ميلانو احتفلت... وباريس تألقت... والرجل فاز بتصاميم أنيقة

العقلانية والابتعاد عن إحداث الصدمة سادا أسابيع الموضة الرجالية لخريف وشتاء 2023 ـ 2024

المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
TT

ميلانو احتفلت... وباريس تألقت... والرجل فاز بتصاميم أنيقة

المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)

أخيراً تنفس صناع الموضة الصعداء. الكل متفائل بمستقبل الموضة الرجالية تحديداً بعد سنتين عجاف زعزعتا أركان هذا القطاع وغيرتا بعض قناعاته. حتى الحرب الأوكرانية التي أثارت بعض القلق في بدايتها بسبب ما يمكن أن يترتب عنها من أزمات على سلسلة التوريد والإنتاج وغيرها، لم تُؤثر عليها بالحجم الذي كان صناع الموضة يتخوفون منه. بالعكس، سجّلت الأزياء الإيطالية في عام 2022 زيادة في الإيرادات بنسبة 16 في المائة لتصل إلى 96. 6 مليار يورو. كما سجلت بيوت أزياء مثل «سان لوران» و«غوتشي» و«جيفنشي» إيرادات مهمة في مجال الأزياء الرجالية أهم من تلك المُسجلة في مجال الأزياء النسائية. هذا الانتعاش أكدته عروض الموضة التي جرت مؤخرا في كل من ميلانو وباريس لخريف وشتاء 2023.

من عرض «غوتشي» (رويترز)

أهم ما لفت الأنظار فيها أنها عادت إلى سابق عهدها: حية، مركزة وبأعداد كبيرة. والطريف أن رياح التغيير الأخيرة التي تميزت بعودة قوية إلى السفر وتنظيم العروض المُبهرة بعد سنتين من العروض الافتراضية والرقمية قوبلت بترحيب. لم يخطر على بال أحد من المتابعين أن يُحاسب المسؤولون من صناع الموضة على عدم إيفائهم بالوعود التي تبرعوا بها خلال سنوات الجائحة، مثل التخفيف من عدد العروض، وعدم السفر إلى أماكن بعيدة؛ حفاظاً على البيئة، وما شابه من وعود إنسانية. ففي زمن تبدو فيه المحاسبة على أبسط الأشياء هي المعمول بها على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، كانت الرغبة في العودة إلى الحياة كما تعودنا عليها من قبل أقوى من المبادئ والقناعات. ما أكدته فترة الجائحة أن لا شيء يعوض عن تجربة العروض الحية وما يصاحبها من حماس وترقب وأضواء وموسيقى، وغيرها من العناصر التي تُدغدغ الحواس وتثير المشاعر. أسبوع باريس مثلا شهد ما لا يقل عن خمسين عرضاً حياً منها عرض «سان لوران» الذي افتتح به الأسبوع مساء يوم الثلاثاء الماضي، مع العلم أنه أول عرض أزياء رجالي للدار الفرنسية في باريس منذ أن تولّى البلجيكي أنطوني فاكاريللو منصب المدير الفني فيها عام 2016، حيث كان يفضل العرض في عواصم عالمية أخرى لكي تخلو له الساحة. دار «جيفنشي» أيضا استغنت عن خط «الهوت كوتور» لصالح خط رجالي يُشرف عليه حاليا المصمم الأميركي ماثيو ويليامز الذي قدم يوم الأربعاء مجموعة من الإطلالات لعب فيها على مفهوم الطبقات المتعددة، حيث جمع فيها بين سترات مفصلة وكنزات بقلنسوات وبنطلونات واسعة وقصيرة.

من عرض «سان لوران» (خاص)

