«أليس في أرض العجائب» بعد قرن ونصف قرن

تاريخها السري في 500 صفحة

بوستر فيلم عن «أليس في بلاد العجائب»
بوستر فيلم عن «أليس في بلاد العجائب»
TT

«أليس في أرض العجائب» بعد قرن ونصف قرن

بوستر فيلم عن «أليس في بلاد العجائب»
بوستر فيلم عن «أليس في بلاد العجائب»

تحتفل الأوساط الأدبية في بريطانيا هذا العام (2015) بمرور مائة وخمسين عامًا على صدور رواية الأديب الإنجليزي لويس كارول (1832 - 1898) ولويس كارول هو اسمه القلمي (أما اسمه الحقيقي فهو تشارلز لتدوج دودجسون)، المسماة «مغامرات أليس في أرض العجائب» (1865) وقد أعقبها بجزء ثان عنوانه «خلال المرآة وما وجدته أليس هناك» (1872) وهي تعد من كلاسيكيات أدب الأطفال (والكبار أيضًا). وبهذه المناسبة أصدرت دار «هارفيل سيكر» للنشر كتابًا عنوانه: «قصة أليس: لويس كارول والتاريخ السري لأرض العجائب» في قرابة خمسمائة صفحة، من تأليف روبرت دوجلاس - فيرهيرست، المحاضر بجامعة أكسفورد وصاحب كتاب سابق عن تشارلز ديكنز
Robert Douglas - Fairhurst، The Story Of Alice: Lewis Carroll and the Secret History of Wonderland، Harvill Secker، 2015.
نشرت رواية «أليس» محلاة برسوم من ريشة السير جون كنيل برسون عن دار ماكميلان وشركاه للنشر بلندن في 1865. وهو نفس العام الذي صدرت فيه «أغاني مالدورور» للشاعر الفرنسي لوتريامون، وديوان «فصل في الجحيم» للشاعر الرمزي الفرنسي رنبو، وتشترك هذه الأعمال الثلاثة في أنها ترتاد عوالم الحلم ومناظره الطبيعية، دون أن تخلو من جانب مظلم. لا عجب أن قال الأديب السيريالي الفرنسي أندريه بريتون إن رواية «أليس» تفتح نافذة للكبار على عالم الصغار.
ورواية «أليس» (صدرت لها ترجمة عربية كاملة بقلم د. نادية الخولي عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، كما سبق أن صدرت لها ترجمات مختصرة وكتب د. نظمي لوقا مقالة ضافية عنها في مجلة «تراث الإنسانية») تتضمن محاكاة منظومة ساخرة لبعض الشعراء الإنجليز مثل إسحق واتس وجين تيلور وروبرت صذي وغيرهم، وقد تعددت تفسيراتها ما بين أهجية سياسية ساخرة، واستكشاف للموت والجنس والعقاقير والعدمية، وتعليق على حياة الفتيات الصغيرات في العصر الفيكتوري (أي بريطانيا تحت حكم الملكة فيكتوريا في القرن التاسع عشر). وذهب الناقد الإنجليزي ويليام أمبسون في كتابه «بعض صور من الأدب الرعوي» (1935) متأثرًا بفرويد - إلى أن رحلة أليس تحت الأرض تعبير لا شعوري عن الرغبة في العودة إلى دفء الرحم وأمانه.
إن أليس فتاة في السابعة تغفو على ضفة نهر أيزيس، ثم تبصر أرنبًا أبيض يرتدي سترة وينظر إلى ساعته بقلق فتقرر أن تتجه إلى الحفرة التي ينزل منها إلى باطن الأرض، وأثناء تتبعها له تلتقي مخلوقات غريبة ومواقف محيرة. إنها ترى زجاجة كتب عليها «اشربني» فتشربها. وتقضم فطرًا يجعل حجمها يتضاءل تارة إلى حجم الفأرة ويتضخم تارة أخرى إلى حجم بيت، وينبت لها عنق طويل كعنق الثعبان. وتلتقي بفأر يتواثب في «بركة من الدموع» ويرقانة (دودة فراشة) تدخن نارجيلة، ودوقة ترضع خنزيرًا وقطة ذات ابتسامة كاشرة عن الأنياب، وصانع قبعات مجنون (نحن جميعًا مجانين هناك) وأرنب بري، وبنت الكوبة في أوراق اللعب تلعب الكروكيه، وسلحفاة تعلمها رقصة سرطان البحر. وتحاول أليس في براءتها الساذجة - أن تواجه هذا الجنون بالمنطق.
يسعى دوجلاس - فيرهيرست في كتابه الذي نعرضه هنا إلى أن يدرس رواية «أليس» بجزأيها: كيف كتبها كارول؟ لماذا اتخذت شكلها الحالي؟ كيف غيرت المنظر الطبيعي الأدبي؟ وفى قلب الصدارة يضع أليس ليدل ملهمة كارول الصغيرة. وأليس ليدل - التي اخترع كارول روايته من أجلها - كانت الابنة الثانية (توفيت في عام 1934) لهنري جورج ليدل عميد كلية كرايست تشيرش التي كان كارول محاضرًا بها ومع الزمن شبت عن الطوق وتزوجت وأنجبت. كما يحلل دوجلاس - فيرهيرست شخصية أليس القصصية التي ظلت طفلة - على مدار الرواية - وغيرت من طريقة نظرتنا إلى الطفولة.
