تفعيل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لرفع الإنتاجية في السعودية

وزراء يؤكدون أهمية الشراكات ودور المنشآت الصغيرة والشركات الناشئة والعلوم لتعزيز الابتكار في المرحلة المقبلة

حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

تفعيل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لرفع الإنتاجية في السعودية

حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)

كشف وزراء سعوديون عن تصميم بلادهم على تسخير التكنولوجيا في تنويع الاقتصاد، مع بدء الاستثمار وتفعيل الإمكانات الكاملة لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة في شتى القطاعات في البلاد، مشددين على أهمية دعم البحث العلمي والابتكار وتوجيه الفرص الناشئة لوضع السعودية بين القادة العالميين في القطاع التقني المتقدم.
وقال المهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، إن أكبر خطر بشأن الثورة الصناعية الرابعة، هو التردد والتوقف عن دعم الانتقال إلى مجتمع تقني متطور، والاعتماد عليه في بناء أفضل استجابة للتحديات العالمية الطارئة مثل الأوبئة وتغير المناخ، مضيفاً: «يحمل الابتكار مفتاحاً لإطلاق الإمكانات الكاملة لتكنولوجيا (الثورة الصناعية الرابعة) لمواجهة التحديات والانتقال إلى التحول الاقتصادي المستدام للمجتمعات».
ولفت إلى أن السعودية تشكل مستقبلها عبر تسخير التكنولوجيا لتنويع اقتصادها، وتوجيه الفرص الناشئة لوضعها بين القادة العالميين في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، مشدداً على الحاجة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودور الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة كمحركات للابتكار، ودور المرأة في العلوم والتكنولوجيا والمعرفة وتبادل البيانات، كركائز أساسية لتعزيز الابتكار وتسخير تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة.
وأشار الوزير الفالح، في جلسة ضمن اليوم الأول من مؤتمر ليب التقني الدولي 2023 الذي انطلق أمس (الاثنين)، إلى أن السعودية مصممة على التحول لتكون مركزاً لسلاسل التوريد بين قارات العالم، وذلك من خلال الاستثمار في موقعها ومواردها، كما تسعى لتوظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة واستخدامات الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات والحوسبة الكبيرة الضخمة، في دعم هذا التوجه، وجمع كل هذه العناصر في مختلف القطاعات.
ولفت الفالح إلى أن تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة ضاعفت من مستوى الإنتاجية وتقليل التكلفة والمخلفات على البيئة، وأسهمت في الاستدامة وتحسين الجودة والمنتجات، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب بنية تحتية رقمية ذات كفاءة عالية، وهو ما تتمتع به السعودية من جودة تساعد في الخدمات التقنية الفائقة.

لاعبون رئيسيون
من جانبه، أبدى بندر الخريف، وزير الصناعة السعودي، تفاؤله بمستوى التقنيات والابتكارات التي شهدها مؤتمر «ليب» في نسخته الثانية، مبيناً أن «ليب» مثال واضح على تركيز السعودية على جذب اللاعبين الرئيسيين في التقنية، الأمر الذي له أثر في تعزيز مكانة السعودية كمركز إقليمي ودولي في قطاعات مختلفة.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في الابتكار وتطوير البحث العلمي، وتشجيع القطاع الصناعي للتقنيات الناشئة، مضيفاً: «القطاع الصناعي السعودي تم بناؤه على أسس قوية، ويتمتع بسوق مفتوحة كبيرة، للجميع القدرة على المنافسة فيها».
ولفت إلى أن القطاع الصناعي يدار باستراتيجيات متكاملة، وتتوفر لديه إمكانات التدريب والتمويل وخلق الفرص المناسبة للمستثمرين في الابتكار، وتحسين قدرات تقنية من أجل المستقبل.
وأشار الوزير الخريف إلى أن القطاع الخاص لديه فرصة ثمينة ووضع جيد في السعودية، للتقدم بشكل أفضل في مجال التكنولوجيات المتقدمة، وأضاف: «يتطلب الأمر أن نتمتع بجرأة كافية لدعم التحول التقني، لدينا موقع مميز وموارد هائلة، بالإضافة إلى المواهب التي تعد أكثر الأشياء قيمة، ويتم تدريبهم بشكل مميز، واستثمارهم في هذا المجال»، مختتماً: «أنا متفائل، والابتكارات التي شهدنا عليها في (ليب) اليوم، تدعم توجهات التحول التقني الناجح في القطاع الصناعي».

