علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

سيرة «هادئة» تستعيد الستينات العراقية الصاخبة

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»
TT

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

يفتتح علي جعفر العلاق سيرته الذاتية «إلى أين أيتها القصيدة؟ سيرة ذاتية» (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2022) بتبريز الصلة غير المعلنة، عندنا في الأقل، بين السلطة وتأسيس المدن، ربما الأفضل أن نقول إن الشاعر يدشن سيرته باستظهار الصلة الخفية بين تأسيس المدينة «واسط: بناها الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 78 هجرية وأتمها سنة 86 هجرية لتكون مقراً جديداً لجنده»، وحاجات السلطة لديمومة بقائها واستمرارها، وفي الطليعة منها، حاجة حكامها للاستبداد.
لكن «واسط» لم تكن، فقط، المدينة التي ابتلعت صرخات الجند والفلاحين على يد الحجاج، إنما هي، كذلك، سردية أخرى تعيدنا لمصائر المدن التي تظل محكومة بلحظة تأسيسها الأول. هكذا كانت واسط مقراً لجند الحجاج، وهي المدينة (السجن) التي مارس فيها الحجاج سلطته وشهواته العارمة نحو الاستبداد، مثلما تحكمت، في زمن آخر، لحظة التأسيس الأولى لـ«بغداد»، فكانت لحظة حرق الأساسات التي أمر بها مؤسسها، أبو جعفر المنصور، ليرى «بغداده» تاريخاً، أبدياً، يروي لنا الحكايات المختلفة عن المصائر التعيسة لبغداد، كما لو أنها تستعيد لحظة حرقها الأولى. لكن الاحتفاء بـ«واسط» المشبعة بالقمع والدماء يقابله تغييب جزئي لحاضرة «واسط» الحالية: الكوت «تأسست على الأرجح سنة: 694»؛ إذ يجري ذكر «الكوت» بصفتها قصة تتبع حكاية الشاعر الكبرى: قريته، أو أسطورته الأولى كما سيكتب في صفحات لاحقة من سيرته. لا احتفاء، إذن، إلا برغبة «الشاعر» بالاعتراف «هل يعني الاعتراف معنى الاحتجاج؟ لا أظن!»، ضد السلطة القامعة التي صنعت واسط، وهي سلطة مماثلة لأخرى شهد وعاش بطشها الشاعر ذاته في مراحل أساسية من حياته، فكان أحد «المتضررين»، بقدر ما، من إدارتها لملفات الثقافة.