في ميلانو، قدمت دار غوتشي بدورها عرضاً حياً بعد غياب ثلاث سنوات. كان وراء هذا الغياب قرار اتخذه مصممها الفني السابق أليساندرو ميكيلي، حين أعلن منذ سنتين تقريباً عدم ضرورة الالتزام بالبرنامج الرسمي لأسابيع الموضة. في المقابل قرر السفر إلى أماكن جديدة لتقديم عروضه. كان عرض الدار بسيطاً وبعيداً عن الأسلوب الصارخ، بالألوان المتضاربة والنقشات المتناقضة، الذي ابتدعه ميكيلي. قالت غوتشي إنها تحتفل فيه بـ«الجمال العفوي». كانت الكلاسيكية هي السمة الغالبة من دون أن تغيب اللمسة الجريئة كُليا. فهذه الأخيرة ظهرت في المزج بين المواد والألوان المعدنية، وبين الجينز الباهت والقمصان المزينة بالترتر، والأحذية المستوحاة من موضة السبعينات. كما ضمت التشكيلة معاطف طويلة مزركشة تم تنسيقها مع بنطلونات واسعة. كان واضحا أن الدار تريد أن تتخلص من الأسلوب السابق بالتدريج حتى لا تُسبب صدمة لمعجبيها من الشباب.

من عرض «جيفنشي» في باريس (رويترز)

هذه الكلاسيكية طبعت أغلب عروض ميلانو وباريس تقريباً، حيث تميزت بالعقلانية والابتعاد عن التعقيدات والجنوح نحو الجنون أو التأنيث المبالغ فيه للرجل. السبب شرحته المصممة ميوتشا برادا بقولها: «في الأوقات العصيبة، يجب أن يعمل الواحد منا بجدية ومسؤولية. ليس هناك مكان لشطحات لا داعي لها. أما الابتكار فيكتسب مفهومه الإبداعي ومكانته الحقيقية فقط عندما يرتبط باكتشاف أشياء جديدة».

من اقتراحات «تودز» (خاص)

بالفعل، ففي أوقات الأزمات، يمكننا توقع أي شيء في المجالات الإبداعية. قد تميل الكفة إلى رغبة محمومة في إثبات الذات وإطلاق موجات جديدة وإن كانت سريالية، أو إلى رغبة في الهدوء إلى أن تمر العاصفة بسلام. ما كان واضحاً خلال أسبوعي ميلانو وباريس الأخيرين أن الكفة الثانية كانت أرجح. فالجائحة كان لها تأثير إيجابي على خزانة الرجل العادي، تجسد في أزياء أنيقة بعيدة عن الصرعات الموسمية. يمكن القول: إن أغلب التشكيلات التي طُرحت، كانت تتمتع بكلاسيكية في التفصيل والألوان وبساطة في التفاصيل إلى جانب تنوع جعلها تخاطب معظم الأذواق. قد يأخذ عليها البعض أنها تجارية وتفتقد إلى الجديد بمفهومه الثوري، لكن ما يشفع لها أن كلاسيكيتها جاءت مطعمة بلمسات شبابية منطلقة، تتوق أن تعيد للرجل شكله الذكوري. فحتى النعومة التي سادت في بعض العروض كانت بجرعات أخف مما كانت عليه في المواسم الأخيرة. البدلات المفصلة والمعاطف الأنيقة إلى جانب قطع منفصلة أخرى تخدم الرجل أياً كانت أهواؤه وميوله ومناسباته، هي التي سرقت الأدوار البطولية. في عرض «برادا» مثلاً كانت الصورة عصرية وبسيطة للغاية. لم يكن فيها أي جديد يُذكر ومع ذلك كانت مُنعشة للنظر، متوازنة في أحجامها. في باريس لم تختلف القصة والقصات عما تم تقديمه في ميلانو. افتتحت المصممة البريطانية غرايس ويلز بونر (31 عاماً) الأسبوع الرجالي بأول عرض لها ضمن الحدث. بونر التي يُرشحها البعض لخلافة فيرجيل أبلوه في دار «لويس فويتون»، تمزج في تصاميمها بين تقنيات خياطي سافيل رو في لندن واللمسات الأفريقية والكاريبية. وحظيت المصممة المولودة لأم بريطانية وأب جامايكي بعدة جوائز لما تتضمنه تصاميمها من إيحاءات لرموز من أصحاب البشرة السوداء وللتاريخ الاستعماري، بالإضافة إلى الراحة التي توفّرها ملابسها.

