علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

سيرة «هادئة» تستعيد الستينات العراقية الصاخبة

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»
TT

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

يفتتح علي جعفر العلاق سيرته الذاتية «إلى أين أيتها القصيدة؟ سيرة ذاتية» (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2022) بتبريز الصلة غير المعلنة، عندنا في الأقل، بين السلطة وتأسيس المدن، ربما الأفضل أن نقول إن الشاعر يدشن سيرته باستظهار الصلة الخفية بين تأسيس المدينة «واسط: بناها الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 78 هجرية وأتمها سنة 86 هجرية لتكون مقراً جديداً لجنده»، وحاجات السلطة لديمومة بقائها واستمرارها، وفي الطليعة منها، حاجة حكامها للاستبداد.
لكن «واسط» لم تكن، فقط، المدينة التي ابتلعت صرخات الجند والفلاحين على يد الحجاج، إنما هي، كذلك، سردية أخرى تعيدنا لمصائر المدن التي تظل محكومة بلحظة تأسيسها الأول. هكذا كانت واسط مقراً لجند الحجاج، وهي المدينة (السجن) التي مارس فيها الحجاج سلطته وشهواته العارمة نحو الاستبداد، مثلما تحكمت، في زمن آخر، لحظة التأسيس الأولى لـ«بغداد»، فكانت لحظة حرق الأساسات التي أمر بها مؤسسها، أبو جعفر المنصور، ليرى «بغداده» تاريخاً، أبدياً، يروي لنا الحكايات المختلفة عن المصائر التعيسة لبغداد، كما لو أنها تستعيد لحظة حرقها الأولى. لكن الاحتفاء بـ«واسط» المشبعة بالقمع والدماء يقابله تغييب جزئي لحاضرة «واسط» الحالية: الكوت «تأسست على الأرجح سنة: 694»؛ إذ يجري ذكر «الكوت» بصفتها قصة تتبع حكاية الشاعر الكبرى: قريته، أو أسطورته الأولى كما سيكتب في صفحات لاحقة من سيرته. لا احتفاء، إذن، إلا برغبة «الشاعر» بالاعتراف «هل يعني الاعتراف معنى الاحتجاج؟ لا أظن!»، ضد السلطة القامعة التي صنعت واسط، وهي سلطة مماثلة لأخرى شهد وعاش بطشها الشاعر ذاته في مراحل أساسية من حياته، فكان أحد «المتضررين»، بقدر ما، من إدارتها لملفات الثقافة.

