اكتشاف 4 مقابر أثرية من عصر الدولة القديمة في مصر

عالم المصريات زاهي حواس مع التماثيل (البعثة الأثرية برئاسة حواس)
عالم المصريات زاهي حواس مع التماثيل (البعثة الأثرية برئاسة حواس)
TT

اكتشاف 4 مقابر أثرية من عصر الدولة القديمة في مصر

عالم المصريات زاهي حواس مع التماثيل (البعثة الأثرية برئاسة حواس)
عالم المصريات زاهي حواس مع التماثيل (البعثة الأثرية برئاسة حواس)

يبدو أن منطقة سقارة الأثرية ما زالت تخفي كثيراً من الأسرار؛ فبين الحين والآخر تميط المنطقة الواقعة بمحافظة الجيزة المصرية (غرب القاهرة) اللثام عن بعض كنوزها، التي كان آخرها اكتشاف 4 مقابر أثرية تعود لعصر الدولة القديمة، أي ما يزيد على 4 آلاف عام، حسب ما أعلنه عالم المصريات الدكتور زاهي حواس وزير الآثار المصري الأسبق، يوم أمس (الخميس).
وقال حواس، في مؤتمر صحافي بموقع الكشف الأثري في منطقة حفائر جسر المدير بسقارة، إن «أعمال حفائر البعثة المصرية المشتركة مع المجلس الأعلى للآثار أسفرت عن عدة اكتشافات أثرية تعود إلى عصر الأسرتين الخامسة والسادسة من الدولة القديمة».
وبدأت حفائر البعثة الأثرية المصرية في منطقة جسر المدير بسقارة عام 2007. وخلال مواسم الحفائر المختلفة، عثر على مجموعة من المقابر والمقتنيات الأثرية.
وأوضح حواس أن «المقابر التي عثر عليها مؤخراً من عصر الدولة القديمة تؤكد أن المنطقة كانت عبارة عن جبانة ضخمة»، مشيراً إلى أن «البعثة كانت قد عثرت قبل عدة شهور على 9 تماثيل أثرية من الحجر الجيري الملون لا تحمل اسماً، وتمثل رجلاً بجواره زوجته، قبل أن تكتشف بالصدفة، الأسبوع الماضي، باباً وهمياً لمقبرة، بجوار موقع التماثيل، يحمل صاحبها اسم (ميسي)، وكان يشغل منصب كاهن المجموعة الهرمية للملك بيبي الأول، تعود لعصر الأسرة الخامسة». وأعرب عن اعتقاده بأن «التماثيل التسعة تعود لميسي».
وتضمن الكشف العثور على مقبرة «خنوم جد إف»، وكان يعمل مفتشاً على الموظفين ومشرفاً على النبلاء وكاهناً للمجموعة الهرمية للملك أوناس، آخر ملوك الأسرة الخامسة، والمقبرة ملونة وبها مناظر الحياة اليومية، حسب حواس.
وأشار حواس إلى أن أعمال الحفائر كشفت أيضاً عن مقبرة مري، الذي كان يحمل ألقاباً متعددة، بينها «كاتم الأسرار»، و«مساعد قائد القصر العظيم».
وداخل بئر دفن عمقها نحو 10 أمتار، عثر على مجموعة تماثيل خشبية، و3 تماثيل حجرية، تمثل القاضي والكاتب «فتك»، وبجواره مائدة قرابين، إلى جانب تابوت بداخله مومياء «فتك».
وأوضح حواس أنه «عثر على بئر يصل عمقها إلى نحو 15 متراً، وجد أسفلها تابوت من الحجر الجيري لشخص يدعى (حكا شبس)، وعثر حول التابوت على العديد من الأواني الحجرية». وأشار إلى أن «التابوت فتح للمرة الأولى منذ نحو 4300 عام، وعثر بداخله على مومياء لرجل مغطاة برقائق الذهب، تعد أقدم مومياء غير ملكية يعثر عليها حتى الآن».
بدوره، قال الدكتور صبري فرج، مدير منطقة آثار سقارة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكشف تضمن مقابر من الطوب اللبن ومقابر صخرية نقش على جدرانها مشاهد تصور الحياة اليومية، ومناظر صناعة الجعة»، مشيراً إلى أن «الكشف تضمن تماثيل ومجموعة من الأبواب الوهمية».
وإلى جانب المقابر والمومياوات تضمن الكشف مجموعة من التماثيل اعتبرها حواس «الأكثر أهمية»، نظراً «لجمالها ولتعبيرها عن فترة تاريخية مهمة»، على حد قوله، من بينها «تمثال لشخص يظهر واقفاً، وبجواره زوجته تمسك بقدمه، وإلى الجانب الآخر ابنته تحمل إوزة» قال عنه حواس إنه «يجسد العادات المصرية القديمة، ولا يعتبر تقليلاً من شأن المرأة التي اعتادت الوقوف إلى جوار زوجها في العصور الماضية».
ومن بين التماثيل «منحوتة تجسد سيدة وهي تعجن»، أعرب حواس عن اعتقاده بأنها «كانت سيدة البيت وليست خادمة». وأكد أن «منطقة سقارة أخرجت خلال تاريخها كماً كبيراً من التماثيل يعرض جزء منها في المتحف المصري بالتحرير»، لافتاً إلى أن «هذه المرة الأولى التي عثر فيها على تماثيل بهذا الحجم منذ سنوات عديدة».



