انطلاق محاكمة الرئيس التشادي السابق التاريخية.. رغم رفض حبري الاعتراف بها

أنصار المتهم حاولوا عرقلة الجلسة.. وذوو الضحايا جلسوا على بعد أمتار منه

قوات أمن سنغالية تحيط بالرئيس السابق حبري داخل محكمة داكار أمس (أ.ب)
قوات أمن سنغالية تحيط بالرئيس السابق حبري داخل محكمة داكار أمس (أ.ب)
TT

انطلاق محاكمة الرئيس التشادي السابق التاريخية.. رغم رفض حبري الاعتراف بها

قوات أمن سنغالية تحيط بالرئيس السابق حبري داخل محكمة داكار أمس (أ.ب)
قوات أمن سنغالية تحيط بالرئيس السابق حبري داخل محكمة داكار أمس (أ.ب)

بدأت أمس في دكار محاكمة «تاريخية» للرئيس التشادي السابق حسين حبري في السنغال، في أول مرة يحاكم رئيس دولة أفريقية سابق أمام محكمة بلد أفريقي آخر.
ويلاحق حسين حبري الذي يبلغ، 72 عاما، الموقوف منذ سنتين في السنغال التي لجأ إليها بعدما أطاح به الرئيس الحالي إدريس ديبي انتو، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وتعذيب أسفرت خلال فترة حكمه 1982 - 1990، عن 40 ألف قتيل بحسب منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.
استخدمت محكمة الغرف الأفريقية الاستثنائية بالعاصمة السنغالية دكار، صباح أمس، القوة لإجبار الرئيس التشادي السابق على المثول أمامها في محاكمة هي الأولى من نوعها لرئيس أفريقي أمام محكمة أفريقية في بلد آخر. وكان حبري وفريقه القانوني قد رفضوا الاعتراف بشرعية المحكمة التي يدعمها الاتحاد الأفريقي، بينما قاطع محاموه الجلسة الافتتاحية التي حضرها حبري وهو يرتدي لباسًا أفريقيًا أبيض ويضع لثامًا يغطي أجزاء كبيرة من وجهه، ويضع نظارات ويرتدي ساعة سوداء، بينما ظهرت عليه علامات التعب وهو محاط بعناصر من وحدة أمنية سنغالية خاصة. وافتتحت المحاكمة بتأخير بضع دقائق عن الموعد المحدد لها عند الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي بعدما قام دركيون بإجلاء أنصار لحبري رددوا شعارات معادية للمحكمة في القاعة.
واقتيد الرئيس التشادي السابق بالقوة إلى المحكمة الخاصة، وأدخل عناصر من إدارة السجون حسين حبري الذي يرتدي ملابس باللون الأبيض ويضع عمامة، إلى قفص الاتهام في الدوائر الأفريقية الاستثنائية في قصر العدل في دكار. وقد رفع قبضته وهتف «الله أكبر»، وقال رئيس المحكمة البروكنابي غبياردو غوستاف في بداية الجلسة إن «الدفاع ليس ممثلا».
وبدأت الجلسة بحضور عشرات الضحايا ودفاعهم يجلسون على بعد عدة أمتار من حبري، بالإضافة إلى عشرات الشبان من أنصار الرئيس التشادي السابق يتقدمهم أخوه، بينما سمح لأكثر من 200 صحافي بالدخول من ضمنهم صحافيون قدموا من تشاد خصيصًا لتغطية الحدث الذي يحظى باهتمام كبير في بلادهم، حيث يتهم حبري بأنه المسؤول عن تعذيب وقتل الآلاف خلال فترة حكمه للبلاد بين عامي 1982 و1990.
المدعي العام لدى محكمة الغرف الأفريقية الاستثنائية مباكي فال دعا في افتتاح المحاكمة إلى «التفكير بخشوع في جميع ضحايا هذه القضية»، كما أثنى على الناجين وذوي الضحايا الذين وجدوا الشجاعة للشروع في المتابعة القانونية، وقال إن «الطريق الذي قطعوه للوصول إلى حيث نحن اليوم، كان طويلاً ومليئًا بالعراقيل».