من عرض «برادا» في ميلانو (إ.ب.أ)

في فندق «إيفرو» الواقع في ساحة فاندوم الشهيرة، قدمت عرضا تضمن بدلات رسمية مصنوعة من الحرير ومعاطف من قماش التويد وسراويل مخملية قصيرة. شرحت المصممة بعد العرض أنها استوحته من شخصيتين أثرتا على ثقافة السود، هما الكاتب جيمس بادوين والراقصة جوزفين بايكر اللذان أقاما في باريس في القرن العشرين. شرحت اختيارها هذا بقولها إنّ «حرية التعبير التي وفّرتها لهما باريس هي أكثر ما أثار اهتمامي».»سان لوران» Saint Laurent
في اليوم نفسه قدمت دار «سان لوران» عرضا غلبت عليه تصاميم موجهة للمساء والسهرات، غلبت عليها معاطف داكنة بأكتاف بارزة وقمصان بيضاء، بعضها من الموسلين، تُلف حول العنق على شكل فيونكات، إضافة إلى قمصان مفتوحة تظهر جزءاً من الصدر. كان واضحاً أن الغرض الأساسي منها هو إبراز التفاصيل الدقيقة من كل جانب. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن السترات المحبوكة والمعاطف الطويلة. ما يُحسب لفاكاريللو في هذه التشكيلة أنه ظل وفياً لأسلوب الدار الذي يتميز بالتصاميم الرشيقة عند الخصر والصدر، والتي يمكن أن تخاطب المرأة والرجل على حد سواء، مع إضافته بصمته الخاصة التي تمثلت في تبنيه الأسلوب الانسيابي مع بعض الهندسية التي تجسّدت في إبراز الأكتاف بشدها إلى أعلى.

من عرض «فندي» (خاص)

«فندي» Fendi
جاءت التشكيلة التي صممتها سيلفيا فينتوريني فندي دافئة وأنيقة تضمنت بعض البريق الذي لعب على خُدع بصرية أبدعتها أنامل حرفيين متمرسين في مقرها الرئيسي بروما. تقول الدار إنها أرادت هنا «استكشاف صخب المدينة والأضواء التي تُنير وتتلألأ بعد حلول الظلام، وهو ما تجسد في تلاشي الخطوط الصارمة التي كانت تطبع الأزياء الرجالية التقليدية لتمنح التصاميم الجديدة جاذبية بنكهة مختلفة». في السياق ذاته، أضفى عدم التناسق في الأحجام حركة هندسية مميزة على القمصان المفككة والعباءات المحبوكة بالكشمير المضلع كما على السترات المنسدلة عند الأكتاف. ربما تكون السراويل المنسابة وكأنها تنورات درابية هي الأكثر جُرأة لكن المعاطف مُزدوجة الصدر والمزينة بطيات من الساتان وشراشيب عند الحواف جعلتها تبدو عصرية وحداثية. أما الخامات الغالبة في التشكيلة فكانت الكشمير ذا الوجهين، والجلود المصممة هندسياً وحرير الجاكار الذي تتخلله ألوان براقة شكلت لوحة تتماوج بين ظلال من الرمادي الأنيق ولون الشوفان والأصفر المحترق والموكا والبنفسجي والأزرق بالدرجات المختلفة.