الكفاءة الصناعية
بدوره، قال فيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، إن التحديات العالمية الحالية لا ينبغي التعامل معها بشكل أحادي، بل النظر إليها والتعاطي معها بشكل شامل، مفيداً بأن زيادة كفاءة العملية الصناعية للحد من التكاليف والانبعاثات المؤثرة على البيئة تتطلب هي الأخرى تعزيز الشراكات والتعاون الدولي في تعميم فوائد الثورة الصناعية الرابعة، والاستثمار في التقنيات الرقمية المتقدمة.
وأضاف: «هناك إشارات لحاجة المنشآت إلى التقنيات المتقدمة وإلى دعم رواد الأعمال والابتكار، وتوفير الحلول الرقمية، وتمكين رواد الأعمال، سيما في منطقتنا التي تحظى بنسب عالية من فئة الشباب بين السكان».
الطاقة النظيفة
وأوضح الوزير الإبراهيم أن السعودية لديها إمكانات هائلة، حيث هي قائدة في مجال الطاقة النظيفة، ولديها مشروعات كبيرة في أنواع من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى توفر الإمكانات البشرية من الشباب والمواهب والتنوع الديمغرافي، وهي مهتمة إزاء ذلك بتطوير تلك المواهب وتحسين مهارات السكان لتحقيق أفضل استثمار في وجه التحديات وتحقيق التطلعات.

قدرة التأقلم
من جهته، قال الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إن تحديات عديدة تواجه القدرة على التأقلم وتبني التقنيات الجديدة، وتمكين الكيانات الحكومية في مسار التحول الرقمي، ومن أبرزها تحدي التكامل المعلوماتي.
وأشار الغامدي إلى أن السعودية ركزت في بناء قاعدة بيانات ضخمة ومتقدمة على أسس الذكاء الاصطناعي، ودعم التحول إلى تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة، ونجاح (سدايا) في تدريب الموظفين، وتزويدهم بأساليب الاستخدام الأمثل، وتسهيل التحول للكيانات الحكومية.
وأضاف: «خلال السنتين الماضيتين قمنا بتحديد الفرص ومواجهة التحديات ودعم التحول الرقمي للمؤسسات الحكومية في قطاعات مختلفة، ومن ذلك مجال الطاقة وزيادة إنتاجية الطاقة المتجددة بنسبة 20 في المائة، وتقليل انبعاثات الكربون؛ حيث نجحت التقنيات المتقدمة بنسبة بلغت 40 في المائة، فضلاً عن دعم عمليات النقل والتأمين ومواجهة العمليات المشبوهة خلال مسار النقل، وفي الصحة قمنا بتطوير أفضل الحلول من خلال استخدام التقنيات، ووظفنا البيانات الإحصائية الهائلة لرسم التوجهات الصحية العامة في السعودية، إلى جانب شبكة أخرى واسعة من الشراكات مع الكيانات الحكومية لتقديم أفضل نماذج العمل في البيئة والمدن والتعليم وغيرها».

جودة البيانات
وعن تحدي جودة البيانات، قال الدكتور الغامدي: «ننفق وقتاً طويلاً لتحسين جودة البيانات، ولدى الأفراد دور ومسؤولية في رفع دقة تلك البيانات من خلال النوافذ الإلكترونية الممكنة بين أيديهم، وبالتعاون مع الوزارات لدينا سياسات كبيرة لحماية بيانات الأفراد، كما أسهمت السعودية في إطلاق مشروع دولي لتعزيز أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتشمل العدل والخصوصية والمسؤولية والدقة والموثوقية الاجتماعية، التي نأخذها بعين الاعتبار في جميع أعمالنا وشراكاتنا».


