المحلل السياسي في لبنان صحافي يحسن المعادلات الحسابية

مجال يفتقد حضور «الجنس اللطيف» بشكل لافت

أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
TT

المحلل السياسي في لبنان صحافي يحسن المعادلات الحسابية

أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)
أيوب (يسار) محللاً في برنامج مع الإعلامي رشاد الزغبي (الشرق الأوسط)

تروج في الفترة الأخيرة في لبنان إطلالات صحافيين يعملون في مجال التحرير السياسي، وتحولوا مع الوقت إلى محللين يتوقعون أحداث البلاد.
بعض هؤلاء أصبحوا نجوم إعلام، ينتظر المشاهد تحليلاتهم السياسية المرتبطة بمعلومات جدية، وبعضهم الآخر يُلقبونه بالـ«بوسطجي» أو بـ«بالونات اختبار» يستخدمها المصدر الذي يزود هؤلاء بالمعلومات أو الشائعات، من أجل غايات خاصة. هؤلاء ليسوا بمنجمين أو علماء بالغيب؛ لكنهم يتوقعون أحداثاً مستقبلية بفضل «حسن صناعتهم» لمعادلات حسابية تطبعها السياسة. وبالتالي، يضعهم عملهم في خانة «أستاذ الرياضيات»، ولكن من نوع آخر.
أما طبيعة «التحليل السياسي» فهي مشتقة من مهنة المتاعب؛ إذ تتطلب الجهد وخلفية ثقافية لا يستهان بها. بالتالي، على أصحابه أن يكونوا مُلمّين بالتاريخ والجغرافيا والعلاقات -العامة والخاصة- وبكيفية القراءة بين السطور. وطبعاً، لم يسلم المحللون منذ نحو 3 سنوات من الخضوع إلى اختبارات عفوية من قبل متابعيهم، فبات بعضهم نجم الشاشة المحلية، في حين خرج آخرون من لعبة المنافسة إلى غير رجعة لفشل تحليلاتهم.
تطول لائحة المحللين السياسيين في لبنان، لتشمل عدة أسماء، من أقدمها سركيس نعّوم الذي لا يزال حتى اليوم يجذب بتحاليله أجيالاً من اللبنانيين. ومن الأسماء المشهورة في هذا المجال أيضاً: جوني منيّر، وصلاح سلام، وجورج صولاج، وسالم زهران، وجوزف أبو فاضل، وسيمون أبو فاضل. وهناك كذلك: حسين أيوب، ورضوان عقيل، وغيرهما. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يبرع محلل سياسي أكثر من غيره؟ وما أوصاف النجاح عنده؟ وكذلك ما طبيعة مصادر معلوماتهم؟ وكيف يمكن الوثوق بها؟

جوني منير  -----     صلاح سلام

- منيّر: ممنوع الاستسهال
يندرج اسم الصحافي جوني منيّر الكاتب في جريدة «الجمهورية» بين المحللين السياسيين المعروفين في لبنان. وقد استطاع أكثر من مرة إثبات جدارته في التحليل، إلى حد تصدره الـ«ترندات» على وسائل التواصل الاجتماعي، لصوابية توقعاته مرات عديدة. بنى منيّر خبرته الصحافية من محطات عدة. تنقّل بين المرئي والمسموع والمكتوب. ومن أشهر توقعاته الأخيرة حصول الانتخابات النيابية في لبنان في وقتها خلال شهر مايو (أيار) الفائت، على الرغم من معارضة لقيها من قبل زملاء، وحتى من رجال سياسة. وكذلك أصاب فيما يتعلق بوصول ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية، قبل تبوئه هذا المنصب بسنة. ومن أحدث توقعاته هو حصول الفراغ الرئاسي الذي سيستمر -كما يقول- حتى بداية موسم الصيف. وحقاً، برز منيّر من خلال مقالاته المكتوبة في أسلوبه التحليلي، ما شكَّل نقطة انطلاق قوية له في عالم التحليل السياسي.
يجيب منير على سؤال «الشرق الأوسط»: كيف تحوّل من صحافي إلى محلل سياسي؟ بالقول: «قد يكون عملي محرراً سياسياً هو السبب الأول لدخولي هذا المجال. عملي في الماضي مراسلاً على أرض الحدث، أسهم في إعطائي فكرة واضحة عن اللعبة السياسية في لبنان. بداياتي كانت من أسفل الهرم، ثم متابعتي الشؤون السياسية عن كثب، وقد زوداني بخبرات قد لا تتاح للصحافي العامل من وراء مكتبه فقط».
وسألناه عما هو المطلوب من الصحافي كي يبرع في هذا المجال؟ فردّ قائلاً: «صدقيته أولاً، وكذلك تزوده بثقافة غنية بالتاريخ، وأن يكون شغوفاً بالقراءة. إنها مسألة جهد يومي لا يتوقف، ويتجاوز أحياناً الـ18 ساعة من العمل المستمر. عامل الدقة عامل أساسي بالتوازي مع مقاربة الصحافي الأحداث ووجهات النظر حولها، فيبني تحليلاته على ركائز متينة نابعة من الواقع، وفقاً لرؤيته للأمور».
ولكن، أحياناً تنقلب المقاييس، وما كان يصح توقعه بالأمس يتبدل اليوم، وفقاً لتغييرات مفاجئة تحصل. «عندما تتغير المعطيات -حسب منيّر- تتبدل من دون شك التحليلات والنتائج... أنا أتوقع الفراغ الرئاسي مثلاً على مدى عدة أشهر، ولكن قد تتبدل الصورة في حال حصول معطى كبير. ويمكن أن يتعلق الأمر بغياب شخصية عالمية، أو بانفجار أمني بفلسطين المحتلة، وغيرها من أحداث غير متوقعة بحيث تأخذنا إلى أماكن أخرى».
وسألناه عن مصادره، فكان الجواب: «قراءة الأحداث اللبنانية تبدأ انطلاقاً من القوى اللبنانية الداخلية وأخرى خارجية. وبالتالي، وفقاً لأداء بلدان تلعب دوراً بارزاً، إقليمياً ودولياً، كالمملكة العربية السعودية، وإيران، وأميركا، وأوروبا (فرنسا)، والفاتيكان. كلّها تعدّ جهات مؤثرة وحاسمة في موضوع لبنان. ولذا، فإن مصادر المعلومات تأتي من دبلوماسيين وسياسيين ومسؤولين أمنيين وإداريين».