لقاء مفاجئ بين المنفي وبلقاسم حفتر يضع الليبيين أمام علامات استفهام

المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
TT

لقاء مفاجئ بين المنفي وبلقاسم حفتر يضع الليبيين أمام علامات استفهام

المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)
المنفي وبلقاسم حفتر في أول لقاء بينهما 26 مارس (مكتب المنفي)

للمرة الأولى وبشكل مفاجئ اجتمع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، مع بلقاسم حفتر مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار»، وهو الأمر الذي فاجأ قطاعات واسعة من المواطنين، ووضعهم أمام علامات استفهام حول طبيعة هذا اللقاء، والهدف منه.

وجاء الاجتماع الذي كشف عنه المنفي مساء الخميس، دون تحديد مكان انعقاده، في وقت تعاني فيه ليبيا حدة الانقسام بين سلطات غرب البلاد التي يمثّلها المنفي، وشرقها التي يقف خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» على رأسها.

ومع تزايد التساؤلات حول دوافع الاجتماع، الذي علمت «الشرق الأوسط» أنه عُقد خارج ليبيا، قال مكتب المنفي إنه جاء في إطار «مواصلة المشاورات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاستقرار، ودفع عجلة البناء والتنمية في مختلف أنحاء البلاد».

ويقضي المنفي عطلة عيد الفطر المبارك في إسبانيا، وهو دأب قيادات ليبية تفضّل أن تمضي إجازتها صحبة عائلتها خارج البلاد، وهو أمر يستقبله عدد من الليبيين بشيء من «السخرية والاتهامات»، بالنظر إلى ما تعنيه ليبيا من توتر سياسي وأزمات اقتصادية انعكست بقدر كبير على حياة المواطنين، خصوصاً في أيام رمضان الماضي وخلال الاحتفال بعيد الفطر.

وأوضح مكتب المنفي، في بيان مساء الخميس، أن لقاءه مع بلقاسم تناول «مستجدات ملف إعادة الإعمار، حيث تم تأكيد الأهمية الاستراتيجية لبرامج التنمية، بصفتها ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار وترسيخ وحدة الدولة».

ونقل مكتب المنفي إشادته بـ«الدور الذي يضطلع به الصندوق في الإعمار والتنمية»، مثمناً بشكل خاص «الجهود المبذولة في مدينة درنة لمعالجة آثار كارثة (إعصار دانيال)، وما يشهده ملف إعادة الإعمار فيها من تقدم في تنفيذ المشروعات، وإعادة تأهيل البنية التحتية».

كما نُقل عن بلقاسم حفتر تأكيده «الدور الذي يضطلع به المنفي في دعم مسارات التنمية وإعادة الإعمار، وحرصه المستمر على توحيد الجهود الوطنية، وتذليل الصعوبات أمام تنفيذ المشروعات الحيوية، بما يُسهم في تحسين جودة الحياة، وعودة النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق، لا سيما المدن المتضررة».