سيرة ذاتية... أين الاعتراف إذن؟
لكن المفارقة أن السيرة لا تشهد اعترافات «أساسية» أو «صادمة» ضد السلطة القامعة، مثلاً، أو بعض مراتبها من «نخب» سياسية، أو ثقافية، أو حتى أدبية؛ ما دامت السيرة ذاتها تفتتح نصها بالغمز من قناة السلطة وتستعيد صراخات ضحاياها. لا أثر لهذا النوع من «المكاشفات» الجذرية سوى في نقطتين اثنتين، وبحدود ضيقة: حديث الشاعر، أولاً، عن جيله الستيني الصاخب سياسياً وثقافياً. ثمّ في حديثه، ثانياً، عن إدارته «المختلفة»، حقاً، لمجلة الأقلام العراقية الرائدة ذات التأثير الكبير على حركة الحداثة والتحديث الأدبي في العراق والعالم العربي كله. وهي، بهذا الوصف، ذاكرة أخرى للثقافة في العراق.
في استعادته لتجربة جيله الستيني الصاخب لا نجد تلك الرغبة المحتدمة، شأن شعرائه المشهورين بتأميم صخب الجيل ونسبته لكاتب «الشهادة» ولاتجاهه السياسي، كما حال سامي مهدي أو فاضل العزاوي. نحن هنا، إزاء سيرة تحاول، قدر المستطاع، أن تنأى بنفسها عن تلك الصدامات العنيفة بين قطبي ذلك الجيل المحتدم. ولعل لزمن كتابة السيرة، المتأخر على أي حال، دوره الفاعل في «تهدئة» النفس، ودفعها صوب التأمل الهادي لتجربة يصعب فيها فصل الثقافي عن السياسي. هي كذلك؛ منذ بداياتها الأولى، وليس ختاماً بمجلتها الشهيرة «69» وبيانها الشعري.
وظلت على حدتها، حتى بعد عقدين ويزيد، عندما جرى فتح الملفات مجدداً منتصف التسعينات؛ فكانت النتيجة أن جرى اختصار الجيل الستيني كله بعنوان مشبع باللحظة العابرة؛ فهو محض «موجة صاخبة»، فيما جعلها المقصي والخصم «الروح الحية».
فلا حدود وسطى، لا حياد يُعترف به. ظلت «سردية» الجيل المنتصر على سواه، لكن المنشطر على نفسه بين «داخل» تقلبت به أحوال البلاد بين ديكتاتورية لا حدود لبطشها وحروب لا تنتهي ثم حصار انتهى باحتلال البلاد، و«منفى» مطرود إلى أقصى الدنيا وممنوع من «العودة»، هي النسق المعلن والخفي، معاً، لأي «سيرة» تُكتب عن الجيل الستيني. حتى العلاق، صاحب هذه السيرة، وبرغم إشاراته الحذرة لهذه الحقائق، فإنه يعود ليؤكدها ويحاول، من ثمّ، أن يحيِّد شعره ووجوده الإنساني المتفرد؛ فهو يقول لنا إنه كان «ينمو» في مكان «بقعة» يحاذي الجيل الستيني. ولا سبب لهذا «التعفف» عن تصدر مائدة الستينيين سوى اثنين. الأول، يخص الشعر نفسه الذي رغب العلاق بكتابته والاختصاص به. وهو شعر يتقاطع مع الرغبة الجامحة للستينيين أنفسهم في الثورة على كل الأشكال الشعرية السابقة، لا سيّما ما يتصل منها بتجارب الرواد، مما يسميه العلاق نفسه بـ«الهرج الستيني الصاخب». ويتقاطع، كذلك، مع عمود الشعر العربي الذي تنتسب إليه قصيدة العلاق. والثاني شخصي يتصل بـ«التعفف» عما يمكن تسميته بالأسطورة الشخصية - الشعرية المبنية على نظام الشلل الحزبية أو الثقافية. فهل اختلف الأمر مع إدارة الشاعر لمجلة «الأقلام» الشهيرة؟