- أيوب: أنا صحافي أولاً
ما يجهله كثيرون أن المحلل السياسي لا يتقاضى أي أجر عند استضافته في وسائل إعلام محلية. إلا أن الأمر يتغير عندما يتعلق بإطلالة على شاشة فضائية. ففي هذه الحالة يحاسبونه مادياً لقاء الوقت الذي أعطاه لهم، ولو كان المبلغ المدفوع رمزياً، في غالبية الأوقات. فالتلفزيونات المحلية اللبنانية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها المحطات كما لبنان، كثفت من عرض هذه البرامج الحوارية، ومن الـ«توك شو» وغيرها؛ لأنها غير مكلفة. وهنا يرفض حسين أيوب تقديم نفسه تحت عنوان «المحلل السياسي». ويوضح أيوب لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «أنا صحافي أولاً، وأمارس مهنتي عبر الموقع الإلكتروني (بوست 180) بعدما كنت محرّراً في جريدة (السفير) لمدة طويلة. وأحب أن يُعرّف عني بكوني صحافياً أكثر من محلل سياسي. إن العمل الصحافي يسبق بأهميته مهنة التحليل السياسي».
أيوب يرى أن المعلومة التي يحصل عليها الصحافي المحلل مهمة، ولكن «أحياناً يكون لدى مصدر المعلومة مصلحة معينة في تمريرها. ولذلك يتوجب على الصحافي أن يقيّم المعلومات بحسه المهني، ومن المهم جداً أن يعرف كيف يتناولها ويعطيها حجمها الحقيقي. ولكن أحياناً يحدث تواطؤ بين الصحافي ومصدر المعلومة... والأسوأ طبعاً إذا كانت المعلومة مضرة».
وسألنا أيوب: ماذا عن نجومية المحلل؟ وهل يصبح أسيرها مع الوقت؟ فأوضح: «النجومية عامةً هي بمثابة لعبة خطيرة، قد تؤثر على صاحبها سلباً. وهنا لا يمكنني إلا أن أتذكّر زميلي الراحل عدنان الحاج. كان هاتفه يرن باستمرار، وعلى عدد الدقائق، من قبل سياسيين ورجال أمن ورؤساء أحزاب. وفجأة صمتت هذه الاتصالات بعدما أقفلت جريدة (السفير) أبوابها، وتوقّف عن ممارسة عمله صحافياً فيها. هذا الأمر ترك عليه أثراً سلبياً كبيراً، انعكس على صحته الجسدية والنفسية، فرحل عن هذا العالم بين ليلة وضحاها، وهو يسأل نفسه: أين ذهب كل هؤلاء الناس؟».
أيوب يؤمن بأن الاستمرارية في العمل الصحافي أهم من النجومية. وقد استدرك هذا الأمر عندما أسس مع عدد من زملائه موقعاً إلكترونياً كمنبر صحافي له.
وهنا يوضح: «جميعنا، زملائي وأنا، كنا قد غادرنا المؤسسات التي نعمل فيها بسبب إقفال أبوابها؛ إلا أننا عدنا فالتقينا في هذا الموقع المشترك. والأهم هو أننا لا نتبع أي أجندة مهنية مفروضة علينا، ما يزوّدنا بمساحة حرة في عملنا. الصحافي لا يتحوّل إلى محلل سياسي بين ليلة وضحاها، فتنزل عليه كالباراشوت، إنه نتاج تجارب وتراكمات وخبرات مهنة يمارسها».

