برلين تعطي الضوء الأخضر لـ«ليوبارد»... وكييف ترحب بـ«تحالف الدبابات الكبير»

المستشار الألماني يتعهد عدم إرسال طائرات مقاتلة أو قوات برية إلى أوكرانيا

المستشار الألماني أولاف شولتس في كلمة أمام البوندستاغ ويجلس خلفه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني أولاف شولتس في كلمة أمام البوندستاغ ويجلس خلفه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس (إ.ب.أ)
TT

برلين تعطي الضوء الأخضر لـ«ليوبارد»... وكييف ترحب بـ«تحالف الدبابات الكبير»

المستشار الألماني أولاف شولتس في كلمة أمام البوندستاغ ويجلس خلفه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس (إ.ب.أ)
المستشار الألماني أولاف شولتس في كلمة أمام البوندستاغ ويجلس خلفه وزير الدفاع بوريس بيستوريوس (إ.ب.أ)

أنهت ألمانيا أياماً من الجدل والتردد وأعلنت أخيراً موافقتها على إرسال دبابات «ليوبارد» ألمانية الصنع إلى أوكرانيا، في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من الدول الغربية الحليفة، ومن الداخل الألماني، ومن كييف التي وصفت الخطوة بأنها «تحالف الدبابات الكبير»، على أمل أن تقوم الدول التي بحوزة جيوشها هذا النوع من الدبابات الثقيلة بتزويدها بها في المستقبل القريب. وقال المستشار الألماني أولاف شولتس، في كلمة أمام البوندستاغ، إنه كان من المهم «انتظار الحلفاء واتخاذ القرار بالتنسيق معهم»، مشيراً إلى أن أي خطوة منفردة كانت «لتعرض أمن ألمانيا للخطر».
ورحّبت الرئاسة الأوكرانية بقرار برلين تسليمها 14 دبابة «ليوبارد» ما اعتبرته «خطوة أولى»، ودعت الدول الغربية إلى تزويدها بمزيد من الأسلحة لصدّ الجيش الروسي. وقال رئيس الإدارة الرئاسية أندري يرماك على «تليغرام»: «تم اتخاذ خطوة أولى»، مطالباً بأن يقوم «تحالف» دولي بتزويد كييف بدبابات ثقيلة. وأضاف: «نحن بحاجة لعدد كبير من دبابات ليوبارد». وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محادثة مع المستشار الألماني، الأربعاء، إنه «ممتن بصدق» للضوء الأخضر الذي أعطته برلين لمنح بلاده دبابات «ليوبارد». وأورد زيلينسكي عبر «تويتر»: «ممتنون بصدق للمستشار وجميع أصدقائنا في ألمانيا». وعبر السفير الأوكراني في ألمانيا أوليسكي ماكييف عن سعادته بتشكيل «تحالف الدبابات الكبير».
وأعلن شولتس على لسان المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن هيبشترايت أن أوكرانيا ستحصل على 14 دبابة قتالية طراز «ليوبارد 2» من مخزونات الجيش الألماني. ومن المنتظر إرسال ما مجموعه نحو 90 دبابة «ليوبارد» إلى أوكرانيا بالتعاون مع الحلفاء. وكان هيبشترايت أوضح أن الهدف هو تجميع كتيبتي مدرعات بدبابات «ليوبارد 2»، مشيراً إلى أن هناك شركاء أوروبيين سيوفرون من جانبهم أيضاً دبابات لهذا الغرض، وذكر أن الحكومة الألمانية ستصدر التصاريح الخاصة بذلك. يذكر أن كتيبة المدرعات الألمانية الرئيسية تضم في العادة 44 دبابة «ليوبارد 2». ما يعني أن الأمر يدور حول توريد ما مجموعه نحو 90 دبابة إلى أوكرانيا. وأضاف أن ألمانيا ناقشت مع دول من بينها كندا وإسبانيا والبرتغال أفضل السبل للمضي قدماً، وتتوقع أن يستغرق الأمر عدة أشهر حتى تصبح الدبابات قابلة للتشغيل في أوكرانيا.
وصرح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأن من الممكن وصول أول دفعة إلى أوكرانيا في غضون نحو ثلاثة أشهر، وستخرج الدفعة الأولى منها من مخزون الجيش الألماني. وقال بيستوريوس أيضاً إن الدبابات الألمانية ستُقدم مع قطع للصيانة. وأعلن متحدث باسم وزارة الدفاع لاحقاً أن تدريب الجنود الأوكرانيين على الدبابات «سيبدأ في الأيام القليلة المقبلة، على الأرجح خلال الشهر الجاري»، وأنه سيتم تدريب 50 إلى 100 جندي أوكراني داخل ألمانيا. وأضاف أن ألمانيا تهدف إلى أن تصبح دبابات «ليوبارد» جزءاً من المنظومة العسكرية الأوكرانية بحلول نهاية الربع الأول من العام الجاري.

