السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

تهدد بـ«ثورة جياع» * مواطنون نقلوا القمامة إلى مقار حكومية * عائلات اتخذت هيئة الكهرباء مقر سكن لها

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها
TT

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

السودان: أزمات متلاحقة.. وابتكارات شعبية لمواجهتها

ابتكر الخيال الشعبي السوداني حيلاً جديدة لمواجهة الأزمات المتلاحقة التي تعيشها - وعاشتها - البلاد خلال شهر رمضان الماضي والأشهر السابقة له وإبان عيد الفطر، فالعاصمة الخرطوم شهدت أزمات خانقة في مياه الشرب والإمداد الكهربائي والنظافة.
من بين الابتكارات: نقل مواطنين القمامة إلى مقار اللجان الشعبية، وهي لجان تابعة للحزب الحاكم وكدسوها هناك، وسد محتجون على قطوعات مياه الشرب الطرقات بأواني المياه الفارغة، ولجأ مواطنون إلى مكاتب إدارات الكهرباء في الأحياء للتمتع بما هو موفر بها من تكييف هواء، احتجاجًا على البرمجة القاسية التي فرضتها إدارة الكهرباء والناس صيام في صيف قائظ.
بعد أشهر قليلة من تدشين الرئيس عمر البشير لفترة رئاسية جديدة تكمل سنين حكمه إلى أكثر من 30 عامًا، أحاط بالبلاد سيل من الأزمات القديمة والمستجدة، وتفاقمت قضية تزويد المواطنين بالكهرباء ومياه الشرب في أنحاء واسعة من الخرطوم ومدن البلاد الأخرى التي تتمتع بتلك الخدمات، كما شهدت أنحاء واسعة من السودان أزمة جدية في المحروقات خاصة «الجازولين»، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف المعيشة وأسعار السلع والخدمات بصورة خرافية.
المواطنون في الخرطوم وبعض المدن واجهوا تلك الأزمات باحتجاجات متلاحقة ومبتكرة، وزاد الغضب الشعبي، وشهدت أحياء كثيرة من العاصمة مظاهرات واحتجاجات العطش والخدمات مثل خدمة الكهرباء وخدمة نقل النفايات.
وحمل مواطنون في ضاحية «أم بدة» أكياس القمامة إلى دور اللجان الشعبية، بينما أغلق متظاهرون في أحياء «الصحافة وجبرة والسلمة والأزهري والكلاكلات» جنوبي الخرطوم شوارع الأسفلت بأواني المياه الفارغة و«الأزيار» الفخارية احتجاجًا على انقطاع مياه الشرب من بيوتهم.
وعمد شباب للاحتجاج بطريقة ناعمة على قطوعات الكهرباء باللجوء إلى المقار المكيفة لإدارة الكهرباء في الأحياء، والتي تتمتع بخطوط ساخنة، لمواجهة البرمجة القاسية التي فرضتها وزارة الموارد المائية والري والكهرباء لمواجهة نقص التوليد الكهربائي.
وتداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لرب أسرة اصطحب أطفاله وفراشه إلى مكتب الكهرباء في «ود نوباوي» بأم درمان، وافترش الأرض هو وأبناؤه وشرع في تلاوة القرآن الكريم.
وفي ضواحي «أم بدة والفتيحات وأبو سعد» بأم درمان احتج الأهالي هناك على تردي البيئة وغياب شاحنات القمامة بأن جمعوا أكياس القمامة وذهبوا بها إلى مقار اللجان الشعبية في الأحياء حتى تضطر اللجان للتعامل معها، وسيروا المظاهرات احتجاجًا على انعدام مياه الشرب وقطوعات الكهرباء.
كما لجأ الكثير من المواطنين في أحياء الخرطوم إلى مكاتب إدارة الكهرباء هربا من النهار القائظ للتمتع بتكييف الهواء غير المقطوع أو الممنوع، وتدخلت الشرطة لتفريق المتظاهرين مستخدمة الغاز المسيل للدموع والهراوات.
واعترف والي الخرطوم المعين حديثًا عبد الرحيم محمد حسين، بوجود مشكلة في خدمة المياه في أكثر من 20 حيًا بالخرطوم، وتبعًا لذلك أطاح بمدير هيئة مياه الولاية وعيّن بديلاً له، وأعلن عن خطة إسعافية طويلة المدى لمعالجة مشكلة مياه الشرب في المدينة المحاطة بثلاثة أنهر.
