صراع أبطال «الكوميكس» يتجدد بين «دي سي» و«مارفل»

كيف انفرد «أفاتار» بنفسه ونجح؟

مشهد من الفيلم المقبل «حرّاس المجرّة»
مشهد من الفيلم المقبل «حرّاس المجرّة»
TT

صراع أبطال «الكوميكس» يتجدد بين «دي سي» و«مارفل»

مشهد من الفيلم المقبل «حرّاس المجرّة»
مشهد من الفيلم المقبل «حرّاس المجرّة»

النجاح العالمي لفيلم «أفاتار: طريق الماء» أثمر حتى كتابة هذه السطور عن تبوؤ الفيلم المركز الثالث بين الأفلام أعلى إيراداً في تاريخ السينما. الرقم المسجل هو ملياران و118 مليوناً و262 دولاراً. ومع مشارف «الويك - إند» غداً قد يخترق الفيلم المزيد من المراكز، والبعض يتوقع له أن يتبوأ الرقم الأول خلال الأيام العشرة المقبلة.
جيمس كاميرون، مخرج هذا الفيلم والجزء الأول منه، كان حقق المركز الأول لسنوات عندما حقق «تايتانك» سنة 1997 وشاهد إيراداته ترتفع حتى تجاوزت كل الأرقام السابقة. لكن أفلاماً أخرى، من بينها Avengers‪:‬ Endgame وStar Wars VII‪:‬ The Force Awakens نافست «تايتانك» على المركز الأول. وإذا ما وصل فيلم جيمس كاميرون الجديد إلى القمّة، كما هو متوقع، فإنه سيكون المخرج الوحيد الذي أنجز هذا النجاح ثلاث مرّات، وذلك عن «تايتانك» (مليارين و208 ملايين دولار) والجزء الأول من «أفاتار» قبل 14 سنة (مليارين و999 مليون دولار).‬‬

مجموعة أبطال {دي سي}

الدرس الذي تستطيع استوديوهات هوليوود الاستفادة منه هو أن الإنتاجات العملاقة كـ«أفاتار: طريق الماء» وأفلام «الأكشن» الأضخم من كل واقع لا عليها نبذ العامل الإنساني من حكاياتها. على العكس، تستطيع أن تحمل رسائل إنسانية وأبعد سياسية من دون أن يؤثر ذلك على نجاحاتها، ما دام هناك من يعرف سر الخلطة بين العناصر.
هذا عكس ما تطرحه هوليوود من أفلام سوبر هيرو (وسوبر فيلينز) القائمة على المؤثرات والخدع البصرية والكثير من ضوضاء المعارك والموسيقى والصوت. انبثاقاً من هذا، تميّز «أفاتار: طريق الماء» باهتمام صانعيه بالشخصيات. صحيح أنها جميعاً (غالباً) منضوية تحت أشكال غير آدمية، إلا أنها تنفح بالعاطفة، وتحمل تلك المشاعر التي لا جدال في أهميتها مثل الحب والتضحية والكيان العائلي الواحد.
نعم، أحياناً ما نرى في حكايات «سوبرمان» و«فلاش غوردون» و«ذَا أفنجرز» ملامح هذه المشاعر، لكنها تبدو مبتذلة ومجانية ومجرد زينة لاستقطاب الباحثين عنها.