ولدت قصة أليس في 4 يوليو (تموز) 1862 عندما قام لويس كارول بنزهة في قارب مع بنات ليدل: لورينا وأليس وإديث. ولكي يسليهن أثناء الرحلة اخترع القصة ثم وسعها فيما بعد وأهداها إلى أليس. وهي تقدم للصغار متعة خالصة دون وعظ صريح أو نزعة تعليمية، مما يفسر حبهم لها.
كانت القصة في صيغتها الأولى تحمل عنوان «مغامرات أليس تحت الأرض». وكان أهل العصر الفيكتوري الذي يعيش فيه كارول مولعين بالذهاب إلى ما تحت الأرض (قارن أيضا في نفس الفترة الزمنية، في فرنسا، رواية جول فيرن (رحلة إلى مركز الأرض) 1864) فمع الثورة الصناعية امتدت أنابيب الغاز ومترو الأنفاق تحت الأرض. لقد كان هذا العالم السفلي مكانا مزدحمًا يمتلئ بالناس والمركبات وظهرت قصص كثيرة تدور أحداثها في هذا العالم السفلي، ربما بوحي من «أوديسية» هوميروس و«إلياذة» فرجيل و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، وكلها تتضمن رحلات إلى الآخرة وإلى هاديز أرض الموتى وإلى باطن الأرض. وشخصية صانع القبعات المجنون في الرواية نسخة كوميدية من تلك الأرواح التي أبت أن تتعلم من أخطائها، ومن ثم أودعها دانتي دوائر الجحيم عقابًا لها.
وتقول فرانسيس ويلسون في مقالة لها عن الكتاب بصحيفة «التلغراف» (4 أبريل - نيسان 2015) إن الحياة الفكرية في بريطانيا في ستينات القرن التاسع عشر كانت مشغولة بصدور كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع» (1859) الذي يتناول ضمن ما يتناول - ديدان الأرض ويصور الحياة الحيوانية والنباتية على أنها صراع على البقاء وعلى الغذاء، وحيث أغاني الطيور أو ريشها الزاهي دعوات جنسية إلى التكاثر - وقد أثر هذا الكتاب في رواية «أليس» حيث نجد الأزهار في أرض العجائب تتكلم، وكل موجود يخشى أن يلتهمه غيره من المخلوقات ويجعله غذاء له. إن عالم الرواية (التي تبدو بريئة في ظاهرها) عالم عدوان دارويني وانتخاب طبيعي يفوز فيه الأصلح. أو هي كما قال الناقد الإنجليزي المعاصر جون بيلي «محاولة من أجل البقاء».
وينفي دوجلاس - فيرهيرست ما يراه بعض النقاد وعلماء النفس من أن انجذاب كارول إلى الفتيات الصغيرات كان انجذابًا جنسيًا. لقد كن - على العكس من ذلك - يمثلن عنده حالة البراءة في الفردوس قبل السقوط، ويمثلن تراجعًا عن الرغبة الجنسية. فهن عنده رمز للنقاء، وأقرب إلى الله. ويرى دوجلاس - فيرهيرست أن كارول ذاته كان عاطفيًا وليس جنسيًا، وأقصى تعبير جنسي صدر عنه هو قوله ذات مرة إنه يتمنى لو مر بيده على شعر رأس الممثلة إلين تيري.
ويبرز الكتاب ولع كارول باللغة والجناس والألاعيب اللفظية (على نحو ما نجده لدى الروائي الآيرلندي جيمس جويس في روايته الأخيرة «يقظة فنيجان في ليلة مأتمه» 1939).
وكما أن أليس ينمو لها، على نحو لا يصدق، عنق طويل أو تنكمش إلى حجم فأرة، فإن اللغة بين يدي كارول تنكمش وتتمدد. ويتضمن قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية قرابة مائتي كلمة نحتها كارول أو ركبها تركيبًا مزجيًا أو أضفى عليها معاني جديدة.
ويتزامن صدور هذا الكتاب مع عرض مسرحي (يقدم أيضا بمناسبة مرور مائة وخمسين عامًا على رواية «أليس») على مسرح «ذا فولتس» (الأقبية) The Vaults بلندن حيث تقدم فرقة «الأطفال الأشقياء» Les Enfants Terribles إعدادًا مسرحيًا للرواية، يستمر حتى 30 أغسطس (آب) من العام الحالي، قام به أوليفر لانسلي وأنطوني سبارجو، تحت عنوان «مغامرات أليس تحت الأرض» Alice’s Adventures Underground.
إن كتاب دوجلاس - فيرهيرست دليل جديد - إن أعوزنا الدليل - على أن الآثار الأدبية الخالدة لا تبلى ولا تزول جدتها، وإنما هي - على العكس - مصدر متجدد للمتعة والتأمل، وبوسع كل عصر أن يجد فيها شيئًا جديدًا في ضوء المعطيات الجديدة للعصر.



الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم


شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
TT

شجرة ديوان قصر هشام

شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا
شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجداً مع فناء، وحماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يحوي هذا المجمّع الضخم أرضية فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق التجريدي، إذ تحمل تأليفاً تصويرياً صرفاً يتميّز بطابعه الواقعي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات.

تشكّل هذه اللوحة جزءاً من فسيفساء أرضيّة تزيّن مقصورة في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا القصر، وتُعرف بديوان الخليفة. تتوزّع هذه الفسيفساء على قاعة مستطيلة تبدو أشبه بحوض، تحدّها منصة نصف دائرية في الطرف الشمالي. تزيّن هذا الحوض سجادة فسيفسائية تتبنّى النسق التجريدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة النصف دائرية فسيفساء تصويرية قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمزاً من أشهر رموز قصر هشام في نواحي أريحا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطار ناتئ يزيّنه شريط فسيفسائي، والشجرة وسط المنصة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الشمال. ونقع على لوحين مستطيلين يزيّنان مدخلاً لهذه القاعة من جهة الجنوب.

تعتمد تقاسيم شبكة الحوض بشكل أساسي على شكل يُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «المُعيَّن»، وهو رباعي بسيط، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تزيّن اللوح الذي يستقرّ عند مدخل الحوض شبكة تعتمد المُعيَّن المربّع ذا الأضلاع المتعرّجة، وفيها يحضر هذا الشكل ويتكرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يشكّل برعم هذا التأليف. يقابل هذا اللوح لوح مستطيل ثانٍ يحتلّ وسطه مُعيَّن كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مساحة هذا المُعيَّن تقاسيم مجدولة بيضاوية. في المقابل، تزيّن وسط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن في سلسلة متراصة تجمع كذلك بين الأحمر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شريط زخرفي عريض يعتمد شبكة من الدوائر المجدولة صيغت في حلة لونية مشابهة، ويحيط بهذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار ناتئ يعلوه من جهتي الشرق والغرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعيَّن المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط اللوحان المستطيلان اللذان يزيّنان المدخل.