سيرة ذاتية... أين الاعتراف إذن؟
لكن المفارقة أن السيرة لا تشهد اعترافات «أساسية» أو «صادمة» ضد السلطة القامعة، مثلاً، أو بعض مراتبها من «نخب» سياسية، أو ثقافية، أو حتى أدبية؛ ما دامت السيرة ذاتها تفتتح نصها بالغمز من قناة السلطة وتستعيد صراخات ضحاياها. لا أثر لهذا النوع من «المكاشفات» الجذرية سوى في نقطتين اثنتين، وبحدود ضيقة: حديث الشاعر، أولاً، عن جيله الستيني الصاخب سياسياً وثقافياً. ثمّ في حديثه، ثانياً، عن إدارته «المختلفة»، حقاً، لمجلة الأقلام العراقية الرائدة ذات التأثير الكبير على حركة الحداثة والتحديث الأدبي في العراق والعالم العربي كله. وهي، بهذا الوصف، ذاكرة أخرى للثقافة في العراق.
في استعادته لتجربة جيله الستيني الصاخب لا نجد تلك الرغبة المحتدمة، شأن شعرائه المشهورين بتأميم صخب الجيل ونسبته لكاتب «الشهادة» ولاتجاهه السياسي، كما حال سامي مهدي أو فاضل العزاوي. نحن هنا، إزاء سيرة تحاول، قدر المستطاع، أن تنأى بنفسها عن تلك الصدامات العنيفة بين قطبي ذلك الجيل المحتدم. ولعل لزمن كتابة السيرة، المتأخر على أي حال، دوره الفاعل في «تهدئة» النفس، ودفعها صوب التأمل الهادي لتجربة يصعب فيها فصل الثقافي عن السياسي. هي كذلك؛ منذ بداياتها الأولى، وليس ختاماً بمجلتها الشهيرة «69» وبيانها الشعري.
وظلت على حدتها، حتى بعد عقدين ويزيد، عندما جرى فتح الملفات مجدداً منتصف التسعينات؛ فكانت النتيجة أن جرى اختصار الجيل الستيني كله بعنوان مشبع باللحظة العابرة؛ فهو محض «موجة صاخبة»، فيما جعلها المقصي والخصم «الروح الحية».
فلا حدود وسطى، لا حياد يُعترف به. ظلت «سردية» الجيل المنتصر على سواه، لكن المنشطر على نفسه بين «داخل» تقلبت به أحوال البلاد بين ديكتاتورية لا حدود لبطشها وحروب لا تنتهي ثم حصار انتهى باحتلال البلاد، و«منفى» مطرود إلى أقصى الدنيا وممنوع من «العودة»، هي النسق المعلن والخفي، معاً، لأي «سيرة» تُكتب عن الجيل الستيني. حتى العلاق، صاحب هذه السيرة، وبرغم إشاراته الحذرة لهذه الحقائق، فإنه يعود ليؤكدها ويحاول، من ثمّ، أن يحيِّد شعره ووجوده الإنساني المتفرد؛ فهو يقول لنا إنه كان «ينمو» في مكان «بقعة» يحاذي الجيل الستيني. ولا سبب لهذا «التعفف» عن تصدر مائدة الستينيين سوى اثنين. الأول، يخص الشعر نفسه الذي رغب العلاق بكتابته والاختصاص به. وهو شعر يتقاطع مع الرغبة الجامحة للستينيين أنفسهم في الثورة على كل الأشكال الشعرية السابقة، لا سيّما ما يتصل منها بتجارب الرواد، مما يسميه العلاق نفسه بـ«الهرج الستيني الصاخب». ويتقاطع، كذلك، مع عمود الشعر العربي الذي تنتسب إليه قصيدة العلاق. والثاني شخصي يتصل بـ«التعفف» عما يمكن تسميته بالأسطورة الشخصية - الشعرية المبنية على نظام الشلل الحزبية أو الثقافية. فهل اختلف الأمر مع إدارة الشاعر لمجلة «الأقلام» الشهيرة؟

