علاجات إلكترونية لالتهاب المفاصل

غرسات تحت الجلد لتحفيز الأعصاب

الغرسة الإلكترونية    ---   تحفيز العصب المبهم
الغرسة الإلكترونية --- تحفيز العصب المبهم
TT

علاجات إلكترونية لالتهاب المفاصل

الغرسة الإلكترونية    ---   تحفيز العصب المبهم
الغرسة الإلكترونية --- تحفيز العصب المبهم

يعكف العلماء الأميركيون على إجراء دراسات معمقة يأملون أن تؤكد أفضلية أداء العلاجات الإلكترونية وتفوقها على العلاجات الدوائية للأمراض الالتهابية.
ويشير الباحثون إلى النجاح الذي حققته السيدة مونيك روبرويك، التي عانت في الماضي من التهاب مفاصلٍ مضنٍ كان يمنعها من السير بسهولة في الغرفة رغم تناولها لأفضل الأدوية. ولكن غرسة إلكترونية زُرعت تحت جلدها قبل عشر سنوات مكّنتها من التخلّص من كلّ الأدوية والاستمرار بحياتها دون آلام حتّى أصيبت أخيراً بمرضٍ فيروسي تسبب في انتعاش التهاب المفاصل لديها من جديد.
ونقلت إيلي دولغن في مقال نشره موقع مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية، عن د. فريدا كوبمان، طبيبة متخصصة بالتهاب المفاصل في المركز الطبي الأكاديمي التابع لجامعة أمستردام، وصفها لاستراحة روبرويك الطويلة من المرض بالـ«مثيرة جداً للإعجاب» والنادرة بين مرضى التهاب المفاصل. تسلّط تجربة المريضة الضوء على الإمكانات الهائلة التي يتمتّع بها ما يُعرف بطبّ الإلكترونيات الحيوية، أو العلاجات الإلكترونية، هذا المجال الناشئ لعلاج الأمراض التي كانت غالباً تعالج بواسطة الأدوية التقليدية المتوفرة.
ولكنّ روبرويك كانت مريضة استثنائية أيضاً. ففي تجربة شملت 17 شخصاً قادتها كوبمان لاختبار ما إذا كانت عملية تحوير أنماط الإرسال الكهربائي في النظام العصبي قد تسهم في تخفيف الالتهابات والآلام الناتجة عن التهاب المفاصل، حقّقت روبرويك وحدها تراجعاً ملحوظاً ومستداماً في حدّة مرضها، بحسب ورقة بحثية نُشرت عام 2016.

غرسات إلكترونية

تُزرع غرسة «ست بوينت» SetPoint بجانب العصب المبهم vagus nerve الذي يمتدّ من الدماغ نزولاً حتّى أعصاب الطحال وأعضاء حيوية أخرى.
قد تكون الدراسات التجريبية كالتي أجرتها كوبمان مهمّة، ولكنّ اليقين العلمي يتطلّب تجارب عشوائية تشمل عيّنات كاذبة. وقريباً، سيتمكّن الأطبّاء، وعلماء الأعصاب، ومهندسو البيولوجيا من تكوين فهمٍ أفضل عن أداء الإلكترونيات العلاجية.
ومن المزمع أن تقدّم شركة «ست بوينت ميديكال» التي رعت تجربة كوبمان الأولى، في أواخر هذا العام تقريراً يستعرض النتائج الأولية لدراسة «ريسيت آر آي»، التي تُعدّ أوّل معاينة واسعة النطاق لاستخدام التحفيز العصبي في علاج أحد أمراض المناعة الذاتية. وكما التجربة الأولى، تستهدف دراسة «ريسيت آر آي». العصب المبهم، الموصل الأوّل للاتصال بين الدماغ والجسم، في محاولة لمحاربة الالتهابات.
يمكن القول إنّ التوقعات مرتفعة؛ فرغم أنّ الأجهزة التي تسخّر النبضات الكهربائية باتت منتشرة في عالم الطب، تركّز هذه المنصّات جميعها على الدوائر العصبية التي تؤثر بشكلٍ مباشر على الأنسجة المريضة. وعلى سبيل المثال، تساعد المحفّزات الدماغية العميقة في تخفيف أعراض مرض باركينسون من خلال قرصنة مركز السيطرة الحركية في الدماغ. في مقال علمي نُشر عام 2002. تحدّث كيفن تريسي عمّا أسماه «ردّ الفعل الالتهابي» «inflammatory reflex”، أي الشبكة العصبية التي تنظّم بشكلٍ غير مباشر ردود الأفعال المناعية على الإصابات والأمراض من خلال العصب المبهم والأعضاء المرتبطة به.