وفي أعقاب جلسة للجنة الدفاع في البرلمان الألماني، قال بيستوريوس السياسي المنتمي إلى حزب المستشار أولاف شولتس الاشتراكي الديمقراطي إنه سيتم البدء الآن في التدريب وتوضيح طرق الإمداد بسرعة كبيرة. ووصف بيستوريوس قرار حكومة بلاده بأنه قرار «تاريخي»، لأنه تم بشكل منسق «في وضع متفجر للغاية في أوكرانيا». وأضاف بيستوريوس: «ليس هذا مدعاة للاحتفال»، مشيراً إلى أن لديه تفهماً كبيراً لهؤلاء الذين يساورهم القلق من هذه الخطوة، «لكن الأمر الواضح هو أننا لن نكون طرفاً في الحرب، نحن نعمل على هذا».
وذكر موقع «شبيغل» أن تحالفاً من دول أوروبية سيرسل إلى أوكرانيا «بأقرب وقت ممكن» ما مجموعه 80 دبابة «ليوبارد» من نماذج مختلفة من الجيل الثاني. وحذر خبراء عسكريون من أن الدبابات الغربية، إذا لم تكن مماثلة، فقد لا تكون لها الفاعلية نفسها، بسبب اختلاف صيانة وذخائر وقطع كل منها. وكانت بولندا قد تقدمت بطلب رسمي لدى برلين للسماح لها بإرسال دبابات «ليبوبارد 2» ولكن من نموذج أقدم من الذي تريد ألمانيا إرساله.
أعلنت إسبانيا أيضاً استعدادها لتزويد أوكرانيا بالدبابات الألمانية عقب إعلان الحكومة الألمانية عن قرارها بهذا الصدد. وقالت وزيرة الدفاع الإسبانية مارجريتا روبليس، للصحافيين في مدريد، إن «إسبانيا مستعدة لمناقشة كل ما هو ضروري في إطار التنسيق مع حلفائها». وقالت إنه يمكن توريد دبابات «ليوبارد» القتالية، ويمكن أيضاً المساعدة في تدريب الأوكرانيين وفي الصيانة. ولم تذكر روبليس عدد الدبابات التي من الممكن أن تقوم مدريد بتقديمها.
جدير بالذكر أن إسبانيا لديها 108 دبابات من طراز «ليوبارد 2 إيه 4» اشترتها من ألمانيا و239 مركبة من طراز «إي 2». ويشار إلى أن المركبات الأخيرة هي نسخة معدلة تعتمد على طراز «2 إيه 6»، الذي يتم تصنيعه إلى حد كبير في إسبانيا لتلبية الاحتياجات الإسبانية.
وأعلنت السويد أنه ليس لديها حالياً أي خطط لإرسال دبابات «ليوبارد2» القتالية إلى أوكرانيا، لكن لا تستبعد إرسالها في المستقبل. وقال وزير الدفاع السويدي، بال جونسون لصحيفة «سفينسكا داجبلادت»: «حالياً لا تجري أي استعدادات للتبرع بالدبابات من السويد، لكن لا نستبعد أن يحدث ذلك في مرحلة لاحقة». وكان قد قال بالفعل للإذاعة السويدية، يوم الجمعة الماضي، أنه ليس هناك أي اعتراضات بشكل عام لإرسال دبابات لأوكرانيا.
ولم يتطرق شولتس بشكل مباشر لمسألة «الصفقة» التي تم التوصل إليها مع واشنطن والتي تقضي بإرسال الولايات المتحدة دبابات «أبرامز» أميركية الصنع، مقابل موافقة ألمانيا على إرسال دبابات «ليوبارد». ورداً على سؤال من أحد النواب حول ما إذا كان «تردد» ألمانيا قد أضر بعلاقتها مع الولايات المتحدة، اكتفى شولتس بالقول إن العلاقة مع الرئيس الأميركي جو بايدن جيدة، وإنه «على توافق» مع بايدن في مسألة المساعدات لأوكرانيا. وحرّض شولتس على التشديد على أن التمهل باتخاذ القرار «كان صحيحاً» وأن الأهم كان «عدم التحرك منفردين»، مشيراً إلى موافقة الدول الحليفة من بينها بريطانيا وفرنسا، على تشكيل تحالف لإرسال دبابات غربية الصنع لأوكرانيا. وتعرض شولتس لانتقادات واسعة في الأيام الماضية من حليفيه في الحكومة، حزبي الخضر والليبراليين، ومن حزب المعارضة الرئيسي، المسيحي الديمقراطي، بسبب رفضه إعطاء الموافقة على إرسال الدبابات. واتهمه نواب من الأحزاب الثلاثة بأنه يسهم في «تقسيم» أوروبا، فيما تحدث آخرون عن «تدمير ثقة الحلفاء بألمانيا».