مقالات ذات صلة

شراكة بـ265 مليون دولار لتطوير «جدة كوف» في السعودية

الاقتصاد نموذج لتصميم مشروع «جدة كوف» التابع لشركة «ازدهار للتطوير العقاري» (الشركة)

شراكة بـ265 مليون دولار لتطوير «جدة كوف» في السعودية

تطلق «ازدهار» و«الاستثمار كابيتال» صندوقاً بـ265 مليون دولار لتطوير «جدة كوف» على مساحة 140 ألف متر مربع، ويضم أنشطة تجارية وترفيهية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منصّة بحرية تابعة لـ«الحفر العربية» (الشركة)

«الحفر العربية» توقِّع عقداً بـ800 مليون دولار لتوفير 11 حفارة لمشروعات الغاز

وقَّعت شركة «الحفر» عقداً جديداً مع شركة «إس إل بي» بقيمة 3 مليارات ريال (800 مليون دولار)، لتوفير 11 حفَّارة بريَّة لتنفيذ عمليات الحفر المتكاملة ضمن مشروعات ا

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مصنع «لوسيد» الجديد غرب السعودية (الموقع الرسمي للشركة)

خاص «لوسيد» تكشف لـ«الشرق الأوسط» عن 4 أولويات لتجنُّب الضغوط المالية

تدخل «لوسيد موتورز» مرحلة جديدة تهتم فيها بتحسين السيولة والانضباط التشغيلي، إلى جانب إطلاق منتجات جديدة وتوسيع التصنيع في السعودية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مستثمر في البورصة الكويتية يتابع شاشة أسهم متراجعة (أ.ف.ب)

أسواق الخليج تتراجع مع تصاعد التوتر بين إيران وأميركا

تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة ليوم الاثنين، مع تجدد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران قرب مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض «Big 5 Construct Saudi» في الرياض (الشرق الأوسط)

طفرة المشاريع السعودية تفرض قواعد جديدة للمشتريات وسلاسل الإمداد

تتجه مشاريع البناء الكبرى في السعودية إلى تبنِّي نماذج أكثر مرونة في التخطيط والتصميم والمشتريات، مع ازدياد الضغط على سلاسل الإمداد وتنافس المشاريع.

ساره بن شمران (الرياض)

قفزة بصادرات الديزل الآسيوية لأفريقيا لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
TT

قفزة بصادرات الديزل الآسيوية لأفريقيا لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)

أظهرت بيانات تتبع السفن ومصادر تجارية أن من المتوقع أن ترتفع صادرات آسيا من الديزل إلى أفريقيا في أغسطس (آب) إلى أعلى مستوى، منذ ما لا يقل عن 4 أعوام ونصف العام، في وقت اتجه فيه المشترون من أفريقيا إلى البحث عن مصادر إمداد بديلة عقب تراجع الشحنات الواردة من الشرق الأوسط.

وأتيحت الفرصة لآسيا لإرسال إمدادات إلى أفريقيا بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل صادرات الشرق الأوسط.

وكشفت بيانات «كبلر» و«فورتكسا» ومصدر تجاري، وفقاً لـ«رويترز»، أن من المتوقع أن تشحن آسيا، بما في ذلك الهند، ما يتراوح بين 1.8 مليون طن ومليوني طن (13.4 مليون إلى 14.9 مليون برميل) من الديزل إلى أفريقيا خلال هذا الشهر.

وأظهرت بيانات من مجموعة بورصات لندن و«كبلر» والمصدر نفسه أن صادرات الشرق الأوسط من الديزل إلى أفريقيا انخفضت في أغسطس إلى ما بين 600 ألف و800 ألف طن، لتسجل أدنى مستوياتها في نحو 9 أعوام وسط استمرار المخاطر التي تواجه الملاحة عبر مضيق باب المندب ومضيق هرمز.