وأعلن المتحدث باسم الحكومة الأميركية جون كيربي في بيان إن «الولايات المتحدة تثني على الحكومة السنغالية والاتحاد الأفريقي لجلب الرئيس التشادي السابق حسين حبري أمام الدوائر الأفريقية الاستثنائية في السنغال»، وأضاف كيربي: «في إشارة إلى دعمنا لهذه الإجراءات، سيحضر السفير الأميركي لدى السنغال جيمس كيموالت والسفير المتجول لجرائم الحرب ستيفن راب القضايا افتتاح المحاكمة بالتوقيت المحلي في داكار». وقبل ساعات من بدء المحاكمة أمام «الدوائر الأفريقية الاستثنائية» (المحكمة الخاصة) التي أنشأها الاتحاد الأفريقي بموجب اتفاق مع السنغال، كان الغموض يلف إمكانية حضور المتهم الوحيد الذي يرفض المثول وفق الدفاع، غير أن القضاة قد يرغمونه على ذلك.
وأكد محامي حبري إبراهيم ديوارا لوكالة الصحافة الفرنسية أن موكله الذي هو «بحال جيدة» بعد تعرضه لأزمة قلبية في يونيو (حزيران) الماضي، «لا يعترف بهذه المحكمة ولا بقانونيتها ولا بشرعيتها»، موضحا أنه طلب من مستشاريه ألا يحضروا الجلسات أيضا.
وأشار المدعي العام إلى أنه رفقة مساعديه من القضاة قاموا بتحقيقات ميدانية في تشاد، واطلعوا على تقرير اللجنة الوطنية للتحقيق الصادر عن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، كما تحدث عن إرسال 4 لجان قضائية دولية وتنقل القضاة إلى تشاد لاستجواب أكثر من ستين شاهدًا في القضية، وجمع الأدلة وتقييمها والاطلاع على أرشيف إدارة الأمن، ومعاينة عشرات المواقع.
وفي ختام كلمته قال المدعي العام إن «على الرئيس التشادي السابق أن يكسر الصمت أمام التاريخ وأمام القضاة، ويقدم أجوبة عن الجرائم الفظيعة التي يتهم بارتكابها»، وأضاف مخاطبًا حبري: «صمتك إذعان للكثير من الجرائم».
خلال المحاكمة أصر الرئيس التشادي السابق على عدم شرعية المحاكمة رافضًا الاعتراف بالمحامي الذي انتدب للدفاع عنه، حيث قال عندما بدأ المحامي في الحديث: «من هذا الشخص الذي يتحدث، أنا لا أعرفه، هذا غير صحيح فحبري ليس لديه محام»، لتبدأ بعد ذلك حالة من الفوضى في القاعة ردد خلالها أنصار حبري هتافات مناوئة للمحاكمة: «عاش حبري.. عار عليكم».. بينما قال أحد أنصار حبري من داخل المحكمة: «أية محكمة.. هذه ليست محكمة.. لقد تم استئجارهم من أجل جلب حبري إلى هنا»، بينما يضيف آخر: «نحن معك وسنظل معك حتى النهاية.. أسلوب التعامل مع الرئيس حبري غير لائق.. عار عليكم».
في غضون ذلك تدخلت الوحدة الأمنية الخاصة المرافقة للرئيس التشادي السابق وسحبته من قاعة المحكمة، بينما ظهر حبري وهو محمول من طرف عناصر الأمن يلوح لأنصاره بيده اليمنى التي يحمل فيها «سبحة» أخذت جزءًا كبيرًا من الوقت الذي قضاه جالسًا أمام القضاة، اختفى حبري من القاعة ليعلن عن تعليق الجلسة حتى المساء.
من جهة أخرى أكد فريق الدفاع عن الجانب المدني من ضحايا سنوات الجمر التي قضاها حبري في الحكم، أن صمته وغياب فريق الدفاع لن يؤثر على مجريات المحاكمة، وقال المحامي التشادي جاكلين مودينا على هامش المحاكمة: «هذه الاستراتيجية لن تؤثر على القرار المستقبلي للمحكمة، إنها استراتيجية الديكتاتوريين الكبار».
ويتابع التشاديون هذه المحاكمة باهتمام كبير، وهم يسترجعون ثماني سنوات من الحكم شهدوا خلالها على أنواع كثيرة من القمع المروع، حيث كان يتم توقيف المعارضين الحقيقيين أو المفترضين من قبل إدارة التوثيق والأمن، وتعذيبهم وغالبا إعدامهم. وقدرت لجنة للتحقيق بأكثر من 40 ألفا، عدد الذين ماتوا في المعتقلات أو أعدموا في عهده، بينهم أربعة آلاف تم التعرف عليهم بأسمائهم.
وهذه المحاكمة غير المسبوقة ستتيح أيضا للقارة أن تعطي مثالا يقتدى به في وقت تتزايد المآخذ في أفريقيا على المحكمة الجنائية الدولية المنعقدة في لاهاي، ولا سيما مؤخرا مع رفض جنوب أفريقيا تنفيذ مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير في يونيو خلال قمة الاتحاد الأفريقي.