سوبرمان يطير مجدداً

منافسة
«فوكس»، التي أنتجت «أفاتار طريق الماء» وكل الأجزاء المنتمية إليه، باتت من ممتلكات شركة ديزني، التي أرادت احتواء كل المنافسين لها. كانت «فوكس» تعوم فوق كنوز تابعة لشركة Marvel المرتبطة بدورها إلى «ديزني» بشراكة وثيقة، إذ كانت تضم شخصيات أخرى لشركة «مارفل» بينها X‪ - ‬ Men وDaredevil وFantastic Four. هذه كلها آلت إلى «ديزني» حالياً. ‬
علاقة جيمس كاميرون بشركة «تونتييث سنتشري فوكس» بدأت قبل البيعة بسنوات. لكن الرجل حمى نفسه من أن يُصبح أداة أخرى من أدوات «ديزني» بعقود صارمة تمنع أحداً سواه من تقرير مصير سلسلته هذه. ديزني في هذه الحال، ليست أكثر من موزع نشط للفيلم الحالي وما سيتبعه من أعمال.
لكن «ديزني» الآن تتطلع إلى منافسة أخرى على الطريق اسمها DC.
للقلة التي لا تعلم، Marvel وDC هما المعقلان الأكبر بين كل مؤسسي شخصيات «الكوميكس» المعروفة. «دي سي» لديها «سوبرمان» و«باتمان» و«ستيل» و«أكوامان» و«بلاك آدام» وشخصيات أخرى عديدة بعضها مسحوب من بعض ما تم ذكره مثل «سوبرغيرل» و«سوبربوي» و«جوكر» (الآتي من رحم «باتمان). «مارفل» لديها معسكر من الشخصيات المنافسة مثل «أيرون مان»، «فلاش غوردون»، «ذا أفنجرز»، «ثور»، و«حراس المجرة» و«سبايدر مان»... إلخ.
التنافس بينهما على شاشات السينما هو التنافس ذاته بين «وورنر»، التي تملك حقوق أفلام DC و«ديزني»، مالكة حقوق أفلام Marvel ورغم نجاحات «وورنر» السابقة من خلال أفلام «سوبرمان» و«باتمان»، فإن الغلبة في هذه المنافسة آلت - في الخمسة عشر عاماً الأخيرة - إلى «مارفل».
في الواقع، لم تنجح محاولات «وورنر» في الأعوام الخمس الأخيرة في تنويع وترويج شخصياتها الكلاسيكية مطلقاً. شيء ما واجه محاولاتها جذب الجمهور الذي أحب «باتمان» كما أنجزه تيم بيرتون في نهاية الثمانينات وكريستوفر نولان في مطلع هذا القرن، وسقط لها في العام الماضي «باتمان» آخر، كما كان سقط لها قبل ثلاثة أعوام اللقاء الذي بدا واعداً في «سوبرمان ضد باتمان».