ذاكرة أخرى للثقافة في العراق
ربما تكون «شهادة» الشاعر علي جعفر العلاق الأولى في سياقها؛ إذ لم يسبق لي أن قرأت شهادة حقيقية يكتبها «شاعر» أو «كاتب» أو «مثقف» معروف تولى إدارة «مجلة» أدبية معروفة مثل «الأقلام» في حقبة البعث، وتأتي شهادته في سياق «كشف» حقيقة ما حصل. أكتب هذا الكلام وأنا أستعيد صرخات أحد الموقعين على البيان الشعري الشهير، وكان يعترض على كلامي في ندوة نظمتها إحدى كليات جامعة بغداد لمناسبة الميلاد الخمسين لمجلة «الأقلام» قبل سنوات. في وقتها، كنت أتحدث عن «الأقلام» بصفتها ذاكرة أخرى للثقافة في عراق مبتلى بالاستبداد وثقافته. لكن «شهادة» العلاق عن مجلة «الأقلام» أكثر من مجرد شكوى من «تطفل» أو «نميمة» مغرضة ضده شخصياً، أو حتى تقرير حزبي يُرفع مباشرة لوزير الثقافة آنذاك (لطيف نصيف جاسم)، بسبب ملف أدبي معروف بعنوان «الشاعر العربي الحديث ناقداً»، نُشر في أحد أعداد المجلة عام 1985، وتضمن مشاركة لأكثر شاعر عربي إشكالية، والمقصود أدونيس ولا شك، مع كمال أبو ديب؛ فهذا مما كان يحصل كثيراً، وربما بانتظام مذهل، في وسط ثقافي، عراقي أو عربي، يعتاش على النميمة الشخصية والحزبية. إنما لشهادة العلاق قيمة مضافة، تاريخية ذات ترميز عميق؛ فالعلاق هو ابن المؤسسة الثقافية العراقية، وإن شئت فقل: المؤسسات التي أعيد بناؤها في عهد البعث، وهي التي أحكمت قبضتها على مفاصل الثقافة العراقية في العقود الثلاثة الأخيرة حتى سقوط النظام واحتلال البلاد.
ولا أظن أن هذا التوصيف يضر شاعراً وناقداً مكرساً مثل العلاق؛ فهو قد تحول للعمل الوظيفي «الثقافي» في عهد البعث الثاني، وأكمل في عهده دراسته العليا بلندن، وأدار مجلة «الأقلام» (1984 - 1990) بتكليف من وزير الثقافة والإعلام. مثلما لا يضير العلاق قولهم إنه كتب شهادته بعد طرد صدام من الكويت «وهل كان هناك سبيل آخر غير الصمت أو الموت؟!»، ربما يؤخذ على العلاق صمته الطويل، حتى بعد خروجه من العراق مطلع التسعينات عن كتابة شهادته - سيرته، ولا بأس، فالسير الشخصية تُكتب لاحقاً، وهو الشاهد الحي على ما حصل في عهد إدارته لـ«الأقلام»، وفي بلاده حتى خروجه من العراق وإقامته الطويلة بعيداً عنه.
في النهاية؛ فإن السيرة تتضمن، لا سيّما في كلام الشاعر عن جيله الستيني وإدارته لمجلة «الأقلام»، إشارات نصية واضحة لتحكم السلطة بالثقافة وإدارتها لمؤسساتها، بل إن السيرة تقول الكثير ضمناً عن مثقفي السلطة، أو من صنعتهم وفرضتهم على المؤسسات والجامعات، ثم تسربوا خارج البلاد فصاروا يكتبون باسم «المنفى» والمعارضة الثقافية للنظام الذي صنعهم. لا يقول علي جعفر العلاق هذا الكلام بنصه، إنما يترك القارئ يستنتج كيف جرت محاربة فكرة الحداثة وتحديث الشعر والخطاب النقدي، كما حاولت مجلة «الأقلام» تقديمه بإدارة العلاق، وليس إقصاء كتاب أدونيس التأسيسي «الثابت والمتحول» من التداول النقدي في العراق سوى صيغة أولى وشائعة، أيضاً، للرقابة الصارمة، وبرغم ذلك، فقد ترك العلاق نفسه أن تواجه مشقة الصدام مع الممنوع.
وفي كل مرة، وكلما جرى الكلام في السيرة عن خراب البلاد، نستعيد دلالات افتتاح السيرة بمشهد الحلاج ومدينته واسط، كأن هذا الافتتاح «تميمة»، أو كناية عن أي مدينة «تصنعها» السلطة على مقاسها، تصنعها مرة وتخربها مرات.
خلال اللحظات الثلاث «السلطة - المدينة، جيل الستينات، مجلة (الأقلام)»، فإن السيرة تمضي هادئة؛ إنها حكاية عائد إلى قريته النائمة قريباً من دجلة، على مقربة من مدينة الكوت التي تمر على ذكرها السيرة سريعاً؛ وهي «عودة» متأخرة، أو استعادة لحياة مضت بعيداً عن بداياتها الأولى. لكنها سيرة أي عراقي، وربما أي عربي، عاش الظروف والحياة ذاتها. الفارق، فقط، في الاحترافية البالغة في كتابة السيرة؛ فالسيرة تبرع في الاقتصاد السردي، فيما يتصل بعرض المقاطع المثيرة الجاذبة لانتباه القارئ، لا سيّما ما يتصل منها بحياة ذلك الفتى الفقير النازح مع عائلته إلى بغداد من وسط العراق.
فلا نرى السيرة ساعية لتوريط القارئ في «تراجيديا» تعلِّق «الشاعر» بأمه، كما يحدث كثيراً في السرديات السيرية العربية، برغم أنه يذكر ويسرد أصول علاقته بأمه، لا سيّما موته بعيداً عنها، لكنه لا يجعلها «دراما» كلية ووحيدة. إنما يجري التركيز على سيرة الأب حتى لحظة موته. وأظن أن هذا التركيز يرجع لإغراءات سردية «الفقدان» المبكر والمؤسس للمسارات اللاحقة في حياة الشاعر.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.