ووفقاً لبيانات «كبلر»، جاء نحو 50 في المائة من واردات أفريقيا من الديزل من الشرق الأوسط، وصدرت السعودية 40 في المائة من تلك الإمدادات.


تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
TT

تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)

في أغسطس (آب) 2011، تولى تيم كوك قيادة «أبل» في إحدى أصعب لحظات الشركة الرمزية؛ فقد خلف ستيف جوبز، أحد أبرز المبتكرين في تاريخ التكنولوجيا، وكانت المقارنة بين الرجلين تبدو حتمية. لكن كوك لم يحاول أن يكون جوبز آخر، بل اختار أن يبني «أبل» بطريقته الخاصة، مستنداً إلى خبرته في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد، وقدرته على التفاوض، وإدارة العلاقات المعقدة.

وبعد 15 عاماً، يغادر كوك منصب الرئيس التنفيذي في 31 أغسطس 2026، تاركاً وراءه شركة تغير حجمها المالي بصورة هائلة. ويتولى جون تيرنوس، رئيس هندسة الأجهزة في «أبل»، منصب الرئيس التنفيذي بدءاً من 1 سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيبقى كوك رئيساً تنفيذياً لمجلس إدارة الشركة، مع استمرار مشاركته في بعض الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك التواصل مع صناع السياسات حول العالم.

من 350 ملياراً إلى أكثر من 4 تريليونات دولار

ربما تختصر الأرقام قصة عهد كوك أكثر من أي وصف آخر. فعندما أصبح رئيساً تنفيذياً، كانت القيمة السوقية لـ«أبل» نحو 350 مليار دولار، لكنها تجاوزت اليوم 4 تريليونات دولار، بعدما وصلت لفترة وجيزة إلى نحو 5 تريليونات دولار في يوليو (تموز).

وقفز سهم الشركة بأكثر من ألفين في المائة منذ تولي كوك منصبه، متفوقاً بفارق كبير على مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الفترة نفسها.

أما الإيرادات السنوية، فقد ارتفعت من نحو 108 مليارات دولار في 2011 إلى 416 مليار دولار في 2025، أي إنها تضاعفت نحو 4 مرات.

ولم يكن «آيفون» استثناءً من هذه القفزة، إذ ارتفعت إيراداته من 47.1 مليار دولار في 2011 إلى 209.6 مليار دولار في 2025، ليظل المنتج الأساسي الذي يدور حوله جزء كبير من منظومة «أبل».

تيم كوك خلال «مؤتمر أبل العالمي للمطورين» داخل مقر «أبل بارك» في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كوك لم يكتفِ بالـ«آيفون»

كان أحد أهم رهانات كوك هو توسيع المنظومة المحيطة بالهاتف، بحيث يصبح «آيفون» جزءاً من الحياة اليومية وليس مجرد جهاز.

وخلال عهده، أطلقت الشركة «أبل ووتش» و«إيربودز»، فيما توسع قطاع الخدمات بصورة كبيرة، حتى تجاوزت إيراداته 100 مليار دولار سنوياً، ليصبح ثاني أكبر أعمال الشركة بعد «آيفون».

وساعد هذا التحول «أبل» على بناء مصادر إيرادات أوسع تنوعاً وأقل اعتماداً على دورة إطلاق الهواتف وحدها، من الخدمات والاشتراكات إلى الأجهزة القابلة للارتداء والمنتجات المرتبطة بها.

كما دفع كوك الشركة إلى التخلي عن رقائق «إنتل» في أجهزة «ماك» والانتقال إلى رقائقها المصممة داخلياً، في خطوة عززت أداء أجهزة الكومبيوتر المحمولة والمكتبية وكفاءة استهلاكها الطاقة.