ذاكرة أخرى للثقافة في العراق
ربما تكون «شهادة» الشاعر علي جعفر العلاق الأولى في سياقها؛ إذ لم يسبق لي أن قرأت شهادة حقيقية يكتبها «شاعر» أو «كاتب» أو «مثقف» معروف تولى إدارة «مجلة» أدبية معروفة مثل «الأقلام» في حقبة البعث، وتأتي شهادته في سياق «كشف» حقيقة ما حصل. أكتب هذا الكلام وأنا أستعيد صرخات أحد الموقعين على البيان الشعري الشهير، وكان يعترض على كلامي في ندوة نظمتها إحدى كليات جامعة بغداد لمناسبة الميلاد الخمسين لمجلة «الأقلام» قبل سنوات. في وقتها، كنت أتحدث عن «الأقلام» بصفتها ذاكرة أخرى للثقافة في عراق مبتلى بالاستبداد وثقافته. لكن «شهادة» العلاق عن مجلة «الأقلام» أكثر من مجرد شكوى من «تطفل» أو «نميمة» مغرضة ضده شخصياً، أو حتى تقرير حزبي يُرفع مباشرة لوزير الثقافة آنذاك (لطيف نصيف جاسم)، بسبب ملف أدبي معروف بعنوان «الشاعر العربي الحديث ناقداً»، نُشر في أحد أعداد المجلة عام 1985، وتضمن مشاركة لأكثر شاعر عربي إشكالية، والمقصود أدونيس ولا شك، مع كمال أبو ديب؛ فهذا مما كان يحصل كثيراً، وربما بانتظام مذهل، في وسط ثقافي، عراقي أو عربي، يعتاش على النميمة الشخصية والحزبية. إنما لشهادة العلاق قيمة مضافة، تاريخية ذات ترميز عميق؛ فالعلاق هو ابن المؤسسة الثقافية العراقية، وإن شئت فقل: المؤسسات التي أعيد بناؤها في عهد البعث، وهي التي أحكمت قبضتها على مفاصل الثقافة العراقية في العقود الثلاثة الأخيرة حتى سقوط النظام واحتلال البلاد.
ولا أظن أن هذا التوصيف يضر شاعراً وناقداً مكرساً مثل العلاق؛ فهو قد تحول للعمل الوظيفي «الثقافي» في عهد البعث الثاني، وأكمل في عهده دراسته العليا بلندن، وأدار مجلة «الأقلام» (1984 - 1990) بتكليف من وزير الثقافة والإعلام. مثلما لا يضير العلاق قولهم إنه كتب شهادته بعد طرد صدام من الكويت «وهل كان هناك سبيل آخر غير الصمت أو الموت؟!»، ربما يؤخذ على العلاق صمته الطويل، حتى بعد خروجه من العراق مطلع التسعينات عن كتابة شهادته - سيرته، ولا بأس، فالسير الشخصية تُكتب لاحقاً، وهو الشاهد الحي على ما حصل في عهد إدارته لـ«الأقلام»، وفي بلاده حتى خروجه من العراق وإقامته الطويلة بعيداً عنه.
في النهاية؛ فإن السيرة تتضمن، لا سيّما في كلام الشاعر عن جيله الستيني وإدارته لمجلة «الأقلام»، إشارات نصية واضحة لتحكم السلطة بالثقافة وإدارتها لمؤسساتها، بل إن السيرة تقول الكثير ضمناً عن مثقفي السلطة، أو من صنعتهم وفرضتهم على المؤسسات والجامعات، ثم تسربوا خارج البلاد فصاروا يكتبون باسم «المنفى» والمعارضة الثقافية للنظام الذي صنعهم. لا يقول علي جعفر العلاق هذا الكلام بنصه، إنما يترك القارئ يستنتج كيف جرت محاربة فكرة الحداثة وتحديث الشعر والخطاب النقدي، كما حاولت مجلة «الأقلام» تقديمه بإدارة العلاق، وليس إقصاء كتاب أدونيس التأسيسي «الثابت والمتحول» من التداول النقدي في العراق سوى صيغة أولى وشائعة، أيضاً، للرقابة الصارمة، وبرغم ذلك، فقد ترك العلاق نفسه أن تواجه مشقة الصدام مع الممنوع.
وفي كل مرة، وكلما جرى الكلام في السيرة عن خراب البلاد، نستعيد دلالات افتتاح السيرة بمشهد الحلاج ومدينته واسط، كأن هذا الافتتاح «تميمة»، أو كناية عن أي مدينة «تصنعها» السلطة على مقاسها، تصنعها مرة وتخربها مرات.
خلال اللحظات الثلاث «السلطة - المدينة، جيل الستينات، مجلة (الأقلام)»، فإن السيرة تمضي هادئة؛ إنها حكاية عائد إلى قريته النائمة قريباً من دجلة، على مقربة من مدينة الكوت التي تمر على ذكرها السيرة سريعاً؛ وهي «عودة» متأخرة، أو استعادة لحياة مضت بعيداً عن بداياتها الأولى. لكنها سيرة أي عراقي، وربما أي عربي، عاش الظروف والحياة ذاتها. الفارق، فقط، في الاحترافية البالغة في كتابة السيرة؛ فالسيرة تبرع في الاقتصاد السردي، فيما يتصل بعرض المقاطع المثيرة الجاذبة لانتباه القارئ، لا سيّما ما يتصل منها بحياة ذلك الفتى الفقير النازح مع عائلته إلى بغداد من وسط العراق.
فلا نرى السيرة ساعية لتوريط القارئ في «تراجيديا» تعلِّق «الشاعر» بأمه، كما يحدث كثيراً في السرديات السيرية العربية، برغم أنه يذكر ويسرد أصول علاقته بأمه، لا سيّما موته بعيداً عنها، لكنه لا يجعلها «دراما» كلية ووحيدة. إنما يجري التركيز على سيرة الأب حتى لحظة موته. وأظن أن هذا التركيز يرجع لإغراءات سردية «الفقدان» المبكر والمؤسس للمسارات اللاحقة في حياة الشاعر.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.