المحلل السياسي في لبنان صحافي يحسن المعادلات الحسابية

مجال يفتقد حضور «الجنس اللطيف» بشكل لافت

أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
TT

المحلل السياسي في لبنان صحافي يحسن المعادلات الحسابية

أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)

تروج في الفترة الأخيرة في لبنان إطلالات صحافيين يعملون في مجال التحرير السياسي، وتحولوا مع الوقت إلى محللين يتوقعون أحداث البلاد.
بعض هؤلاء أصبحوا نجوم إعلام، ينتظر المشاهد تحليلاتهم السياسية المرتبطة بمعلومات جدية، وبعضهم الآخر يُلقبونه بالـ«بوسطجي» أو بـ«بالونات اختبار» يستخدمها المصدر الذي يزود هؤلاء بالمعلومات أو الشائعات، من أجل غايات خاصة. هؤلاء ليسوا بمنجمين أو علماء بالغيب؛ لكنهم يتوقعون أحداثاً مستقبلية بفضل «حسن صناعتهم» لمعادلات حسابية تطبعها السياسة. وبالتالي، يضعهم عملهم في خانة «أستاذ الرياضيات»، ولكن من نوع آخر.
أما طبيعة «التحليل السياسي» فهي مشتقة من مهنة المتاعب؛ إذ تتطلب الجهد وخلفية ثقافية لا يستهان بها. بالتالي، على أصحابه أن يكونوا مُلمّين بالتاريخ والجغرافيا والعلاقات -العامة والخاصة- وبكيفية القراءة بين السطور. وطبعاً، لم يسلم المحللون منذ نحو 3 سنوات من الخضوع إلى اختبارات عفوية من قبل متابعيهم، فبات بعضهم نجم الشاشة المحلية، في حين خرج آخرون من لعبة المنافسة إلى غير رجعة لفشل تحليلاتهم.
تطول لائحة المحللين السياسيين في لبنان، لتشمل عدة أسماء، من أقدمها سركيس نعّوم الذي لا يزال حتى اليوم يجذب بتحاليله أجيالاً من اللبنانيين. ومن الأسماء المشهورة في هذا المجال أيضاً: جوني منيّر، وصلاح سلام، وجورج صولاج، وسالم زهران، وجوزف أبو فاضل، وسيمون أبو فاضل. وهناك كذلك: حسين أيوب، ورضوان عقيل، وغيرهما. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يبرع محلل سياسي أكثر من غيره؟ وما أوصاف النجاح عنده؟ وكذلك ما طبيعة مصادر معلوماتهم؟ وكيف يمكن الوثوق بها؟

جوني منير  -----     صلاح سلام

- منيّر: ممنوع الاستسهال
يندرج اسم الصحافي جوني منيّر الكاتب في جريدة «الجمهورية» بين المحللين السياسيين المعروفين في لبنان. وقد استطاع أكثر من مرة إثبات جدارته في التحليل، إلى حد تصدره الـ«ترندات» على وسائل التواصل الاجتماعي، لصوابية توقعاته مرات عديدة. بنى منيّر خبرته الصحافية من محطات عدة. تنقّل بين المرئي والمسموع والمكتوب. ومن أشهر توقعاته الأخيرة حصول الانتخابات النيابية في لبنان في وقتها خلال شهر مايو (أيار) الفائت، على الرغم من معارضة لقيها من قبل زملاء، وحتى من رجال سياسة. وكذلك أصاب فيما يتعلق بوصول ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية، قبل تبوئه هذا المنصب بسنة. ومن أحدث توقعاته هو حصول الفراغ الرئاسي الذي سيستمر -كما يقول- حتى بداية موسم الصيف. وحقاً، برز منيّر من خلال مقالاته المكتوبة في أسلوبه التحليلي، ما شكَّل نقطة انطلاق قوية له في عالم التحليل السياسي.
يجيب منير على سؤال «الشرق الأوسط»: كيف تحوّل من صحافي إلى محلل سياسي؟ بالقول: «قد يكون عملي محرراً سياسياً هو السبب الأول لدخولي هذا المجال. عملي في الماضي مراسلاً على أرض الحدث، أسهم في إعطائي فكرة واضحة عن اللعبة السياسية في لبنان. بداياتي كانت من أسفل الهرم، ثم متابعتي الشؤون السياسية عن كثب، وقد زوداني بخبرات قد لا تتاح للصحافي العامل من وراء مكتبه فقط».
وسألناه عما هو المطلوب من الصحافي كي يبرع في هذا المجال؟ فردّ قائلاً: «صدقيته أولاً، وكذلك تزوده بثقافة غنية بالتاريخ، وأن يكون شغوفاً بالقراءة. إنها مسألة جهد يومي لا يتوقف، ويتجاوز أحياناً الـ18 ساعة من العمل المستمر. عامل الدقة عامل أساسي بالتوازي مع مقاربة الصحافي الأحداث ووجهات النظر حولها، فيبني تحليلاته على ركائز متينة نابعة من الواقع، وفقاً لرؤيته للأمور».
ولكن، أحياناً تنقلب المقاييس، وما كان يصح توقعه بالأمس يتبدل اليوم، وفقاً لتغييرات مفاجئة تحصل. «عندما تتغير المعطيات -حسب منيّر- تتبدل من دون شك التحليلات والنتائج... أنا أتوقع الفراغ الرئاسي مثلاً على مدى عدة أشهر، ولكن قد تتبدل الصورة في حال حصول معطى كبير. ويمكن أن يتعلق الأمر بغياب شخصية عالمية، أو بانفجار أمني بفلسطين المحتلة، وغيرها من أحداث غير متوقعة بحيث تأخذنا إلى أماكن أخرى».
وسألناه عن مصادره، فكان الجواب: «قراءة الأحداث اللبنانية تبدأ انطلاقاً من القوى اللبنانية الداخلية وأخرى خارجية. وبالتالي، وفقاً لأداء بلدان تلعب دوراً بارزاً، إقليمياً ودولياً، كالمملكة العربية السعودية، وإيران، وأميركا، وأوروبا (فرنسا)، والفاتيكان. كلّها تعدّ جهات مؤثرة وحاسمة في موضوع لبنان. ولذا، فإن مصادر المعلومات تأتي من دبلوماسيين وسياسيين ومسؤولين أمنيين وإداريين».

