حديثة في الأنبار.. يحاصرها مسلحو «داعش» والدخول إليها والخروج منها جوًا فقط

سكانها يعزون صمودها إلى سدها الاستراتيجي المهم وقاعدة عين الأسد الجوية القريبة منها

صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
TT

حديثة في الأنبار.. يحاصرها مسلحو «داعش» والدخول إليها والخروج منها جوًا فقط

صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)
صبيان في الفلوجة بعد حصولهم على مواد غذائية (واشنطن بوست)

تساقطت المدن المجاورة لهذه المدينة العراقية واحدة تلو الأخرى، الفلوجة والرمادي وهيت. وذبح مقاتلو «داعش» الآلاف مع إحكامهم قبضتهم على محافظة الأنبار الواقعة غرب العراق. مع ذلك، ظلت حديثة معقلاً للصمود.
ودفاعًا عن المدينة، خاضت قبائلها المحلية والجيش العراقي قتالاً ضاريًا في مواجهة هجمات مستمرة، وقد يكون الأهم من ذلك أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة العراقية، أبدتا تصميمهما على الحيلولة دون سقوط السد الهيدروكهربائي الضخم الكائن قرب المدينة في أيدي المتطرفين.
لكن في المقابل، يعيش سكان حديثة في ظروف صعبة في ظل انعزالهم عن العالم الخارجي، بينما يركز «داعش» على المدينة باعتبارها هدفهم المقبل.
شكت إسراء محمد، 38 سنة، بينما كانت في انتظار وصول شحنة نادرة من المساعدات الغذائية، الأسبوع الماضي، قائلة: «يبدو وكأننا لا نعيش في العراق، فليس هناك دخول أو خروج من المدينة. ويبدو كما لو أننا نعيش في جزيرة معزولة».
ووجدت أول مجموعة من الصحافيين تتمكن من الدخول إلى حديثة منذ ما يزيد على عام، المدينة المحاصرة في حالة مزرية، فمع ارتفاع أسعار الغازولين لأكثر من أربعة أضعاف السعر الوطني، أصبحت الدراجات أكثر انتشارًا من السيارات في الشوارع. كما فر الأطباء، وأصبح من العسير العثور على عاملين بالحقل الطبي. أما الكهرباء فلا تتوفر بالمدينة سوى ثلاثة ساعات يوميًا فقط.
وبالنسبة لـ«داعش»، تعد حديثة بمثابة جائزة قيمة، مع ما تملكه من سد يمتد لمسافة تقارب 6 أميال؛ مما يجعله ثاني أكبر منتج للطاقة الكهربائية في البلاد. وفي آخر تسجيلاته المسموعة، حث «داعش» أبناء القبائل السنية في المدينة على الاستسلام، محذرًا من أن مسلحيه قد يقتحمون المدينة «في أية لحظة».
في المقابل، يقع المدافعون عن المدينة تحت وطأة ضغوط هائلة. ووصف اللواء علي دبون، من مركز قيادة الجيش عند قاعدة السد، أحدث هجوم شنه مسلحو «داعش» أوائل الشهر الحالي، واختلج صوته بالانفعال، بينما كان يتذكر كيف أن التنظيم المتطرف هاجم بـ37 سيارة مفخخة في المنطقة. وقال: «واجهت جميع القطاعات في المدينة مهمة صعبة، لكننا بذلنا مجهودًا استثنائيًا».
يذكر أن حديثة تقع في أعماق محافظة الأنباء التي يغلب السنة على سكانها، والواقعة على بعد نحو 150 ميلاً إلى الغرب من العاصمة بغداد. وشهدت المسافة بين المدينتين سلسلة من الغزوات الناجحة لـ«داعش»: الرمادي، عاصمة المحافظة، والفلوجة التي تحولت حاليًا لحصن منيع للتنظيم. كما سقطت هيت، أقرب المدن إلى حديثة، منذ 10 شهور؛ مما تسبب في قطع خطوط الإمدادات لحديثة القادمة من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وإلى الغرب من حديثة، تمتد الصحراء باتجاه الحدود السورية، التي وقعت بأكملها تقريبًا الآن تحت سيطرة «داعش».
قالت إسراء، التي فرت من الفلوجة منذ عام ونصف العام، إنها وعائلتها الكبيرة المؤلفة من 23 شخصًا يحاولون الخروج من حديثة منذ 3 أشهر. إلا أن السبيل الوحيد للخروج من المدينة هو بطائرات عسكرية تنطلق من قاعدة عين الأسد المجاورة التي تمثل شريان الحياة للمدينة - ومن الصعب العثور على أماكن متاحة على متن هذه الطائرات. وقد تمكنت مجموعة من الصحافيين من دخول المدينة برفقة بعثة إغاثة، الأسبوع الماضي، خلال رحلة نظمها مكتب رئيس الوزراء حيدر البغدادي. وحسب عبد الحكيم الجغيفي، رئيس المجلس البلدي في حديثة، تضم المدينة حاليًا نحو 96.000 نسمة.