تنشيط الأعصاب

وكان تريسي، جرّاح الأعصاب السابق الذي يترأس معاهد فينشتاين للأبحاث الطبية في مانهاست، نيويورك، أوّل من بيّن أنّ تنشيط العصب المبهم في الفئران يمكن أن يثبط إفراز الجزيئات ذات الإرسال المناعي. لاحقاً، ربط جرّاح الأعصاب السابق التأثير بإرسالات العصب المبهم التي تتجه إلى الطحال، وهو عضو الجسم بحجم قبضة اليد موجود في المعدة حيث تنشط الخلايا المناعية. وفي عام 2007. شارك تريسي في تأسيس شركة «ست بوينت» لاستخدام هذا العلاج في العيادات.
أعادت الشركة بداية تحديد هدف غرسة استخدمت في الماضي للسيطرة على النوبات لدى مرضى الصرع. عزّزت «ست بوينت» معايير التحفيز بالاعتماد على دراسات على القوارض قبل إعطاء الأجهزة للمرضى ومنهم روبرويك. حصلت الأخيرة والمشاركون الآخرون في التجربة على مولّد نبضات بحجم الكعكة زُرع جراحياً داخل صدورهم، تفرّع منه سلكٌ امتدّ على طول الجهة اليسرى من العنق حيث التفّ قطبٌ كهربائي حول العصب المبهم. أصدر الجهاز ذبذبات تنشيطية طفيفة لمدّة دقيقة كاملة أربع مرّات كلّ يوم.
في ذلك الوقت، قلق بول بيتر تاك، عالم مناعي ورائد أعمال في مجال التقنيات الحيوية شارك في التجربة مع كوبمان، من رفض مرضى الالتهاب العصبي الخضوع لجراحة وفكرة زراعة غرسة تحت جلدهم. ولكن بعد الإعلان عن الدراسة على التلفزيون الهولندي، انبهر تاك بعدد الطلبات التي قدّمها مرضى تعبوا من الأدوية والحقن. يقول تاك: «لم أخطّط لهذا البحث السوقي. لقد تفاجأت بأنّ الكثير من المرضى يفضلون عملية جراحية واحدة ونهائية».
خرجت الدراسة بنتائج واعدة ولكنّ الجهاز نفسه كان مرهقاً، مما دفع «ست بوينت» إلى تعديل المنصّة وتقليصها إلى ناقلٍ عصبي بحجم حبّة الفستق مجهّز بأقطاب كهربائية مدمجة وبطارية تُشحن لاسلكياً موظّبة جميعها في قالبٍ سيليكوني يستقر مباشرة على العصب المبهم في العنق. من جهته، وصف ديفيد تشرنوف، رئيس القسم الطبي في «ست بوينت»، الأمر «بالانتقال من استخدام سيارة قديمة إلى أخرى من نوع تسلا - لقد أعيد تصميم الجهاز بالكامل».
وثبُتت سلامة استخدام هذا الجهاز في تجربة صغيرة أجريت عام 2018. اليوم، دخلت دراسة «ريست آر آي». التي شملت 250 شخصاً لم يحصل نصفهم على تنشيط كهربائي في أوّل 12 أسبوعاً بعد زرع الغرسة، مرحلة تقييم الفعالية. وإذا ثبتت فعاليتها، قد نشهد تجارب على أمراض مناعية ذاتية أخرى.
تعمل شركات أخرى حالياً على اختبار أجهزة تستهدف أعصاباً أقرب إلى مركز التنشيط المناعي - أي في «الجزء الفعّال من الجسم»، كما وصفها كريستوف فام، رئيس شركة «غالفاني بيو إلكترونيكس» البريطانية. يحاجج فام بأنّ مقاربة تعريض العضو الأساسي للتنشيط العصبي ستفتح المجال أمام تحويرٍ عصبي أكثر دقّة، ولاستهداف المرض دون تأثير تحفيز العصب المبهم على أماكن أخرى غير معنية.
واليوم، يعمل «غالفاني»، في مشروع مشترك بين «ألفابيت» من «غوغل» وشركة «جي إس كي». المتخصصة في الصناعات الدوائية، على تقييم محفّز العصب الطحالي المزروع في عدد محدود من مرضى الالتهاب العصبي. بدورها، تعمل شركة أخرى اسمها «ساكند ويف سيستمز» في مينيابوليس، على اختبار ما إذا كانت الموجات فوق الصوتية الموجّهة على الطحال تستطيع تقديم تأثيرات التسكين المناعي نفسها ولكن دون عبء التدخّل الجراحي. تتوقّع الشركتان الإعلان عن أوّل البيانات البشرية هذا العام.
يقول جين سيفيليكو، عالم متخصص بالتقنيات العصبية في جامعة نورث إيسترن، بوسطن، والذي أشرف سابقاً على جهود بحثية في مجال الإلكترونيات الحيوية في معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة: «التعديل العصبي في أوجّه. والتحكّم بالنسيج العصبي بدقّة زمانية ومكانية سيكون الطريق إلى علاج أو تحوير الكثير من الأوضاع المرضية». وتأمل «ست بوينت» ومعها الكثير من الشركات الأخرى أن تثبت صحّة كلامه خلال هذا العام.


مقالات ذات صلة

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يوميات الشرق يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن البريطانية، عن أنه يُمكن لدواء شائع تأخير ظهور أعراض مرض الروماتويد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك شرب القهوة قبل تناول أي طعام قد يسبب آثاراً جانبية غير متوقعة (أ.ف.ب)

4 آثار جانبية خطيرة لشرب القهوة على معدة فارغة

رغم فوائد القهوة المتعددة، فإن شربها قبل تناول أي طعام قد يسبب آثاراً جانبية غير متوقعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحفاظ على نوم كافٍ ومنتظم لا يسهم فقط في تحسين الصحة العامة بل قد يكون عنصراً داعماً في الوقاية من التهابات المسالك البولية والتعافي منها (بيكسلز)

ما تأثير النوم على التهاب المسالك البولية؟

ليس النوم مجرد فترة راحة، بل هو عملية حيوية تدعم مناعة الجسم وتنظّم العديد من الوظائف الفسيولوجية المرتبطة بصحة الجهاز البولي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك كوبان من مشروب الماتشا (أ.ف.ب)

مشروبات تقلل التوتر والقلق بشكل طبيعي

هناك بعض المشروبات التي تلعب دوراً مهماً في خفض مستويات التوتر وأعراض القلق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أقراص من الفيتامينات (أرشيفية- رويترز)

فيتامين شائع قد يساعد السرطان على التهرب من جهاز المناعة

كشفت دراسة جديدة أن مادة ينتجها الجسم من فيتامين «أ» قد تُضعف قدرة جهاز المناعة على مكافحة السرطان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.