كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

وزير الخارجية الأميركي أكد لـ «الشرق الأوسط» عزم بلاده على تنسيق استراتيجية مع الخليج لصد إيران

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد
TT

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

كيري: يمكن لحلفائنا الاعتماد علينا في ضمان أمن المنطقة على المدى البعيد

بعد أن وقّعت الولايات المتحدة وباقي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا اتفاقًا مع إيران للحد من برنامجها النووي وضمان طبيعته السلمية، تواجه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تحديا في إقناع الكونغرس من جهة، وحلفاء في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، بأنها ما زالت ملتزمة بسياستها التقليدية في مواجهة طموحات إيران الإقليمية. وفي أول مقابلة له مع صحيفة عربية منذ توليه منصب وزير الخارجية الأميركي في فبراير (شباط) 2013، شرح جون كيري لـ«الشرق الأوسط» سياسة الإدارة الأميركية تجاه طهران، مؤكدا أن واشنطن «لم تغير شيئًا» في تلك السياسة رغم فتح قنوات اتصال للمرة الأولى بين البلدين منذ أكثر من 3 قرون. وشدد كيري على أن واشنطن جدية في سعيها لـ«صد» إيران في المنطقة، موضحا أن لقاءه المرتقب يوم 3 أغسطس (آب) الشهر المقبل مع نظرائه من مجلس التعاون الخليجي في الدوحة ليس فقط من أجل إطلاعهم على جميع تفاصيل الاتفاق النووي، بل سيتركز على الخروج باستراتيجية لصد طهران و«تحركاتها غير المشروعة في المنطقة». وكان كيري حازمًا في إجاباته حول إيران، مكررًا خطابه الذي وجهه في جملة من المقابلات مع وسائل الإعلام الأميركية منذ التوقيع على الاتفاق النووي في 14 يوليو (تموز) الحالي بأن الاتفاق ح هو أفضل خيار لمنع مواجهة عسكرية أو سباق تسلح.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط»، مساء أول من أمس، عبر الهاتف مع وزير الخارجية الأميركي:

* بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ما مدى ثقتكم في أنه سيكون راسخًا؟
- ما دام يتم تطبيقه، وإيران تتخذ الخطوات الضرورية للالتزام، سيكون راسخًا. لن نذهب إلى أي مكان، وأعتقد أننا سنقنع الكونغرس بأنه (الاتفاق) أمر جيد لأمن الولايات المتحدة وجيد للمنطقة وسيحمي المنطقة من سباق تسلح، كما سيمنع إيران من تأمين سلاح نووي. وأعتقد أن ذلك يجعل إسرائيل ودول الخليج والجميع أكثر أمنًا. إذا لم يتم التوصل إلى هذا الاتفاق، فورا سنكون أمام مواجهة، لأن إيران كانت ستقول: «جئنا إلى طاولة المفاوضات وأنتم رفضتم الاتفاق، والآن لسنا ملتزمين أمام أحد». وبالمناسبة، كانت العقوبات ستنهار، لأن شركاءنا (في نظام) العقوبات وافقوا عليها من أجل الوصول إلى الطاولة للتفاوض، ولو فشلنا في المفاوضات، كانوا سيتخلون عنها. فالواقع أن حينها كانت إيران حرة للسعي وراء أهدافها، ما عدا التدخل (العسكري)، مما كان ربما أدى إلى نزاع، أو أن دولا أخرى (في المنطقة) تقول: «ما داموا سيسارعون للحصول على سلاح (نووي)، فعلينا أن نفعل ذلك أيضا». فكانت فرص حدوث سباق تسلح نووي أكبر بكثير من دون التوصل إلى اتفاق. مع إبرام الاتفاق، هناك قدرة كبيرة على معرفة ما تقوم به إيران، ونجد إيران تحت قيود كبيرة، وهم يعيشون مع ضوابط على مستوى تخصيب «اليورانيوم» وقيود على أعداد أجهزة الطرد المركزي ومخزوهم (العسكري). لا يمكن صناعة قنبلة (نووية) مع مثل هذه القيود، ومع هذا النوع من التفتيش.
* من المؤكد أنك سمعت من نظرائك العرب أن الكثير من العرب قلقون من التوصل إلى اتفاق ترفع بموجبه القيود من على إيران؛ إذ ترفع العقوبات، وتنتهي العزلة الدبلوماسية.. الخوف من أن سياسات إيران تصبح مصدر المزيد من المشكلات..
- لا نتفق مع هذا الرأي.. لا نتفق لأن الواقع أن إيران ستبقى معزولة بسبب دعمها للإرهاب، بسبب دعمها لتجارة السلاح ودعمها للحوثيين ودعمها لحزب الله. حزب الله منظمة إرهابية، وما داموا يدعمونها فسنصدهم. سنصد التحركات التي تدعمها في دول أخرى. السبب وراء قمة «كامب ديفيد» (التي جمعت بين الرئيس أوباما وقادة دول مجلس التعاون الخليخي في منتجع كامب ديفيد في مايو (آيار) الماضي) كانت لجمع الناس حول جهد نظامي لصد إيران. ففي الواقع، ميزانية إيران العسكرية 15 مليار دولار، ودول الخليج تصرف 130 مليار دولار سنوية. ماذا يحدث كي لا يظهر هذا الفرق في الميزانية من حيث الواقع على الأرض؟ لأنه من الضروري أن تكون هناك جهود أكبر لتدريب وتنظيم والعمل على مكافحة الإرهاب والتواصل على الأرض من خلال جهود مختلفة. مقاتلات «إف 16» لا تؤثر على الدعم الخفي للإرهابيين. يجب أن يكون هناك جهد أكثر فعالية في مكافحة «التصرفات الإيرانية»، وهذا ما نقترحه. نعتقد أن لدينا خطة أكثر فعالية وعلى الناس أن ينظروا نظرة ثاقبة للوقائع من دون هذه القيود (على إيران). من المستحيل أن تصنع إيران قنبلة مع قيود لخمسة عشر عاما على التخصيب بنسبة 3.67 في المائة، ومن المستحيل ذلك مع 300 كيلوغرام من المخزون (النووي). والسؤال هو: هل الوضع أفضل مع 15 عامًا من القيود، بدلا من المواجهة غدًا؟ وعلاوة على ذلك، لدينا قيود بـ25 عاما على تصنيعهم لليورانيوم وقيود مدى الحياة بسبب البروتوكول الإضافي والقدرة على الوصول إلى ما يقومون به. هناك شفافية كبيرة ومحاسبة في هذه القضية. وسأتوجه إلى الدوحة خلال الأسبوعين المقبلين للقاء مع كل دول مجلس التعاون الخليجي، وأعتقد أننا سنستطيع إقناعهم بأنهم سيكونون أكثر قوة مستقبلا من خلال صدنا (إيران) بطريقة أكثر كفاءة، بالإضافة إلى فرض القيود المذكورة.
* لقاؤك مع الدول الخليجية يأتي في وقت مهم، يبدو أن هناك عدم وضوح في سياسة الولايات المتحدة من حيث التعامل مع إيران..