مشاريع مستقبلية
«ليس هناك من مفر أمامكم سوى اللجوء إلى منهج جديد تماماً إذا ما أردتم الاستمرار في صنع أفلام سوبر هيرو».
القائل هو مخرج سلسلة «حرّاس المجرة» (The Guardians of the Galaxy) جيمس غن (Gunn) الذي حقق نجاحاته عند «ديزني»، عبر تلك السلسلة. وهو أضاف: «دعوني وشركائي نعيد ترتيب بيتكم على أساس جديد، وإلا فإنه لا مستقبل لكم في هذا النطاق».
«وورنر» وافقت وانتقل غن من معية ديزني ومارفل إلى وورنر - دي سي وباشر الشغل (مع شريكه بيتر سافران) من اليوم الأول.
في يوم الاثنين الماضي، وبعد ثلاثة أشهر من تعيينه، أقام غن وبيتر سافران مؤتمراً صحافياً في ربوع شركة وورنر شمالي لوس أنجليس لإعلان المنهج الجديد الذي ستسير عليه وورنر من الآن وصاعداً. قال فيما قاله: «أسسنا لصرح جديد تماماً وآلية منفصلة عن وورنر. تم منحنا كل الدعم وحرية التخطيط والتنفيذ وأستطيع الإعلان عن التالي».
والتالي كان جملة من الأفلام التي سيباشر العمل على تنفيذها تباعاً.
سلاح المقدّمة ما زال في يدي «سوبرمان» و«باتمان» لكن على أسس جديدة وحكايات يذكر المخرج أنها غير متوقعة. هو بنفسه سيقوم بإخراج «سوبرمان: وصية» (Superman‪:‬ Legacy الذي سيكون جاهزاً للعرض في الحادي عشر من يوليو (تموز) 2025. ‬
هناك أيضاً إعادة ولادة لشخصية «سوبرغيرل» التي، حسب الروايات، ابنة عم «سوبرمان» وتتمتع بقدراتها الخاصة. يشرح غن أن الفارق بين «سوبرمان» و«سوبرغيرل» أن «سوبرمان» هبط الأرض، بينما ترعرعت «سوبرغيرل» فوق كوكب كريبتون حيث وُلدت.
شمل الإعلان كذلك مسلسلاً من الكوميكس بعنوان Swamp Thing الذي كان حاول يجد لنفسه مكاناً على الأرض قبل عدّة سنوات، لكنه فشل. الشخصية هنا تحتاج لعناية كبيرة كونها شخصية تشبه مخلوقات غير آدمية بأشكال آدمية. هذا المشروع سينتمي إلى أفلام الرعب أكثر من انتمائه إلى أفلام الفضائيات و«السوبرمانيات».
لن يغيب «باتمان» (والنيّة استعادته مع شخصية تلميذه روبن) وستعود «ووندروومان» والحبل على الجرار كما قيل في المؤتمر الصحافي.
وهناك إعادة بعث لشخصيات ليست مشهورة مثل Waller الذي اقتبسه غن من مسلسل تلفزيوني قصير كان أشرف عليه من بطولة فيولا ديفيز.
أيضاً Lanterns الذي هو حالة خاصة. ذلك أن المشروع حتى وقت قريب كان لا يزال قيد الإنجاز تحت يدي المخرج غريغ برلنتي، لكن الواضح أنه لم يستطع، لسبب أو لآخر، التقدّم به كثيراً، فتم شطب المشروع والآن يُعاد تركيبه ضمن هذه الرؤية الجديدة.
واحد من تلك المشاريع التي تأمل «وورنر - دي سي» تحقيقها (والتي هي أيضاً جديدة) اسمه Authority الذي سيكون حول مجموعة من حراس الأرض يستخدمون وسائل غير مطروقة من قبل ومستقاة من نظام اسمه «وايلد ستورم». يقول سافران: «ليس عن أخيار ضد أشرار، بل شخصية (أوثوريتي) ستكون رمادية في هذا الشأن».
ما يتبدّى من خلال كل ذلك، أن «وورنر» قررت الالتزام برؤية غن - سافران للمستقبل ووافقت على أن تكون لــ«دي سي» كيانها المستقل. غرفة عمليات يكون لها مطلق الحرية في القرار والتنفيذ. للغاية تم توظيف عدد كبير من الكتّاب الذين سبق لهم وأن وضعوا سيناريوهات مثل هذه الأفلام، وتحديد برنامج عمل يقتضي إطلاق فيلمين سينمائيين في العام ومسلسلين تلفزيونيين كل سنة.
الباقي يتوقف على الجمهور وعلى سينمائيين آخرين كانوا حذّروا من مغبّة إطلاق أفلام تعتمد على المؤثرات وحدها. بين هؤلاء مارتن سكورسيزي وكريستوفر نولان وجيمس كاميرون نفسه.

9 أفلام «كوميكس» لعام 2023
1 - Guardians of the Galaxy - Part 3 (Marvel)
2 - (Shazam! Fury of the Gods (DC
3 -(Aquaman and the Lost Kingdom (DC
4_ Kraven ‪ (Marvel)‬‬
5 -(Blue Beetle (DC
6 -(The Flash (DC
7 - The Marvel ‪ (Marvel)‬‬
8 - Ant - Man and the Wasp Quantumania (Fox- Marvel)
9 Spider - Man Across the Spider - Verse


مقالات ذات صلة

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

يوميات الشرق مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم.

محمد رُضا (تورنتو)
يوميات الشرق شهد مهرجان «تورنتو السينمائي» العرض الأول للفيلم (الشركة المنتجة)

«أطفال لا أعرفهم»... طفولة تنجو من الحرب ولا تنجو من آثارها

الحيوية التي امتلكها هؤلاء الأطفال، رغم قسوة الحياة واضطرارهم إلى الاعتماد على أنفسهم، أثارت اهتمام المخرجة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.