- أيوب: أنا صحافي أولاً
ما يجهله كثيرون أن المحلل السياسي لا يتقاضى أي أجر عند استضافته في وسائل إعلام محلية. إلا أن الأمر يتغير عندما يتعلق بإطلالة على شاشة فضائية. ففي هذه الحالة يحاسبونه مادياً لقاء الوقت الذي أعطاه لهم، ولو كان المبلغ المدفوع رمزياً، في غالبية الأوقات. فالتلفزيونات المحلية اللبنانية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها المحطات كما لبنان، كثفت من عرض هذه البرامج الحوارية، ومن الـ«توك شو» وغيرها؛ لأنها غير مكلفة. وهنا يرفض حسين أيوب تقديم نفسه تحت عنوان «المحلل السياسي». ويوضح أيوب لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «أنا صحافي أولاً، وأمارس مهنتي عبر الموقع الإلكتروني (بوست 180) بعدما كنت محرّراً في جريدة (السفير) لمدة طويلة. وأحب أن يُعرّف عني بكوني صحافياً أكثر من محلل سياسي. إن العمل الصحافي يسبق بأهميته مهنة التحليل السياسي».
أيوب يرى أن المعلومة التي يحصل عليها الصحافي المحلل مهمة، ولكن «أحياناً يكون لدى مصدر المعلومة مصلحة معينة في تمريرها. ولذلك يتوجب على الصحافي أن يقيّم المعلومات بحسه المهني، ومن المهم جداً أن يعرف كيف يتناولها ويعطيها حجمها الحقيقي. ولكن أحياناً يحدث تواطؤ بين الصحافي ومصدر المعلومة... والأسوأ طبعاً إذا كانت المعلومة مضرة».
وسألنا أيوب: ماذا عن نجومية المحلل؟ وهل يصبح أسيرها مع الوقت؟ فأوضح: «النجومية عامةً هي بمثابة لعبة خطيرة، قد تؤثر على صاحبها سلباً. وهنا لا يمكنني إلا أن أتذكّر زميلي الراحل عدنان الحاج. كان هاتفه يرن باستمرار، وعلى عدد الدقائق، من قبل سياسيين ورجال أمن ورؤساء أحزاب. وفجأة صمتت هذه الاتصالات بعدما أقفلت جريدة (السفير) أبوابها، وتوقّف عن ممارسة عمله صحافياً فيها. هذا الأمر ترك عليه أثراً سلبياً كبيراً، انعكس على صحته الجسدية والنفسية، فرحل عن هذا العالم بين ليلة وضحاها، وهو يسأل نفسه: أين ذهب كل هؤلاء الناس؟».
أيوب يؤمن بأن الاستمرارية في العمل الصحافي أهم من النجومية. وقد استدرك هذا الأمر عندما أسس مع عدد من زملائه موقعاً إلكترونياً كمنبر صحافي له.
وهنا يوضح: «جميعنا، زملائي وأنا، كنا قد غادرنا المؤسسات التي نعمل فيها بسبب إقفال أبوابها؛ إلا أننا عدنا فالتقينا في هذا الموقع المشترك. والأهم هو أننا لا نتبع أي أجندة مهنية مفروضة علينا، ما يزوّدنا بمساحة حرة في عملنا. الصحافي لا يتحوّل إلى محلل سياسي بين ليلة وضحاها، فتنزل عليه كالباراشوت، إنه نتاج تجارب وتراكمات وخبرات مهنة يمارسها».