وقال: «الكثيرون يعانون بشدة جراء الحصار، بجانب الهجمات التي يشنها (داعش) طوال الوقت». وفي أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، وصل سعر جوال القمح الذي يزن 50 كيلوغرامًا إلى مليون دينار، مما يعادل نحو 840 دولارًا.
من ناحيتهم، ذكر مسؤولون محليون أن الأسعار تراجعت مؤخرًا مع نجاح بضعة قوافل مساعدات من الوصول إلى حديثة. وقد تولت طائرة مروحية مرافقة كل قافلة عبر الجزء الأكثر خطورة من الطريق، الذي يمر بمدن يسيطر عليها «داعش».
مع ذلك، يشكو سكان المدينة من أنه لدى وصول المساعدات تحت حماية مقاتلين قبليين أو أفراد من الجيش، فإنها لا تصل إليهم، ويجري بدلاً من ذلك توزيعها على قبائل محلية بعينها أو بيعها في السوق السوداء. وفي هذا الصدد، قال سمير مشعل، 50 سنة: «من وقت لآخر، تصل إمدادات، لكن لا نحصل على أي شيء منها». ولهذا السبب، حرص عمال إغاثة ومسؤولون عراقيون على السفر مع القافلة التي قدمت للمدينة الأسبوع الماضي، حاملة 21 طنًا من الأغذية.
من ناحيته، قال مصطفى العبيدي، 26 سنة، الذي يعمل مع منظمة «متطوعين عراقيين» الخيرية: «جئنا هنا اليوم، رغم كل المخاطر، لرغبتنا في الوصول مباشرة إلى الأسر».
واصطف المئات من الرجال والنساء للحصول على دقيق وأرز ومعجون طماطم وزيت، الخميس الماضي. وكان اليوم شديد الحرارة لدرجة أنه تم إعلانه إجازة وطنية، مع تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية. وقال حيدر مجيد، مسؤول بمكتب رئيس الوزراء: «إنهم بحاجة لإمدادات غذائية وأدوية، لكن بسبب الحصار، هذه المرة الأولى التي نصل المدينة».
وبعد خسارة القوات الحكومية الرمادي في مايو الماضي، تزايدت الهجمات ضد حديثة بشدة، حسبما أوضح إبراهيم الجغيفي، المتحدث الرئيسي باسم مقاتلي القبائل في المدينة، ومع ذلك، تراجعت الهجمات مؤخرًا، حيث يبدو أن «داعش» انشغل في الدفاع عن الرمادي ضد هجمات مضادة.
يذكر أن قبيلة الجغيفي تزعمت القتال هنا، لكن أبناءها يدركون جيدًا السبب وراء تمكنهم من صد هجمات «داعش»، حيث وفر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والجيش العراقي مساعدة محورية لهم نظرًا لما تحويه المدينة من سد استراتيجي وقربها من قاعدة «عين الأسد»، حيث يتمركز أكثر من 300 من قوات المارينز الأميركية في مهمة تدريبية. ويقول الجغيفي: «يتفق الجميع على أن هناك أمرين ساعدانا: وجود سد حديثة، وقاعدة عين الأسد».
ويتسم السد بأهمية كبيرة دفعت الحكومة الأميركية لتوسيع نطاق حملتها الجوية ضد «داعش» في سبتمبر (أيلول) للحيلولة دون سقوطه في أيدي المسلحين. حتى ذلك الوقت، كانت الضربات الجوية في العراق مقتصرة على المناطق الواقعة قرب جبل سنجار والمنطقة الكردية الواقعة إلى الشمال.
من جهته، يرغب «داعش»، الذي يواجه صعوبة في توفير الخدمات الأساسية في المناطق التي يسيطر عليها، في السيطرة على السد بهدف توفير إمدادات كهرباء للمناطق الخاضعة لـ«خلافته». وبخلاف الحال مع بعض المناطق الأخرى بالبلاد، أبدى التحالف الذي تقوده واشنطن «جدية» في حماية حديثة، حسبما ذكر الجغيفي، لكنه استطرد قائلاً إنهم «يظهرون فقط عندما تحتدم المعركة ويصبح الخطر وشيكًا للغاية».
من جهته، قال عواد خلف، ضابط بالشرطة المحلية: «لقد تعرضنا للنسيان، لكننا اتفقنا جميعًا على القتال حتى الموت».
وبالفعل، أكد الكثير من سكان المدينة أنه رغم الكثير من الصعاب، فإنهم لا يرغبون في مغادرة المدينة.

* خدمة: «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.


تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.