سلاح كوك الخفي: سلسلة الإمداد

لم يكن كوك مبتكراً في تصميم المنتجات على طريقة جوبز، لكنه جاء إلى منصب الرئيس التنفيذي بخبرة عميقة في العمليات وسلاسل الإمداد.

وهذه الخبرة أصبحت أحد أهم أسلحته في إدارة إمبراطورية «أبل»، خصوصاً أن تصنيع «آيفون» يعتمد على شبكة عالمية معقدة من الموردين والمصانع، في مقدمتها الصين.

ويقول خبراء إن هدوء كوك، وسرعة اتخاذه القرارات، وقدرته على التفاوض، ساعدت «أبل» في الحفاظ على تدفق إنتاج «آيفون» رغم الأزمات الجيوسياسية والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

ووصف جين مونستر، الشريك الإداري في شركة «ديب ووتر لإدارة الأصول» والمتابع «أبل» منذ سنوات، كوك بأنه بقدر ما أنه رئيسٌ تنفيذيٌ، فقد كان «رجلَ دولة»، في إشارة إلى الدور الذي لعبه في إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية المحيطة بالشركة.

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

بين واشنطن وبكين

كان الحفاظ على سلاسة أعمال «أبل» يتطلب من كوك إدارة علاقة شديدة الحساسية بين الولايات المتحدة والصين، وهما سوقان حيويتان لإمبراطورية الشركة.

ومع تصاعد التوتر التجاري خلال إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وارتفاع الرسوم الجمركية، واجهت «أبل» ضغوطاً لـ«بناء» مزيد من هواتفها داخل الولايات المتحدة.

لكن الشركة اتجهت إلى مسار آخر، وتعهدت باستثمار 600 مليار دولار لتوسيع عملياتها في الولايات المتحدة، بما يشمل إنتاج مكونات أساسية لـ«آيفون» محلياً، في خطوة ساعدتها على تجنب بعض الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية.

الاختبار ينتقل إلى جون تيرنوس

يبدأ جون تيرنوس مهمته في قيادة «أبل» بمرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي ورث فيها كوك الشركة من جوبز. فالشركة لا تزال تملك قوة هائلة في الأجهزة والخدمات، لكنها تواجه سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي، حيث يرى محللون أنها تأخرت عن منافسين مثل «مايكروسوفت» و«غوغل».

وتتجه الأنظار إلى قدرة تيرنوس على مواصلة إرث كوك، مع توقعات بأن تدخل «أبل» مرحلة جديدة من الابتكار تشمل تطوير قدرات «سيري» بالاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب منتجات جديدة قد تشمل هاتفاً قابلاً للطي ونظارات ذكية وأجهزة تركز بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي الأكبر أمام الرئيس التنفيذي الجديد قد لا يكون مجرد ابتكار منتج جديد، بل الحفاظ على الآلة الضخمة التي بناها كوك طيلة 15 عاماً.

نهاية عهد وبداية اختبار جديد

غادر جوبز «أبل» تاركاً وراءه إرث الابتكار، بينما يغادر كوك الشركة التنفيذية بعد أن أعاد تعريف معنى القيادة فيها.

لم يحاول كوك منافسة جوبز في الإبداع والاستعراض، بل ركز على توسيع نطاق الشركة، وتعزيز سلاسل إمدادها، وتنويع مصادر إيراداتها، وتحويل «آيفون» من منتج ناجح إلى مركز لمنظومة رقمية عالمية. ومن شركة تبلغ قيمتها نحو 350 مليار دولار عندما تسلم قيادتها، أصبحت «أبل» اليوم شركة تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار، فيما أصبح السؤال الذي يواجه جون تيرنوس أصعب من مجرد خلافة كوك: هل يستطيع الحفاظ على آلة النمو التي بناها كوك، وإقناع العالم بأن «أبل» لا تزال قادرة على كتابة فصلها التكنولوجي الكبير المقبل؟


بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
TT

بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)

أعاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت رسم صورة المرحلة المقبلة للاقتصاد الياباني، بعدما اعتبر أن تحركات الين الأخيرة لا تزال «محصورة إلى حد كبير»، ولا تمثل حالة اضطراب تستدعي تدخلاً فورياً جديداً، في وقت لمح فيه بوضوح إلى أن اليابان اقتربت من نهاية حقبة «أبينوميكس» التي قامت على إعادة التضخم، وتحفيز الاقتصاد عبر السياسات النقدية والمالية شديدة التوسع. وجاءت تصريحات بيسنت في وقت عادت فيه العملة اليابانية إلى مستويات أضعف من 160 يناً للدولار، وهي منطقة حساسة لطالما أثارت توقعات بالتدخل في سوق الصرف. إلا أن وزير الخزانة الأميركي بدا أكثر ارتياحاً هذه المرة، قائلاً إن تحركات العملة «تحت السيطرة إلى حد كبير». ويختلف هذا التقييم عن موقف واشنطن وطوكيو قبل شهر، عندما نفذتا في 31 يوليو (تموز) تدخلاً مشتركاً نادراً لشراء الين، في خطوة هدفت إلى وقف ما وصفه بيسنت حينها بتحركات «غير منظمة» للعملة، ومنع انتقال الضغوط إلى سوق السندات والأسواق العالمية. لكن الرسالة الجديدة لا تعني أن مشكلة الين انتهت، فالعملة اليابانية لا تزال ضعيفة تاريخياً، وهو ما يرفع تكلفة الواردات، ويغذي التضخم، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، والمواد الخام. ولهذا انتقل تركيز بيسنت من الدعوة إلى التدخل المباشر في سوق العملات إلى السياسة النقدية نفسها، وقال إنه يتوقع من محافظ بنك اليابان كازو أويدا أن «يتخذ القرار الصائب» بشأن أسعار الفائدة، في إشارة فسرتها الأسواق بأنها دعم ضمني لمزيد من التشديد النقدي. وعندما سُئل عما إذا كان البنك ينبغي أن يرفع الفائدة بوتيرة أسرع، تجنب بيسنت توجيه تعليمات مباشرة، لكنه أضاف أن اليابان «وصلت على الأرجح إلى نهاية أبينوميكس»، وهي السياسة التي أطلقت عام 2013 في عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي بهدف إخراج البلاد من الانكماش المزمن.

• نهاية «أبينوميكس»: وكانت «أبينوميكس» ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة، هي تيسير نقدي واسع، وإنفاق مالي ضخم، وإصلاحات لتعزيز النمو. ونجحت هذه السياسات في كسر دورة الانكماش، ورفع أسعار الأصول، وتحفيز أرباح الشركات، لكنها أبقت الفائدة منخفضة لفترة طويلة، ورسخت اعتماد الأسواق على بنك اليابان. والآن يرى بيسنت أن اليابان تجاوزت المشكلة التي صُممت «أبينوميكس» لمعالجتها أساساً، أي الانكماش. وبالتالي فإن استمرار السياسة النقدية شديدة التيسير لم يعد يتماشى مع الواقع الجديد الذي أصبحت فيه الضغوط التضخمية أكثر وضوحاً. وتأتي تصريحاته قبل اجتماع بنك اليابان يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول)، وسط توقعات شبه كاملة في الأسواق برفع سعر الفائدة مجدداً بعد الزيادة التي نفذها البنك في يونيو (حزيران). وأفادت مصادر بأن البنك يدرس أيضاً تسريع وتيرة الرفع مستقبلاً مقارنة بالنمط الحالي الذي يبلغ نحو مرتين سنوياً. ويرى بعض المحللين أن رفع الفائدة في سبتمبر بدلاً من أكتوبر (تشرين الأول) قد يرسخ توقعات بأن البنك ينتقل إلى دورة رفع ربع سنوية. وهذا الاحتمال يكتسب أهمية خاصة، لأن ضعف الين لم يتحسن بصورة مستدامة رغم اللهجة المتشددة الأخيرة من بنك اليابان. فحتى بعد تصريحات أويدا بشأن زيادة مخاطر التضخم، وإمكانية تسريع التشديد إذا ظلت الظروف المالية ميسرة للغاية، بقيت العملة تحت الضغط.