كما شهدت أحياء «الجريف شرق، أبو آدم، حلفاية الملوك» اعتصامات في الميادين العامة احتجاجًا على نزع السلطات لقطع أراضي يملكونها دون تعويض، واصطدموا بالشرطة التي كانت تحاول تفريقهم، ما أدى لمقتل شاب في الجريف شرق، وقبله شاب آخر في منطقة «أم دوم»، فضلاً عن سيدة متأثرة بجراحها في «أبو آدم»، وما زالت الاعتصامات في مستمرة في الجريف، وقاربت شهرها الرابع من الاعتصام المستمر.
من جهة أخرى، شهدت الخرطوم وبعض ولايات البلاد الأخرى شحًا في المحروقات خاصة «الجازولين» الذي تعتمد عليه الزراعة والمواصلات العامة ومحطات توليد الكهرباء الحرارية، الأمر الذي استدعى من وزير النفط والغاز محمد زايد عوض لإصدار عدد من الموجهات لتسهيل انسياب المواد البترولية لمناطق الاستهلاك بولايات البلاد المختلفة لا سيما الجازولين.
وقال زايد إن المحروقات النفطية تشكل أهمية كبيرة لارتباطها بمتطلبات الحياة اليومية لذلك يترتب الالتزام بتوفيرها وتوزيعها لمواقع الاستهلاك بصورة سلسة ودقيقة.
ورغم نفي السلطات وجود شح في الوقود، لكن وزير النفط اعترف أمام البرلمان، بأن الحصار المصرفي يعطِّل أحيانًا إجراءات تفريغ ودخول البواخر الرابضة في عرض البحر إلى بورتسودان.
وتتهم وزارة النفط شركات الخدمة بالتلاعب في حصص الوقود، ما أدى لإصدارها لموجهات توقف بموجبها تعبئة الوقود في أوان غير مصرح بها، وهو الأمر الذي تعتبره نوعًا من «التهريب».
وهدد الوزير بسحب تراخيص الشركات التي تخالف ضوابط توزيع المحروقات باعتبارها أولوية قصوى لنجاح الموسم الزراعي عبر توفير الكمية المطلوبة من الجازولين لكل مواطن.
بمواجهة أزمة الكهرباء، قال وزير الموارد المائية معتز موسى للبرلمان الأسبوع الماضي، إن هناك نقصًا في التوليد الكهربائي، ما يوجب برمجة القطوعات التي لا يمكن تجنبها إلا بما سماه «الترشيد الطوعي للاستهلاك عند الذروة».
وطالب الوزير البرلمان بإعادة النظر في تعرفه الكهرباء، مؤكدًا أن التعرفة الحالية لا تغطي أكثر من ثلث الكلفة التشغيلية، لكن النواب رفضوا بشدة أي زيادات في تعرفة الكهرباء.
ومضت مهلة 20 يومًا حددها مدير الشركة السودانية لنقل الكهرباء جعفر علي الرشيد لتحسين الإمداد الكهربائي دون تحسن يذكر في خدمة الكهرباء، والذي أرجع الأزمة إلى تناقص التوليد المائي المتزامن مع فصل الخريف، متوقعًا انخفاض التوليد المائي من 1100 إلى 950 ميغاواط في سد مروي، ومن 280 إلى 120 ميغاواط من خزان الرصيرص.
سياسيا، تتلاحق الأزمات على حكم الرئيس البشير في دورته الجديدة، فالاحتجاجات الشعبية وارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الخدمات تهدده بما يمكن أن يطلق عليه «ثورة جياع»، في وقت ترفض فيه المعارضة دعوته للحوار الوطني وتعتبرها مجرد محاولة لكسب الوقت.
ولم تفلح الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في أبريل (نيسان) الماضي في كسب شعبية جديدة للرئيس البشير ولا لحزبه، إذ شهدت مقاطعة كبيرة من قبل قطاعات واسعة من الشعب، والقوى السياسية المعارضة، بل يقول مراقبون إنها زادت أزمة نظام الحكم، وأشعلت الصراعات الداخلية فيه، بين تيار ذهب - أو ذُهب به – وتيارات جديدة أتت للسلطة توًا.
وكرست تجربة الانتخابات والتعديلات الدستورية التي سبقتها، السلطة كلها في يد الرئيس، بل وانتزعتها من حزبه، وأحالت تجربة الحكم الاتحادي لهباء منثور، إذ أصبح الرئيس يعين حكام الولايات، وأتيح له فرصة زيادة صلاحيات وحصانات الأجهزة الأمنية، ما جعل من التجربة وبالاً على كثيرين حتى داخل الحزب نفسه.
من جهته، قال تحالف قوى الإجماع الوطني المعارض، إن على القوى الوطنية تصعيد ودعم الاحتجاجات المطلبية السلمية للمواطنين، الناتجة عن تردي الخدمات، وتطويرها إلى انتفاضة شعبية وعصيان مدني وإضراب سياسي.