تودز TOD’S
كانت «تودز» من بين بيوت الأزياء القليلة التي اختارت معرض عوض عرض ضخم. ما لم تتنازل عنه هو أسلوبها الإيطالي الذي عودتنا عليه. فهو جُزء من شخصيتها وجيناتها، لكن ما قامت به لخريف وشتاء 2023 أنها ركزت على لغة شبابية أرادت بها أن تخاطب رجلا يتعرف عليها للتو. أخذته في رحلة اكتشاف لجوهر الأسلوب الإيطالي من خلال مجموعة أزياء كلاسيكية وعملية في الوقت ذاته مستعملة لوحة ألوان بدرجات دافئة، تتباين بين البني والكراميل والبيج، تتقاطع بين القطعة والأخرى بالرمادي والأبيض. أقيم العرض في فيلا نيتشي Villa Necchi، حيث تلتقي التقاليد والحداثة في المعمار والديكورات، وهو ما انعكس على تصاميم تميزت بلمسات رياضية وعصرية بقيت فيها الأساسات كلاسيكية، لا سيما في سترة «باش» Pash Jacket التي «ابتُكرت في مختبرات تودز من أقمشة معالجة وتفاصيل صُنّعت يدوياً بحرفيّة وتقنيات من الشمع تُضفي عليها لمعانا وطلة ثلاثية الأبعاد» حسب قول الدار. بيد أن هذه لم تكن السترة الوحيدة التي جذبت الأنظار. فقد كانت هناك مجموعة لا تقل أناقة من جلود النابا والغزال تُذكرنا بأن «تودز» تأسست على تطويع الجلود أساسا، وأنها انطلقت كدار متخصصة في صناعة الأحذية. هذه الرغبة في تذكيرنا بهذا التاريخ كان واضحا في الأحذية الرجالية المتنوعة التي صاحبت الأزياء.
«زينيا» zegna
مثل أغلب بيوت الأزياء الميلانية التي حرصت على العودة إلى الجذور، ركزت علامة «زينيا» على مكمن قوتها: الكشمير. من هذا المنظور أخذت ضيوفها في رحلة لاكتشاف أهم مرحلة في عملية صناعة البدلات الرجالية ألا وهي إنتاج هذه الخامة المترفة قبل أن تُغزل وتُنسج لتتحول إلى قطع أنيقة. أطلقت على المجموعة «واحة الكشمير» وزينت قاعة بالكامل بألياف هذه الخامة بلونها الأبيض. مصمم الدار أليساندرو سارتوري شرح هذا الاهتمام أنه منذ التحاقه بـ«زينيا»: «حظيتُ بفرصة غير مسبوقة لابتكار الأقمشة من نقطة الصفر، بدءاً من النسج وصولاً إلى وضع اللمسات النهائية، مما يمثّل تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى المصنّعين الذين نتعامل معهم وحافزاً يدفعهم إلى استكشاف المجهول». والنتيجة حسب قوله: «تصاميم متكاملة وعصرية تخاطب الروح». أكثر ما ميز هذه التشكيلة السترات القصيرة والمنفوخة بعض الشيء، وأخرى بحياكة خفيفة أقرب إلى كنزة مفتوحة منها إلى سترات مفصلة. كانت هناك مجموعة من المعاطف ذات القصّات الرشيقة وأخرى واقية من المطر. بيد أن الملاحظ رغم عنوان التشكيلة «واحة الكشمير» هو حضور خامات أخرى؛ مثل جاكار ميلتون الفاخر الذي يمكن ارتداؤه على الوجهَين، ونسيج البوكليه المطلي وغير المطلي، وقماش الجاكار المجعّد، واللبّاد، والجيرسيه وصوف الألبكة، ومزيج قطني من قماش الكوردروي، ونسيج من التويل والصوف الناعم.


مقالات ذات صلة

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تنوعت الألوان والأشكال والتفاصيل (أ.ف.ب)

كيف جعلت «برادا» التنورة بطلة قصتها لربيع وصيف 2027؟

لم تُعانق ميوتشيا برادا التنورة بصورتها الأنثوية المُغرية، فهي تتعامل معها دائماً بوصفها قطعة أساسية تخدم المرأة، كما تثبت من خلالها أنه لا شكل واحداً للأنوثة.

جميلة حلفيشي (لندن) جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

مصممة «شانيل» السابقة... بين وجع الرحيل ورفض النسيان

الجرح الأكبر كان من الذاكرة، حيث شعرت أن اسمها لا يُذكر في سردية الدار. كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد فاصل

جميلة حلفيشي (لندن)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.


خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
TT

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)
المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

يبدو أن صناع الموضة في مأزق صعب، الأمر الذي يُفسِّر حجم التغييرات التي تقوم بها كل من مجموعة «إل في آم آش» ومجموعة «كيرينغ» مؤخراً. فأرقام المبيعات في تراجع، وعدد زبائن المنتجات الفخمة أيضاً في تراجع، والعالم يعاني من أزمة اقتصادية خانقة لا تتجلى فقط في الإضرابات التي تشهدها العديد من العواصم الأوروبية، بل أيضاً فيما يجري داخل بيوت الأزياء من انقلابات، وإقالات.