• رهان الفائدة: من هذه الزاوية، يبدو أن بيسنت يراهن على أن الدعم الأكثر فاعلية للين لن يأتي من التدخل وحده في السوق، بل من تضييق فجوة أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. لكن الصورة لا تخلو من تناقضات. ففي الوقت الذي يتحرك فيه بنك اليابان نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، تتبنى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي برنامجاً مالياً توسعياً يركز على الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، ودعم الأسر في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يعمل في الاتجاه المعاكس لسياسة البنك المركزي. فزيادة الإنفاق الحكومي وتحفيز الطلب يمكن أن يضيفا ضغوطاً تضخمية جديدة، بينما يحاول بنك اليابان احتواء الأسعار عبر رفع الفائدة. كما أثارت خطط تاكايتشي مخاوف في سوق السندات، حيث ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 2.945 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود، وسط قلق المستثمرين من اتساع الإنفاق، وارتفاع تكاليف تمويل أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم. ورغم ذلك، قدم بيسنت قراءة أكثر تفاؤلاً للمرحلة المقبلة. وقال إن اليابان انتقلت من «اقتصاد آبي» إلى ما وصفه بـ«اقتصاد تاكايتشي»، الذي يراه أكثر دعماً للمساهمين، وأقل اعتماداً على تدخل الدولة، خصوصاً مع تحرير سوق العمل، وبعض القطاعات الأخرى. وأضاف أن اليابان ينبغي أن «تسترخي» وتستمتع بنجاح السياسات السابقة، في إشارة إلى أن الأساس الذي وضعته «أبينوميكس» يمكن أن يسمح للاقتصاد بالنمو دون الحاجة إلى تكرار مستويات التحفيز القديمة. ويعكس هذا الطرح رؤية مفادها بأن اليابان لم تعد تحتاج إلى إنعاش التضخم، بل إلى إدارته. وهذه نقلة كبيرة في فلسفة السياسة الاقتصادية، لأنها تعني الانتقال من مرحلة كان الخطر الرئيس فيها هو الانكماش إلى مرحلة يصبح فيها الخطر هو تجاوز التضخم للمستويات المقبولة. وسيكون اللقاء المتوقع بين بيسنت وأويدا على هامش اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين في آشفيل محط أنظار المستثمرين. فالأسواق ستراقب أي إشارات بشأن مسار الفائدة، والين، والتنسيق بين طوكيو وواشنطن بعد التدخل المشترك الأخير. أما بالنسبة للعملة اليابانية، فإن رسالة بيسنت تبدو واضحة بأن الضعف الحالي لا يزال مقبولاً طالما لم يتحول إلى تحرك فوضوي، لكن علاج المشكلة على المدى الأطول ينبغي أن يأتي من السياسة الاقتصادية اليابانية نفسها. وهكذا، تدخل اليابان مرحلة جديدة تتغير فيها أولوياتها بالكامل. ففي عصر «أبينوميكس»، كان المطلوب خلق التضخم، ودفع المستثمرين إلى المخاطرة. أما في المرحلة الحالية، فإن التحدي أصبح كيفية منع التضخم من تجاوز الحدود، ودعم الين دون زعزعة سوق السندات، وضبط الإنفاق من دون خنق النمو. وإذا صح تقييم بيسنت، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت «أبينوميكس» نجحت، بل كيف ستدير اليابان نجاحها في بيئة أصبحت فيها الفائدة الأعلى والعملة الضعيفة والدين الضخم عناصر رئيسة في المعادلة الاقتصادية الجديدة.