر أن أحد سكان الشمال قُتل جراء صاروخ أُطلق بالخطأ من قبل الجيش الإسرائيلي.

ويرى دافيدوفتش أن «حزب الله» كثّف هجماته على بلدات الشمال خلال الأسبوع الأخير، بهدف دفع السكان إلى الرحيل. كما أن صفارات الإنذار لا توفّر فائدة كبيرة بسبب قِصر المسافة بين مواقع الإطلاق وأهداف القصف. وكان الجيش قد أعلن في البداية أنه لا يريد منح «حزب الله» هذه «المتعة» المتمثلة في تهجير السكان الإسرائيليين، لكنه، في ظل تزايد تذمر المواطنين وانتقاداتهم، واتهامهم موقفه بأنه تبجح غير آبه بمعاناتهم، اضطر إلى تغيير موقفه وبدأ المساعدة في عمليات الإجلاء. ويؤكد الجيش أن عملياته العسكرية داخل لبنان تهدف إلى توفير الأمن لسكان الشمال.

وعبّر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن سياسة التصعيد بالقول إن «سياسة إسرائيل في لبنان واضحة، فسنحارب حتى يرضخ (حزب الله)». ووعد بالاستمرار في هذه العمليات، حتى إذا توقفت الحرب مع إيران. وألمح، في تصريحات أوردتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليوم، بأن الإدارة الأميركية لا تعارض هذه العمليات.