وذكر المتحدث باسم الدوائر الأفريقية الاستثنائية مارسيل مندي أن الاتحاد الأفريقي يعتبر أن المحكمة الجنائية الدولية تمارس العدالة الانتقائية ولا تحاكم إلا الأفارقة.
وأضاف: «لذلك فإن الرهان الآخر لهذه المحاكمة هو أن تعطي أفريقيا الدليل على أنها قادرة على أن تحاكم أبناءها بنفسها حتى لا يفعل ذلك آخرون بدلا منها».
ورأى المفوض الأعلى لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة زيد رعد الحسين أن هذه المحاكمة تشكل منعطفا في إحقاق العدالة في أفريقيا، وأضاف أن «هذه المحاكمة نظمت بفضل الضحايا وسعيهم الحثيث والواضح لإحقاق العدل وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي وقعت السنوات الثماني من حكم نظام حبري». ورأى أن هذه المحاكمة تظهر أيضا أن القادة المتهمين بجرائم خطيرة يجب ألا يفترضوا أنهم سيفلتون إلى ما لا نهاية من القضاء.
ومن جهته، قال أبرز الداعين إلى هذه المحاكمة في منظمة هيومان رايتس ووتش للحقوق الإنسان ريد برودي، لوكالة الصحافة الفرنسية: إنها «المرة الأولى في العالم، وليس في أفريقيا فقط، تقوم محاكم بلد، هو السنغال، بمحاكمة الرئيس السابق لبلد آخر، هو تشاد، على انتهاكات مفترضة لحقوق الإنسان».
وسيقوم قضاة سنغاليون وأفارقة منهم البوركينابي غبيرداو غوستاف كام الذي سيرأس المناقشات، بمحاكمة حسين حبري.
ومنذ بدء التحقيق في يوليو (تموز) 2013، صدرت 4 استنابات قضائية أتاحت الاستماع إلى نحو 2500 ضحية و60 شاهدا، كما ذكر الأسبوع الماضي المدعي العام للمحكمة الأفريقية مباكي فال.
وقام أكثر من 4 آلاف ضحية مباشر أو غير مباشر بالادعاء بالصفة الشخصية وقررت المحكمة الخاصة الاستماع إلى مائة شاهد.
وسيسعى الادعاء لإثبات المسؤولية الشخصية لحسين حبري في السلوك المروع لشرطته السياسية، مديرية التوثيق والأمن. وقد حكم على سبعة من مسؤوليها السابقين في مارس (آذار) الماضي خلال محاكمة منفصلة في نجامينا، بالسجن المؤبد لإدانتهم بعمليات تصفية وتعذيب.
وهذه المسؤولية لا تحمل أي شك بنظر سليمان غوينغوينغ المسؤول السابق عن المحاسبة في لجنة حوض بحيرة تشاد الذي اعتقل أكثر من سنتين والرئيس المؤسس لجمعية ضحايا جرائم نظام حسين حبري.
وقال غوينغوينغ الذي جاء إلى دكار لحضور المحاكمة: «لم يكن أحد يستطيع توقيف أي شخص في مديرية التوثيق والأمن من دون إبلاغ حسين حبري. فكل شخص يعتقل يدون اسمه على استمارة صغيرة وتقدم إلى حبري».
وقال مباكي فال إن الجلسات «ستصور وتسجل» لبثها بفارق زمني، حتى «يتمكن أكبر عدد من الأشخاص من متابعة المحاكمة»، وخصوصا المدعون بالحق المدني الذين لن يستطيعوا حضورها، وأضاف أن «التلفزيون السنغالي (مؤسسة البث المضيفة) سيبث مقتطفات فقط من المناقشات، وسيمكن وسائل الإعلام من البث مجانا». ومن المقرر أن تجرى الجلسات من 20 يوليو إلى 22 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وإذا ما ثبتت إدانة المتهم، ستبدأ مرحلة جديدة تبحث خلالها طلبات محتملة للتعويض على المدنيين. وفي حال صدور الحكم، فإن حسين حبري الذي يواجه حكما يتراوح بين السجن 30 عاما والأشغال الشاقة مدى الحياة، يمكن أن يقضي عقوبته في السنغال أو في بلد آخر عضو في الاتحاد الأفريقي. وذكر المدعي أن ميزانية المحكمة الخاصة تناهز ستة مليارات فرنك أفريقي (نحو 9.15 مليون يورو) تؤمنها جهات مانحة عدة هي فرنسا وبلجيكا وهولندا والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وتشاد.



تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.


نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.