وأكد التجمع المعارض في بيان أن «رفض السودانيين لسياسات النظام، التي توجوها وعبروا عنها بمقاطعة اﻻنتخابات، وبتصاعد قاعدة الاحتجاجات المطلبية السلمية، تؤكد عزلة النظام».
ورأى التحالف أن ذلك يتطلب دعم هذه الاحتجاجات السلمية المطلبية باعتبارها تمثل الإطار المرجعي لمفردات خطاب الاحتجاج السياسي في المرحلة المقبلة.
وتابع: «إن المطلوب من كافة القوى الوطنية الحية دعم هذه الاحتجاجات المطلبية المشروعة وتصعيدها وتنوع فعالياتها، لتشمل كافة القطاعات بمختلف مكوناتها الفئوية والاجتماعية، وصولاً لإنجاز العصيان المدني والإضراب السياسي والانتفاضة الشعبية».
وقال بيان التحالف إن بقاء النظام الحالي على سدة الحكم من شأنه أن يقود البلاد ويعمق أزماتها نحو استمرار الحرب بتداعياتها الإنسانية التي تهدد وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها، كما يمثل أكبر عقبة أمام إيجاد مخرج ديمقراطي أزمات البلاد: «رغم دعواته الملغومة والذرائعية للحوار، هذه الدعوة التي لم تعد تنطلي لعبتها وأهدافها على أحد».
وذكر أن «أي مخرج لأزمات البلاد ﻻ بد أن يترتب عليه ذهاب النظام غير مأسوف عليه»، مطالبًا بحشد طاقات السودانيين من أجل إسقاط النظام «كمدخل للتغيير الجذري الذي يلبي تطلعات الشعب السوداني».
وأشار البيان إلى أن الأزمة الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد السوداني نتيجة انفصال جنوب السودان، وقال إن استمرار الحرب وزيادة الإنفاق الحكومي على أجهزة الأمن والدفاع والقطاع السيادي ومؤسسات الحزب الحاكم ورموزه ومحسوبيه، واستشراء الفساد، كل ذلك يفاقم الفقر والبؤس في ظل ضائقة معيشية غير مسبوقة.
وزاد: «يتزامن كل هذا الشقاء مع معاناة انقطاع التيار الكهربائي والمياه في الكثير من المدن والأحياء رغم أن المواطن يدفع فاتورة الماء والكهرباء مقدمًا».
وأفاد التحالف «لم تمر بلادنا في تاريخها المعاصر، بمرحلة تواجه فيها بتحديات كبرى، كالتي تعيشها الآن نتيجة سياسات النظام الديكتاتوري القمعي التي يتم تنفيذها تحت حراسة القوانين المقيدة للحريات».
وأشار إلى الانتهاكات الجسيمة والتجاوزات الممنهجة عبر «الاعتقالات والتعذيب والتعدي على الطلاب والشباب والنساء، بل إن التجاوز وصل حد الحكم بجلد المعارضين السياسيين عبر قانون النظام العام».
ورغم أن نظام حكم الرئيس البشير ظل يدعو الأطراف كافة للدخول في الحوار، فإن المعارضة لا تعتبر هذه الدعوة جدية، وترى فيها محاولة من النظام لكسب المزيد من الوقت لتجاوز أزماته، ليعود إلى سيرته القديمة.
أمنيًا، لم تستطع حكومة الخرطوم حسم التمرد عسكريًا رغم إعلانها مرارًا وتكرارًا عن عمليات «الصيف الحاسم» التي تتحدث عن حسم التمرد خلال عام، فالعمليات العسكرية التي تدور منذ أكثر من 4 سنوات في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأكثر من 11 سنة في ولايات دارفور، لم تفلح العمليات العسكرية في كسر شوكة التمرد وتحقيق السلام وبسط هيبة الدولة.
وبسبب من آثار الحرب وانتشار السلاح بين الأهالي، فإن مناطق كثيرة في البلاد شهدت حروبات قبلية راح ضحيتها المئات، واستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، ووجهت الاتهامات في بعضها إلى «يد حكومية» تسند قبيلة ضد أخرى رغم النفي المتكرر الذي دأبت الخرطوم على إطلاقه.
من جهتها أعلنت الحركة الشعبية - شمال - الأسبوع الماضي عن إفشال عمليات ما يسمى بـ«الصيف الحاسم»، وأنها دمرت 12 متحركًا للجيش السوداني الحكومي في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان التي تدور فيها معارك عنيفة بين الطرفين.
وأعلنت الحركة رسميًا حسب تقييم ميداني أجرته عن وضع نهاية للهجوم الصيفي الحكومي والقضاء على 12 متحركا في جبال النوبة والنيل الأزرق وإفشال الهجوم الصيفي الحكومي، ومنعه من احتلال الحدود الدولية بين السودان وجنوب السودان أو الوصول إلى منطقتي «كاودا» و«يابوس» التي تسيطر عليها.