وتطرّق اللقاء -حسب مكتب المنفي- إلى «ضرورة الدفع بالعملية السياسية، بوصفها الإطار الضامن لاستدامة الاستقرار، حيث أكد الجانبان أهمية تهيئة الظروف لإجراء الاستحقاقات الوطنية، بما ينهي حالة الانقسام ويؤسّس لمرحلة قائمة على التوافق والشراكة الوطنية».

وشدد المنفي على «أن نجاح جهود الإعمار يتطلّب وجود مؤسسات موحدة وإدارة مالية رشيدة»، مؤكداً «أهمية العمل على إقرار ميزانية عامة موحّدة، تضمن توزيعاً عادلاً للموارد وتدعم تنفيذ المشروعات التنموية، وفق أولويات وطنية واضحة».

وتمثّل اجتماعات الأضداد في ليبيا علامة فارقة في البلد المنقسم، من بين ذلك لقاءات سابقة، بعضها سرية بين نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إبراهيم الدبيبة، في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس، ومن قبله في روما.

كما سبق أن التقى صدام حفتر عماد الطرابلسي، وزير الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، خلال مشاركتهما في معرض «ساها إكسبو 2024» في تركيا خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، وسط اندهاش أنصار الفريقين.

وتعاني ليبيا انقساماً مؤسسياً حاداً منذ عام 2014، لكن ذلك لم يمنع الأفرقاء المنقسمين من عقد «لقاءات سرية وعلنية»، سرعان ما تتكشف لتلقي بعلامات استفهام كبيرة في الأوساط السياسية.

وينظر مصدر سياسي من العاصمة الليبية إلى هذه اللقاءات على أنها «ترتبط عادة بالسعي للحل»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأطراف السياسية أو العسكرية في البلاد «تلعب دورها وليست هي محور الأزمة»، لافتاً إلى أن «المحور الأساسي في المعضلة الليبية يتمثّل في دور الأطراف الدولية المتصارعة».

وانتهى لقاء المنفي وبلقاسم إلى نقطة فارقة في تاريخ الخلاف بين طرابلس وبنغازي، يتمثّل في تأكيدهما «ضرورة تعزيز آليات الرقابة والإفصاح، بما يضمن حماية المال العام، وتحقيق أعلى درجات الكفاءة في إدارة الموارد، إلى جانب أهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية، والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار، ويعزّز مسار التعافي الاقتصادي في ليبيا».

وسبق أن انتقد «المجلس الأعلى للدولة» تمرير مجلس النواب ميزانية خاصة بـ«صندوق إعادة الإعمار»، الذي لا يخضع لرقابة على أعماله، وقال إن «اعتماد الميزانية -بما في ذلك البنود الاستثنائية- يجب أن يتم وفقاً لمسار دستوري واضح».


وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
TT

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)
دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد رغم أحاديث المفاوضات المتواصلة من الرئيس دونالد ترمب، التي لا تقرها طهران.

ذلك الحراك يراه وزير مصري سابق ومحلل مختص بالشأن الإيراني تحدثا لـ«الشرق الأوسط» يحمل «تفاؤلاً حذراً»، خاصة أن فرص نجاحه محدودة لكن ليست مستحيلة، مشيرين إلى أن الأطراف الثلاثة يملكون قدرة على جذب طرفي الصراع رغم التحديات والتهديدات الموجودة.

اتصالات للوسطاء مستمرة

وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، ماركو روبيو، تناول «المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة».

وأعرب الوزير الأميركي عن «تقدير الإدارة الأميركية للقيادة المصرية، وللدور البنَّاء الذي تقوم به مصر في الوساطة، وخفض التصعيد بالمنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية».