وبين ضغوط المبيعات، وتقلّبات سوق الرفاهية، وتوقعات العلامات التجارية تحقيق نتائج سريعة، باتت المساحة المتاحة أمام المديرين الإبداعيين لاختبار أفكارهم وبناء هوياتهم داخل الدور تضيق أكثر فأكثر. لم تعد فترة عام أو عامين متاحة أمامهم لتأسيس لغة إبداعية متماسكة. وهكذا بين الفترة والأخرى تنتشر إشاعات حول رحيل مصمم، أو إقالته سرعان ما تتأكد صحتها، في مشهد يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت الذي يحتاج إليه، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

فمنذ أيام أعلنت دار «كالفين كلاين» خروج مديرتها الفنية فيرونيكا ليوني، وبعدها مباشرة أعلنت شركة «كيرينغ»، المالكة لعلامة ألكسندر ماكوين، أن مديرها الإبداعي شون ماكغير غادر منصبه.

قبل ذلك، أعلنت المجموعة رحيل أنتوني فاكاريلو، المدير الإبداعي لـ«سان لوران»، فيما تقول مصادر في القطاع إن فترة تولي بييرباولو بيتشولي منصبه في «بالنسياغا» تقترب أيضاً من نهايتها، فيما لا تزال دار «بروني» من دون مصمم حتى الآن.

سبب خروج ماكغير أنه واجه صعوبة في إثبات حضوره، بعد أن قوبلت تصاميمه الأولى بفتور. كان ماكغير قد انضم إلى ماكوين في وقت كانت فيه العلامة التجارية تواجه تراجعاً حاداً في المبيعات، نتيجة تباطؤ سوق السلع الفاخرة، وتراجع الطلب على خطها الناجح من الأحذية الرياضية تحديداً.

في عرضه الأول في مارس (آذار) 2024، قدّم أسلوباً أكثر تحرراً وخشونة. بدا متجدداً، ما أعطى الأمل بأنه تغيير إيجابي. لكن بعض تجار التجزئة والنقاد رأوا أن العرض كان غير متماسك، وأنه ابتعد بدرجة كبيرة عن السمعة التي تتمتع بها ماكوين بوصفها علامة متخصصة في التفصيل الدقيق، والمتقن.

حاول المصمم تجديدها في مجموعته لربيع وصيف 2027 بالألوان والعودة إلى إرثها (ماكوين)

ورغم أن المجموعات اللاحقة جاءت أكثر إحكاماً في تنفيذها، فإنها لم تنجح في تجديد اهتمام السوق بالعلامة التجارية. وبحلول عام 2025، انخفضت الإيرادات المقدّرة إلى أقل من 200 مليون يورو، بعدما بلغت 800 مليون يورو في ذروتها. هذا التراجع جعل الشركة المالكة، «كيرينغ»، تدرس إمكانية بيع العلامة التجارية، قبل أن تبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة لها.

وتعتبر ماكوين واحدة من أصغر العلامات التجارية التابعة لـ«كيرينغ»، ومن أكثرها تعقيداً أيضاً، لأنها لم تخرج من عباءة مؤسسها ألكسندر ماكوين حتى الآن. فهو لا يزال حاضراً في الذاكرة بعروضه المسرحية، وبراعة تفصيله، وروحه المتمردة بفنية لا يستطع أياً كان أن يُعوِّضها بسهولة. وربما هذا ما تبحث عنه الدار لحد الآن، وهو أيضاً ما صرَّح به لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لشركة «كيرينغ» بقوله إنه يقدر مساهمة شون ماكغير، وتفانيه في خدمة «ألكسندر ماكوين»، لكن «المجموعة تطمح إلى رسم مسار جديد وجريء للدار، يستند إلى إرثها الفريد في التفصيل الاستثنائي، والإبداع الذي لا يقبل المساومة، والتمرد، من أجل تأكيد مكانتها بوصفها أحد أكثر الأصوات ابتكاراً، وتأثيراً ثقافياً في قطاع السلع الفاخرة».

تشتهر الدار ببراعتها في التفصيل الرجالي (ماكوين)

وتقود «كيرينغ» حالياً تغييرات كبيرة في القيادة الإبداعية عبر مجموعة علاماتها التجارية، في وقت لا تزال فيه سوق السلع الفاخرة تمر بظروف صعبة.

ربما تبدو «غوتشي»، العلامة الرئيسة للمجموعة، وكأنها تتجه تدريجياً نحو التعافي تحت قيادة مديرها الإبداعي الجديد ديمنا، إلا أن هذا التعافي لا يزال بطيئاً، ويحتاج إلى تسريع قوي.