- لم يتغير شيء. لقد أوضحنا ذلك كليا، وقلنا ذلك. لم يتغير شيء. نحن نعارض الدعم الإيراني لحزب الله، نعارض دعمهم للحوثيين، نعارض تدخلهم في الميليشيات الشيعية في العراق، ونعارض دعمهم للإرهاب. لم يتغير شيء. لقد فاوضنا للتوصل إلى اتفاق نووي للسبب البسيط بأننا نؤمن بأنه إذا كنت ستصد إيران، فمن الأفضل أن تصد إيران من دون سلاح نووي بدلا من إيران مسلحة بالنووي.
* ولكن التغيير هو أنك التقيت وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف مرات عدة، والقناة باتت مفتوحة الآن للتعامل مع إيران حول سياساتها في المنطقة. بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، هل سيكون هناك انفتاح لمناقشة ذلك؟
- ليس لدينا فكرة عن ذلك، ولن نتخيل القيام بذلك من دون حلفائنا، ومن دون وجودهم، ولقد قلنا لهم ذلك.
* هل بإمكان الولايات المتحدة أن تجلب الطرفين إلى طاولة الحوار، هل تريد القيام ذلك؟
- لا أعلم، سيعتمد ذلك على ما يريده حلفاؤنا، ويعتمد على إذا كانت إيران ستفعل ذلك أم لا. ولكن هذا ليس موضوع هذه المفاوضات. الرئيس (الإيراني حسن) روحاني أشار في تصريحاته حول الاتفاق إلى أنه على استعداد لأن تكون هناك علاقة مختلفة (مع دول الخليج)، ولكن هذا ليس ما تفاوضنا عليه. المفاوضات كانت حول قدرتهم النووية وحرمانهم منها.
* نعم، ولكن بعد انتهاء المفاوضات، ما الخطوة المقبلة؟
- سنجلس مع حلفائنا وأصدقائنا، لن نتقدم بشكل لا يتناسب معهم وأو لا يدعمهم.
* هناك قلق في بعض الدول العربية بأن اعتبار إيران شريكة في هزيمة «داعش» يأتي بتكلفة سياسية. هناك قلق من أن الولايات المتحدة تعطي إيران شيكًا على بياض لنرى مجموعات وميليشيات مثل حزب الله تخرج في العراق. ما موقفكم من ذلك؟
- نحن نؤمن بأن كل الجنود والقوات الأجنبية يجب أن تخرج من سوريا، كل القوات الأجنبية.
* وماذا عن العراق؟
- لا نعتقد أنهم يجب أن يكونوا موجودين على الأراضي العراقية إلا في حال الحكومة العراقية (طلبت ذلك).. إنه أمر يعود للحكومة العراقية. إذن لا يريدونهم هناك، يمكن للحكومة العراقية أن تقول لهم ذلك. أعتقد أن الحكومة العراقية أعطتهم تصريحًا بذلك، الأمر لا يعود لنا، بل يعود للحكومة العراقية. نحن لا ندعوهم لذلك ولا نتعاون معهم.
* ولكن هل ترون دورهم يساعد الوضع في العراق؟
- أعتقد أن أي طرف يقتل «داعش» يساعد، ولكنه ليس أمرا نطلبه أو ننسقه.
* لنعد لأجواء اجتماعاتك مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، هل تعتقد أنه من الممكن أن تكون لديكم علاقة بناءة مع الإيرانيين، خصوصا بعد إبرام الاتفاق؟
- الأمر ليس موضوع علاقات شخصية. إنها مسألة التفاوض في مفاوضات صعبة جدا والتوصل إلى اتفاق. بتفاوضنا بنية حسنة. وكان بإمكاننا أن نبقي الأجواء بناءة جدا حتى عندما احتدم النقاش، كانت هناك نقاشات عدة محتدمة. ولكننا اعتقدنا أنه من الضروري أن نبقي الأجواء بناءة. ولكن الهدف لم يكن بناء العلاقات، الهدف كان بناء الاتفاق.
* على الصعيد الشخصي، ماذا يعني الاتفاق لك؟
- أعتقد في حال تنفيذه، وأركز على هذه النقطة، سيكون هذا الاتفاق تاريخيًا؛ فقد قررت دولة أن تتفاوض طوعًا لعدم صناعة سلاح نووي. هذا أمر في غاية الأهمية. أعتقد أنه في حال تم تطبيقه، هذه هي الأهمية، عدم صناعة سلاح نووي. بالطبع، الزمن سيختبر ذلك، ولكننا سنكون على بينة. إذا حاولوا أن يطوروا سلاحًا نوويًا، هذا الاتفاق يعني أننا سنعلم، وسنكون في الوضع الذي نحن عليه الآن، قبل أن يتم تطبيق الاتفاق. ففي الواقع، هذه فرصة، فرصة للمنطقة، وفرصة لنا وللإيرانيين أن نكون على مسار مختلف، الذي قد يفتح الباب لاحتمالات أخرى، وقد لا يحدث ذلك. ليس لدينا الإجابة عن ذلك بعد.
* صحيح أننا على مسار مختلف. بينما تتصاعد وتيرة التوترات الطائفية وتزداد المصاعب في منطقة الشرق الأوسط، كانت الغالبية تقول إن علينا أن ننتظر في حال توصلنا إلى اتفاق نووي مع طهران. بعد التوصل إلى الاتفاق، ما الأولوية المقبلة؟