وأشار عبد العاطي إلى «الجهود الصادقة التى تبذلها مصر وتركيا وباكستان لتحقيق التهدئة، ودفع الأطراف المعنية لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وسبق ذلك اتصالان هاتفيان بين عبد العاطي ووزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، ونظيره التركي، هاكان فيدان، لبحث «الجهود والاتصالات المكثفة التي تضطلع بها الدول الثلاث بغية بدء مسار التفاوض المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعزيز خيار الدبلوماسية والحوار بدلاً من التصعيد العسكري»، وفق بيان ثانٍ لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء الموقف»، معرباً عن «أمله أن تسفر الجهود المصرية التركية الباكستانية المشتركة والمستمرة الأيام المقبلة إلى خفض التصعيد، وبدء مسار متدرج للتهدئة يسفر عن إنهاء الحرب».

تفاؤل حذر

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي، أنه رغم الوساطة الجارية والرغبة في حدوث وقف إطلاق نار سريع فإنه يجب تبنِّي حالة من «التفاؤل الحذر الشديد».

وأوضح العرابي أن عملية التفاوض قد لا تخرج عن كونها تكتيكاً متبادلاً من كلا الطرفين؛ حيث تسعى إيران من خلالها إلى كسب المزيد من الوقت، وتحقيق نوع من التهدئة، في حين تحاول الولايات المتحدة تصوير نفسها في موقف المنتصر.

وزير الخارجية المصري في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، والخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أن هذه الدول الثلاث تمتلك مزايا نسبية تجعلها مؤهلة لهذا الدور، فمصر تحتفظ بقنوات تقليدية متوازنة مع واشنطن وعلاقات غير تصادمية مع طهران، وتركيا تمتلك خبرة تفاوضية طويلة وتوازناً دقيقاً بين عضويتها في «الناتو» وعلاقاتها الإقليمية، بينما تتمتع باكستان بصلات أمنية وتاريخية مع الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي والتنسيق الإسلامي.

ويرى أن ترحيب ماركو روبيو بهذه الجهود يعكس إدراكاً داخل بعض الدوائر الأميركية أن خيار الضغط الأقصى بلغ حدوده، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، لافتاً إلى أن هذا الترحيب يمنح الوساطة غطاءً سياسياً مهماً، ويشير إلى أن واشنطن ربما تكون مستعدة لاختبار قنوات غير تقليدية لنقل الرسائل واستكشاف نقاط التلاقي.

سجالات بطريق الوساطة

تحركات الوساطة الثلاثية تأتي وسط تبادل بين طهران وواشنطن بشأن سجال المفاوضات، والتلويح باستمرار الحرب.

وقال الرئيس الأميركي إنه «لا يهتم» بالتوصل إلى اتفاق إذا لم تكن الشروط مناسبة، مضيفاً: «لدينا أهداف أخرى نريد ضربها قبل أن نغادر».

في المقابل، قال وزير الخارجية عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي إن بلاده «لا نية لديها للتفاوض»، مضيفاً أن سياسة طهران هي «الاستمرار في المقاومة». مستطرداً: «تُنقل رسائل أحياناً... لكن لا يمكن أبداً اعتبار ذلك حواراً أو مفاوضات نريد إنهاء الحرب بشروطنا وضمان عدم تكرارها».

مبنى سكني في طهران تضرر جراء غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران (رويترز)

وليس التحدي فقط في أن «الفجوة بين الموقفين الإيراني والأميركي لا تزال بعيدة تماماً»، ولكن في موقف إسرائيل التي لا تنظر إلى موضوع الاتفاق بشكل إيجابي، وهي مستعدة لإفشاله عبر استمرار غاراتها وهجماتها على أهداف إيرانية، بحسب العرابي.

وأوضح العرابي أنه في إيران لا يوجد صوت واحد موحد يعبر عن الموقف الرسمي، وفي الولايات المتحدة يتخذ الرئيس قراراً منفرداً بتمديد الفترات الزمنية لوقف الضرب لمنشآت الطاقة، بينما يتبنى نتنياهو أسلوباً مغايراً بالإصرار على استمرار الضربات.

ويعتقد أبو النور أن طهران تنظر عادة إلى مثل هذه الوساطات من زاوية كسر العزلة، وتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على خلق حوافز متبادلة، وليس مجرد إدارة الأزمة إعلامياً أو مرحلياً.