- صلاح سلام: غياب المرأة مجحف بحقها
من جانب آخر، في ظل كثرة عدد المحللين السياسيين من الرجال، يُلاحظ غياب لافت للجنس اللطيف. إذ إن الإعلاميات لم يستطعن بعد اختراق الجدار «الذكوري» وتحقيق الانتشار والنجاح المطلوبين في عالم التحليل السياسي. وهنا يعلق صلاح سلام، المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة «اللواء»، في حديث مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «مع الأسف، نحن نعيش في مجتمع ذكوري بامتياز، على الرغم من كل ما ندعيه في لبنان، من انفتاح وديمقراطية. فالعنصر النسائي ليس مغيباً فقط عن هذه الدائرة؛ بل أيضاً عن مجالات عمل أخرى. وكما في المجلس النيابي، كذلك في مجلس الوزراء، وفي مجالس الأحزاب. إن العقلية السائدة تنم عن إحساس بقلة قدرة المرأة على القيام بمهمات الرجل نفسها. وهذا أمر خاطئ بالطبع. كذلك فإن العقلية السياسية لا تزال محصورة بالعمل الذكوري، وغياب المرأة عن جميع هذه المجالات مجحف في حقها؛ لأنها تتمتع بقدرات لا يستهان بها أبداً». ما يستحق الذكر هنا أن المحاورين عبر الشاشات من مذيعين ومذيعات يسهمون في غياب المرأة المحللة عن منابرهم.
وعلى هذا يعلق سلام: «للأسف هناك توجه عام. والإعلاميات أنفسهن يفضّلن استضافة الرجل على المرأة في التحليل السياسي. ثمة نوع من الوهم بأن الرجل يتفوق على المرأة، وهو أمر غير صحيح. ففي مجال الرياضة، وبالتحديد في كرة السلة، استطاع منتخب النساء الوطني الوصول إلى العالمية. وكذلك فتيات فريق (مياس) لفتن العالم بفنهن الراقي. والأمثلة كثيرة على كذلك، كالدكتورة ساميا خوري التي فازت بجائزة الملك سلمان العالمية لأبحاث الإعاقة، في دورتها الثالثة. النساء مبدعات، ولكن هناك أفكاراً بالية لا تزال تسود مجتمعنا مع الأسف».
صلاح سلام يُعد من المحللين السياسيين الذين يتمتعون بحضور سلس عبر الشاشة. فتحليلاته السياسية -بشهادة متابعيه- جدية ومتوازنة، بعيدة كل البعد عن خطاب الكراهية. وهنا يقول: «مع الأسف، في لبنان محطات تلفزيون تعطي مساحات من هوائها لأشخاص لا يعرفون مخاطبة الرأي العام، وما يخدم الوطن. بينهم من يغتنم فرصة إطلالته ليصب الزيت على النار، ويوقد الخلافات السياسية بالحقد والكراهية. عملنا يجب أن يستند إلى نقاط تجمع الوطن وتوحّد أبناءه. وعلينا أيضاً بوصفنا محللين سياسيين أن نبرز نواحي إيجابية حقيقية، كي نوصل بعض الأمل للناس».
ويضيف: «لبنان يتمتع بتعددية سياسية وتنوع مجتمعي، وهو بلد ديمقراطي يستحق أهله الحياة. وبالتالي، علينا الأخذ بعين الاعتبار جيل الشباب الواقع بين قرار الهجرة والبقاء في بلد مهترئ. إن حواراتنا التحليلية يجب أن تكون هادفة لا أن تكون مجرد (خناقات) وخلافات نشعلها إلى حد إهانة الآخر».
واستطرد: «أنا عادة ما أشترط عند استضافتي أن يكون الطرف الآخر المدعو معي محاوراً يدافع عن وجهة نظره، ويوصله إلى الرأي العام بطريقة حضارية. وهو ما يسمح لنا بالتحاور بهدوء، من دون ممارسة سياسة التخوين أو المزايدات الوطنية».
أما عن سبب «الطفرة» الحالية في عدد المحللين السياسيين في لبنان، فيشرح: «السبب الأول يعود إلى أن برامج الـ«توك شو» هي الأقل كلفة على محطات التلفزيون. أما السبب الثاني فيتعلق بالأزمات السياسية التي يتخبط بها لبنان، ما يفرض على المحطات تكثيف المادة السياسية. ثم إن التحليلات مطلوبة أيضاً من المتلقي؛ لأنه يعاني حالة قلق، فيتابعها ويدمن عليها، بحثاً عن بقعة ضوء يتفاءل بها، أو عن نهاية تخرجه من النفق الذي يعيش فيه».


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».