وكان الجيش السوداني أعلن مرارًا عزمه إنهاء التمرد بحلول الصيف الحالي، وأرسل مئات الجنود من الجيش وقوات الدعم السريع إلى مناطق العمليات في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث دارت معارك عنيفة زعم فيها الطرفان تحقيق انتصارات متوالية على الجانب الآخر.
دوليًا، فإن الخناق يضيق بنظام الحكم، خاصة موضوع المحكمة الجنائية الدولية، الذي بلغ ذروته فيما عرف بـ«أحداث جنوب أفريقيا»، ذهب الرئيس البشير للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت في جوهانسبرغ الشهر الماضي، فأصدرت محكمة قرارًا قضى بمنعه الخروج من البلاد لحين البت في أمر تسليمه للاهاي، لكن حكومة جاكوب زوما رفضت الانصياع لأمر المحكمة وسمحت له بالعودة المموهة إلى بلاده.
من جهتها، جددت الولايات المتحدة الأميركية في يونيو (حزيران) الماضي وضع السودان في قائمتها للدول الراعية للإرهاب لعام آخر، رغم التحسن النسبي في العلاقات بين البلدين، فيما مدد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام المشتركة (يوناميد) لعام آخر، في الوقت الذي تطالب فيه الخرطوم بوضع استراتيجية لإخراج تلك القوات من البلاد.
اقتصاديا، تعيش البلاد أزمة نقد أجنبي طاحنة، فقد قارب الدولار الواحد من حاجز العشرة جنيهات سودانية حسب السوق الموازي، يبلغ سعر الدولار الرسمي زهاء 6 جنيهات، فيما يبلغ سعره الموازي 9.5 جنيه تقريبًا.
وبسبب من العزلة الدولية وسوء السياسات الاقتصادية فإن الخرطوم تكاد تكون عاصمة «مفلسة» تعجز عن سداد قيمة واردات المحروقات ما أدى لأزمة في خدمة الكهرباء والمياه.
وتصاعدت بشكل قياسي أسعار السلع الأساسية في السوق السوداني، ويتناقل الناس بسخرية مريرة أن سعر «كيلو الطماطم» بلغ 50 جنيها (زهاء 11 دولارا)، فيما بلغ سعر «كيلو البامية» 40 جنيها، قالت ربة منزل لأسرتها: «هذه آخر حبات طماطم نشتريها، فالسعر بلغ خمسين جنيها»، وهكذا يمكن القياس لبقية السلع.
وللوصول لحل تفاوضي سلمي لمشكلات السودان، يسعى الاتحاد الأفريقي وآلية الوساطة الأفريقية رفيعة المستوى لجمع الفرقاء السودانيين في طاولة التفاوض، وكاد يفعلها في مارس (آذار) الماضي، بيد أن الخرطوم تنصلت في اللحظة الأخيرة عن المشاركة في لقاء تحضيري يعقد في أديس أبابا لتحديد أجندة الحوار الوطني، تحت مبرر أن بعض حلفائها لم توجه لهم الدعوة، ما اضطر الاتحاد الأفريقي لرفع التفاوض.
أزمات متلاحقة، اقتصادية سياسية أمنية اجتماعية وعزلة خارجية وأفق سياسي مسدود، يواجهها نظام الحكم في السودان، فهل تفلح الخرطوم ونظام الحكم في الخروج من «حافة الهاوية» الواقفين عليها، كما ظلتا تفعلان منذ ما ينيف على 26 سنة هي عمر حكم الرئيس عمر البشير للسودان..؟!
وهل يفلح انتقال تحالفات الحكم الخارجية من حليف استراتيجي لـ«إيران» إلى حليف لبلدان الخليج النفطية، وهل تمنحه تلك الدول «قبلة الحياة»، أم أنها لا تزال «لا تثق فيه» كثيرًا..؟! وهل يصمد الحلف الخليجي السوداني الجديد أمام المتغيرات الدولية، خاصة الاتفاق النووي الإيراني مع القوى العظمى أم تعود حليمة السودانية لقديمها وحليفها السابق إيران..؟! هذا ما لا يستطيع أحد التكهن به، لكن تكمن في رحم الغضب الشعبي «ريح ثورة جوعى»، قد تفلح القوى المعارضة في توظيفها وقد لا، فتنجح السيناريوهات التفتيتية التي ظل النظام يحذر منها، رغم أن المعارضين لا يرون في تحذيراته هذه مجرد دعاية الهدف منها استمراره حاكمًا..!



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.