- صلاح سلام: غياب المرأة مجحف بحقها
من جانب آخر، في ظل كثرة عدد المحللين السياسيين من الرجال، يُلاحظ غياب لافت للجنس اللطيف. إذ إن الإعلاميات لم يستطعن بعد اختراق الجدار «الذكوري» وتحقيق الانتشار والنجاح المطلوبين في عالم التحليل السياسي. وهنا يعلق صلاح سلام، المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة «اللواء»، في حديث مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «مع الأسف، نحن نعيش في مجتمع ذكوري بامتياز، على الرغم من كل ما ندعيه في لبنان، من انفتاح وديمقراطية. فالعنصر النسائي ليس مغيباً فقط عن هذه الدائرة؛ بل أيضاً عن مجالات عمل أخرى. وكما في المجلس النيابي، كذلك في مجلس الوزراء، وفي مجالس الأحزاب. إن العقلية السائدة تنم عن إحساس بقلة قدرة المرأة على القيام بمهمات الرجل نفسها. وهذا أمر خاطئ بالطبع. كذلك فإن العقلية السياسية لا تزال محصورة بالعمل الذكوري، وغياب المرأة عن جميع هذه المجالات مجحف في حقها؛ لأنها تتمتع بقدرات لا يستهان بها أبداً». ما يستحق الذكر هنا أن المحاورين عبر الشاشات من مذيعين ومذيعات يسهمون في غياب المرأة المحللة عن منابرهم.
وعلى هذا يعلق سلام: «للأسف هناك توجه عام. والإعلاميات أنفسهن يفضّلن استضافة الرجل على المرأة في التحليل السياسي. ثمة نوع من الوهم بأن الرجل يتفوق على المرأة، وهو أمر غير صحيح. ففي مجال الرياضة، وبالتحديد في كرة السلة، استطاع منتخب النساء الوطني الوصول إلى العالمية. وكذلك فتيات فريق (مياس) لفتن العالم بفنهن الراقي. والأمثلة كثيرة على كذلك، كالدكتورة ساميا خوري التي فازت بجائزة الملك سلمان العالمية لأبحاث الإعاقة، في دورتها الثالثة. النساء مبدعات، ولكن هناك أفكاراً بالية لا تزال تسود مجتمعنا مع الأسف».
صلاح سلام يُعد من المحللين السياسيين الذين يتمتعون بحضور سلس عبر الشاشة. فتحليلاته السياسية -بشهادة متابعيه- جدية ومتوازنة، بعيدة كل البعد عن خطاب الكراهية. وهنا يقول: «مع الأسف، في لبنان محطات تلفزيون تعطي مساحات من هوائها لأشخاص لا يعرفون مخاطبة الرأي العام، وما يخدم الوطن. بينهم من يغتنم فرصة إطلالته ليصب الزيت على النار، ويوقد الخلافات السياسية بالحقد والكراهية. عملنا يجب أن يستند إلى نقاط تجمع الوطن وتوحّد أبناءه. وعلينا أيضاً بوصفنا محللين سياسيين أن نبرز نواحي إيجابية حقيقية، كي نوصل بعض الأمل للناس».
ويضيف: «لبنان يتمتع بتعددية سياسية وتنوع مجتمعي، وهو بلد ديمقراطي يستحق أهله الحياة. وبالتالي، علينا الأخذ بعين الاعتبار جيل الشباب الواقع بين قرار الهجرة والبقاء في بلد مهترئ. إن حواراتنا التحليلية يجب أن تكون هادفة لا أن تكون مجرد (خناقات) وخلافات نشعلها إلى حد إهانة الآخر».
واستطرد: «أنا عادة ما أشترط عند استضافتي أن يكون الطرف الآخر المدعو معي محاوراً يدافع عن وجهة نظره، ويوصله إلى الرأي العام بطريقة حضارية. وهو ما يسمح لنا بالتحاور بهدوء، من دون ممارسة سياسة التخوين أو المزايدات الوطنية».
أما عن سبب «الطفرة» الحالية في عدد المحللين السياسيين في لبنان، فيشرح: «السبب الأول يعود إلى أن برامج الـ«توك شو» هي الأقل كلفة على محطات التلفزيون. أما السبب الثاني فيتعلق بالأزمات السياسية التي يتخبط بها لبنان، ما يفرض على المحطات تكثيف المادة السياسية. ثم إن التحليلات مطلوبة أيضاً من المتلقي؛ لأنه يعاني حالة قلق، فيتابعها ويدمن عليها، بحثاً عن بقعة ضوء يتفاءل بها، أو عن نهاية تخرجه من النفق الذي يعيش فيه».


مقالات ذات صلة

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.