لكنه يشير أيضاً إلى أن هذه الوساطة تواجه جملة من التهديدات البنيوية، منها تعارض الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وطهران؛ فالأولى تسعى إلى تقييد النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني، بينما ترى الثانية أن هذه الملفات تمثل أدوات قوة سيادية لا يمكن التفاوض عليها بسهولة، بخلاف تعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، وهو ما يجعل أي تصعيد ميداني قادراً على إفشال المسار الدبلوماسي في لحظة.

ويخلص أبو النور إلى أن فرص نجاح المفاوضات تظل «محدودة لكنها غير مستحيلة»، ذلك أن نجاح الوساطة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق شامل، بل قد يتمثل في تحقيق اختراقات جزئية مثل خفض التصعيد، أو فتح قنوات اتصال مباشرة، أو الاتفاق على قواعد اشتباك غير معلنة.


وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)
عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)
عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيوقع قراراً تنفيذياً يُلزم وزير الأمن الداخلي الجديد ماركواين مالين دفع رواتب موظفي إدارة أمن النقل فوراً، وافق مجلس الشيوخ فجر الجمعة على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك، المعروفة اختصاراً باسم «آيس»، التي أثارت نشاطاتها جدالاً واسعاً في الولايات المتحدة.

وعلى أثر موافقة مجلس الشيوخ بالإجماع من دون تصويت، أحيل المشروع إلى مجلس النواب الذي يحظى رئيسه الجمهوري مايك جونسون بأكثرية ضئيلة. ويحتاج إقرار القانون إلى دعم من الحزبين، في ظل معارضة المشرعين من اليمين واليسار.

زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور جون ثون متحدثاً إلى وسائل الإعلام بمبنى الكابيتول - واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

وقال زعيم الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون: «يمكننا على الأقل إعادة فتح جزء كبير من الحكومة، ومن ثم سننطلق من هناك. من الواضح أن أمامنا بعض العمل».

وعرقل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ تمويل وزارة الأمن الداخلي بعدما أطلق عملاء فيدراليون النار على مواطنين أميركيين اثنين في مينيابوليس؛ ما أدى إلى مقتلهما.

ومع تزايد الضغوط لحل الجمود المستمر منذ 42 يوماً في شأن تمويل وزارة الأمن الداخلي، ظهرت اللمسات الأخيرة في الساعات الأخيرة قبل أن يتأخر صرف رواتب موظفي إدارة أمن النقل، الجمعة.

من دون «آيس»

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر (أ.ب)

ويُعيد مشروع القانون رواتب موظفي أمن المطارات، وعمال الاستجابة للكوارث، وأفراد خفر السواحل، الذين عملوا من دون أجر منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، حين انتهى التمويل. ولا يتضمن المشروع قيوداً جديدة على العناصر المنفذة لحملة الرئيس ترمب على الهجرة، وهو مطلب رئيسي للديمقراطيين.

وأعلن الرئيس دونالد ترمب أنه سيوقع قراراً بدفع رواتب موظفي إدارة أمن النقل فوراً، مُعللاً ذلك برغبته في وضع حد سريع لـ«الفوضى في المطارات». ولم تتضمن الصفقة أياً من القيود التي طالب بها الديمقراطيون في سعيهم إلى كبح برنامج ترمب للترحيل الجماعي.

وأكد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أنه كان يمكن التوصل إلى هذه النتيجة قبل أسابيع، متعهداً أن يواصل حزبه النضال لضمان عدم حصول عملية ترمب «المارقة» للهجرة على «تمويل إضافي من دون إصلاحات جذرية».

وعمل أعضاء مجلس الشيوخ طوال الليل على التوصل إلى اتفاق من شأنه تمويل معظم أقسام الوزارة، ومنها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ وخفر السواحل وإدارة أمن النقل. ولكن من دون تمويل «آيس». ومع أنه جرى إقرار التمويل للجمارك، لكن لم يجر تمويل حماية الحدود.

لا تفرض الحزمة أي قيود جديدة على إنفاذ قوانين الهجرة، الذي ظل مستمراً إلى حد كبير دون انقطاع بسبب الإغلاق الحكومي. وضخ قانون التخفيضات الضريبية الضخمة الذي وقَّعه ترمب العام الماضي مليارات الدولارات من الأموال الإضافية لوزارة الأمن الداخلي، بما في ذلك 75 مليار دولار لعمليات إدارة الهجرة والجمارك؛ ما يضمن استمرار صرف رواتب ضباط الهجرة على الرغم من انقطاع التمويل.