وحاول المستشار طمأنة المتخوفين داخل ألمانيا من أن الخطوة قد تعد تصعيداً، وتورط بلاده في الحرب الدائرة في أوكرانيا، وقال: «المبدأ الذي اعتمدناه هو المبدأ الصحيح، من المهم جداً عدم التصرف منفردين بل بتنسيق مع شركائنا. الكثيرون قلقون من إرسال هذه الأسلحة، أريد أن أطلب منكم أن تثقوا بي وبالحكومة، سنحرص على ألا يتعرض بلدنا لمخاطر نتيجة هذه الأسلحة». وأضاف شولتس: «في كل خطوة نتخذها، يجب دائماً أن نؤكد أننا سنقوم بما يلزم ومعقول لدعم أوكرانيا، ولكن في الوقت نفسه لمنع تصعيد الحرب وتحويلها إلى حرب بين الناتو وروسيا». وأضاف المستشار: «لن نرسل قوات برية بأي حال من الأحوال. قلت إنه لن تكون هناك مشاركة مباشرة من جانب دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في حرب أوكرانيا. ليس هذا هو الواقع حتى الآن، ولن يكون كذلك في المستقبل. ويمكن للجميع أن يعتمدوا على هذا».
ورحب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ بقرار ألمانيا، قائلاً إنها ستساعد كييف على هزم الغزاة الروس. وأضاف على «تويتر»: «في لحظة حرجة من الحرب التي تشنها روسيا، يمكن للدبابات مساعدة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها والانتصار كدولة مستقلة».
وعارض قرار إرسال الدبابات الحزبان المتطرفان الصغيران في البرلمان الألماني؛ «دي لينكا» اليساري المتطرف، و«البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. وسأل النائب بيتر بيسترون عن «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، شولتس متى ستضع برلين خطاً أحمر وتتوقف عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة، معتبراً أن هذا يعرضها للخطر، وسأل ما إذا كانت الخطوة التالية ستكون إرسال مقاتلات حربية أو حتى جنود ألمان. فرد شولتس بنفي ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أن ألمانيا لن ترسل مقاتلات ولا جنوداً إلى أوكرانيا. وكان نائب وزير الخارجية الأوكراني أندريج ميلنك الذي كان حتى نهاية العام الماضي سفير كييف في برلين، قد كتب تغريدة يطالب بها ألمانيا والدول الغربية بإرسال مقاتلات حربية بعد الموافقة على إرسال الدبابات.
واتهم النائب بيسترون قرار المستشار بإرسال الدبابات واتهمه «برمي كل أسس السياسة الخارجية لألمانيا منذ ما بعد الحرب»، مشيراً إلى هيلموت شميت وفيلي براندت، مستشاري ألمانيا الأسبقين من الحزب الاشتراكي، اللذين قادا سياسة التقارب مع الاتحاد السوفياتي. ورد شولتس بالقول إن «روسيا بهجومها على أوكرانيا» هي التي دمرت الإنجازات السياسية السابقة.
وكان أحد أسباب تردد شولتس في الأيام الماضية، مخاوفه من أن يؤدي إرسال الدبابات إلى كييف إلى توتير العلاقات أكثر مع روسيا ربما إلى نقطة اللاعودة. وظهر الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الأيام الماضية، معزولاً تقريباً في رفضه إرسال الدبابات، أمام الضغوط من الحزبين في الحكومة وحزب المعارضة الرئيسي.
وانتقد السفير الروسي في برلين سيرغي ناشاييف، قرار شولتس ووصفه بـ«شديد الخطورة»، محذراً من أنه سيأخذ الصراع «إلى مرحلة جديدة من التصعيد». وكتب ناشاييف على «تليغرام»: «هذا يؤكد لنا مرة جديدة أن ألمانيا، مثل حليفتها، لا تريد حلاً دبلوماسياً للأزمة الأوكرانية وهي تسعى لتصعيد الأزمة». وأضاف مشيراً إلى تاريخ النازيين: «بموافقة الحكومة الألمانية، فإن الدبابات الألمانية ستعبر مرة جديدة (الجبهة الشرقية)، ما سيؤدي لا محالة إلى مقتل جنود روس وأيضاً إلى مقتل مدنيين». وهذا الجدل تحديداً هو ما استخدمه البعض، مثل دول البلطيق، لحث ألمانيا على الموافقة على إرسال الدبابات. وقال بيان عن الدول الثلاث قبل يوم من موافقة شولتس على إرسال الدبابات، إن أمام «ألمانيا مسؤولية بسبب تاريخها» بمساعدة أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...