- الأولوية المقبلة ضمان أن يفهم أصدقاؤنا وحلفاؤنا كليا هذا (الاتفاق)، وأنه سيساعد على (ضمان) أمنهم، وأننا موجودون لضمان ما قلناه في السابق من حيث إمكانية صد (إيران)، وأنه بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة لتكون جزءًا من الأمن الطويل الأمد والدفاع عن المنطقة.
* هذه كانت رسالتكم في قمة «كامب ديفيد»، والرئيس أوباما قال ذلك تكرارا وأنتم أيضا قلتم ذلك تكرارا. ولكن الشكوك ما زالت قائمة، هل الأمر يعود لانعدام الثقة في الولايات المتحدة؟
- لا، أعتقد أن هناك مصادر قلق يمكن تفهمها. الناس غير متأكدة، وواجبنا أن نجعلهم أكثر ثقة. علينا أن نضاعف الوقت والجهود المبذولة لضمان معرفة الآخرين ما يحدث. الاتفاق بنّاء وحقيقي، وسيكون له تأثير في حياتهم. نحن لا نعبث في هذه المسألة، القضية جدية وتتعلق بأمنهم، وعليهم أن يعلموا بكل تأكيد ما يحدث، وسنتأكد من حدوث ذلك.
* قلت إن إيران دولة راعية للإرهاب، وهذا الموقف الرسمي للولايات المتحدة بناء على القانون. ولكن هل ما زلت تؤمن بذلك أم هذه فقط «صفة تقنية»؟
- لا، الأمر ليس فقط تقنيًا، فهم يدعمون حزب الله ويدعمون أعداء آخرين. إنهم يدعمون الحوثيين، والحوثيون يطلقون صواريخ باتجاه السعودية، وهم يدعمون أناسًا توجهوا إلى السعودية وقاموا بتفجيرات. لقد دعم الحرس الثوري الإيراني أعمالاً إرهابية، بما فيها هجوم عام 1996 على أبراج الخبر. إنه أمر جدي.
* ما خيارات التعامل مع هذا الإرهاب؟
- هناك خيارات كثيرة. بالطبع زيادة جمع المعلومات الاستخباراتية، وزيادة تبادل المعلومات، وزيادة القدرة على اعتراض «العمليات»، منع تدفق هذه الأسلحة. هناك جملة من العمليات التي نقوم بها.
* كانت عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أولوية بالنسبة لك على الرغم من المصاعب. ومع الانتهاء من التفاوض حول الاتفاق النووي؛ هل من الممكن أن نتوقع إعادة تركيز على جهود إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط؟
- ما زالت أولوية كبيرة. مكافحة «داعش» الأولوية الأولى حاليا، ومواجهة المتطرفين في المنطقة وضمان شعور حلفائنا وأصدقائنا بأمان أكبر. هذه هي الأولوية الآن. بالطبع سنبقى مهتمين بالقضية السورية وقضية إسرائيل وفلسطين وقضية مكافحة التطرف الإقليمي. هذه كلها أولويات لنا.
* لنختتم برسالتك لدول الخليج قبل اجتماع الدوحة أن عليهم الشعور بالأمان، وأن بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة؟
* الرسالة أن نطلعهم على كل تفصيلة في الاتفاق، وأن نشرح لهم الاتفاق كليا كي يشعروا بأنهم يفهمونه كليا، وأن يدركوا لماذا يجعلهم أكثر أمنًا ولا يعرضهم لمخاطر. الرسالة ليست فقط لإظهار تفاصيل الاتفاق لهم، بل كل الاستراتيجية حول كيف سنشترك معهم في صد كل العمليات غير الشرعية، إن كانت من إيران أو جهة أخرى، والعمل معهم من أجل الدفاع والأمن المشتركين في المنطقة.

* يوم تاريخي في واشنطن
* على الرغم من أن الحوار مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري لـ«الشرق الأوسط» كان مخصصًا للملف النووي الإيراني وسياسات واشنطن تجاه طهران، فإن بداية الحوار تطرقت إلى اليوم التاريخي الذي شهدته واشنطن، أول من أمس، مع إعادة فتح السفارة الكوبية في واشنطن، بعد 54 عامًا من إغلاقها.
وأجرت «الشرق الأوسط» الحوار مع كيري عبر الهاتف من مكتبه في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بعد ساعات قليلة من استقباله نظيره الكوبي برونو دورديغيز، ليصبح أول وزير خارجية كوبي يزور الخارجية الأميركية منذ عام 1958. وقبل بدء الحوار، تحدثت «الشرق الأوسط» مع كيري حول اليوم التاريخي ورفع العلم الكوبي رسميًا في واشنطن بعد 5 عقود من إنزاله، ليقول: «إنه أمر مثير.. إنه أمر جيد». وأضاف كيري والارتياح ظاهر على صوته: «لقد طال الوقت لهذه الخطوة.. إنها خطوة جيدة».



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.