ولم يتضح ما إذا كان جونسون سيتمكن من تأمين الأصوات الكافية لإقرار القانون، في ظل معارضة مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وانتقد الجمهوريون المحافظون مقترحات حزبهم، مطالبين بتمويل كامل لعمليات الهجرة. وتعهد الكثير منهم ضمان حصول «آيس» على الموارد اللازمة في حزمة الميزانية القادمة لتنفيذ أجندة ترمب.

وقال السيناتور الجمهوري أريك شميت: «سنمول إدارة الهجرة والجمارك بشكل كامل. هذا هو جوهر هذا الصراع. الحدود تُغلق. والمهمة التالية هي الترحيل».

وكانت المفاوضات المتقطعة انهارت الخميس، ثم أعلن ثون أنه قدم عرضاً «نهائياً» للديمقراطيين. ولكن مع مرور الوقت، توقف العمل. وجادل الديمقراطيون بأن مقترحات الحزب الجمهوري لم تكن كافية لتقييد صلاحيات ضباط إدارة الهجرة والجمارك وحماية الحدود، وغيرهم من الوكالات الفيدرالية المشاركة في حملات التفتيش على المهاجرين، لا سيما بعد مقتل أميركيين اثنين أثناء احتجاجات على هذه الحملات في مينيابوليس، مينيسوتا. وطالبوا بأن يرتدي عملاء «آيس» بطاقات تعريفية، وأن يخلعوا كماماتهم، وأن يمتنعوا عن مداهمة المدارس والكنائس وغيرها من الأماكن الحساسة. كما ضغط الديمقراطيون من أجل إلغاء أوامر التفتيش الإدارية، مُصرّين على موافقة القضاة قبل تفتيش المنازل أو الأماكن الخاصة - وهو أمر أبدى وزير الأمن الداخلي الجديد ماركواين مالين، استعداده للنظر فيه.

قرار ترمب

عابرون قرب مبنى الكونغرس - الكابيتول (رويترز)

وكان ترمب ترك الأمر في معظمه للكونغرس، لكنه حذر من استعداده لاتخاذ إجراءات، مُهدداً بإرسال الحرس الوطني إلى المطارات، بالإضافة إلى نشر عملاء إدارة الهجرة والجمارك الذين يُدققون حالياً في هويات المسافرين.

وكان البيت الأبيض طرح خطوة استثنائية تتمثل في إعلان حالة طوارئ وطنية لدفع رواتب عملاء إدارة أمن النقل، وهو نهج محفوف بالمخاطر السياسية والقانونية. بدلاً من ذلك، سيدفع قرار ترمب رواتب موظفي إدارة أمن النقل باستخدام أموال من قانون الضرائب لعام 2025.

وإذا وافق مجلس النواب على حزمة مجلس الشيوخ ووقَّع عليها ترمب لتصير قانوناً، سيكون الإجراء الذي أعلنه ترمب لدفع رواتب موظفي إدارة أمن النقل مؤقتاً أو غير ضروري.

تتزايد طوابير الانتظار في المطارات مع معاناة موظفي إدارة أمن النقل من صعوبات. وأدى توقف التمويل إلى تأخيرات في السفر، بل وحتى تحذيرات من إغلاق المطارات، حيث توقف موظفو إدارة أمن النقل الذين لم يتقاضوا رواتبهم عن الحضور إلى العمل.

وتشهد مطارات عدّة معدلات تغيب عن العمل تتجاوز 40 في المائة بين موظفي إدارة أمن النقل، وقد استقال ما يقرب من 500 من أصل 50 ألفاً من ضباط أمن النقل التابعين للوكالة خلال فترة الإغلاق. على الصعيد الوطني، تغيب أكثر من 11 في المائة من موظفي إدارة أمن النقل المدرجين في الجدول عن العمل الأربعاء، وفقاً لوزارة الأمن الداخلي. وهذا يعني أكثر من 3120 حالة تغيب.