تحدّ هذا الحوض في الطرف الشمالي منصة نصف دائرية كما أشرنا، وتستقرّ وسط مساحة زخرفية تعتمد تقنية الجصّ المنقوش، وهي التقنية التي سادت بشكل أساسي في زينة هذا القصر، كما في عدد كبير من المواقع الأموية المشابهة. فقدت هذه المساحة الزخرفية الجزء الأكبر من مكوّناتها، وبقي منها الجزء الأسفل، وفيه شريط عريض من الأغصان النباتية اللولبية، يحدّه شريط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقة نبتة الأقنثا في صياغة محوّرة هندسياً. يستقر لوح الفسيفساء المقوّس وسط هذا الحلّة من الجصّ المنقوش، وتحدّه سلسلة رفيعة تعتمد كذلك وحدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المجرّدة. يحيط هذا الشريط النحيل شريط زخرفي عريض مجدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مجرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري.

يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خروجاً استثنائياً عن القاعدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضحّ عند تأمل مكوّناتها أنها شجرة برتقال ضخمة، صُوّرت أغصانها المورقة بأسلوب كلاسيكي شديد الإتقان، يتجلّى في تصوير الأوراق الخضراء بظلالها المتعدّدة. من هذه الأغصان المورقة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة برتقالة تلمع وتتلألأ وسط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يرتعان بسلام. يظهر كل من هذين الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت باللون الأخضر. يحضر في المقدّمة غزال يتقدّم من جذع الشجرة ليقتات من غصن صغير يخرج من طرفها، ويحضر من خلفه غزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال ثالث يتهاوى أمام أسد ينقض عليه من الخلف. تحلّ هذه الصورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءاً من مشهد جامع يحتلّ القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء.

يتميّز هذا المشهد بطابعه الحيوي، حيث ينقضّ السبع بمخالبه على فريسته التي لا تزال تعدو كأنها تحاول الهروب مذعورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصف بديوان الخليفة، ورأى البعض أنها ترمز إلى السلطة الأموية. قيل إن الشجرة الضخمة تمثل دولة بني أمية وحكم الخليفة، وقيل إن مشهد الأسد المنقض على فريسته يمثّل حال من يخالف قوانين الدولة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين.

في الواقع، يستعيد هذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجمع أهل الاختصاص على القول. تكرّرت هذه الصورة في عديد من الأرضيات الرومانية، كما تكرّرت في عدد من المواقع الأموية، وتحتاج إلى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع.


رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية
TT

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية

قد تبدو رواية «المسيح قادم إلى بروكسل» للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست للوهلة الأولى مجرد حكاية تخييلية عن زيارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة في العقل الجمعي الغربي إلى العاصمة البلجيكية، لكنها في جوهرها رواية سياسية واجتماعية لاذعة تستخدم السخرية السوداء لرصد التحولات السريعة التي يمكن أن تصيب الناس حين يعتقدون أن معجزة ما على وشك الوقوع.

صدرت الرواية عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عثمان خليفة، وهى نص قصير أقرب إلى «النوفيلا» يقوم على فرضية محددة: ماذا لو اعتقد الناس فجأة أن زمن المعجزات عاد وأنهم باتوا على موعد مع حدث خارج نطاق العقل يوم 21 يوليو (تموز)، بالتزامن مع العيد الوطني لبلجيكا؟ رغم أنه لا يعرف أحد مصدر الخبر على وجه الدقة، فإن غموضه لا يمنع الناس من التعامل معه بوصفه حقيقة وشيكة.

منذ اللحظة الأولى، تتحول بروكسل مدينةً أخرى، فتبدأ الواجهات في الترميم، وتوضع الزهور في الشوارع، وتتراجع الجريمة بصورة مفاجئة، ويتبدل سلوك المواطنين الذين اعتادوا البرود والعدائية واللامبالاة، حسب النص.

لا يحدث ذلك لأنهم أصبحوا أفضل بالضرورة، بل لأنهم يريدون الظهور في صورة لائقة أمام الزائر المنتظر، وهنا يلتقط فيرهولست المفارقة الأساسية في الرواية: هل يكفي انتظار شخصية مقدسة كي يتصرف البشر بإنسانية، أم أن هذا التحسن المؤقت ليس سوى قناع اجتماعي جديد؟

يجعل النص من سكان العاصمة بروكسل أبطالاً جماعيين، فالمواطنون والإعلاميون وأصحاب المصالح جميعهم يدخلون في حالة من الترقب والارتباك. أما السياسيون، فينشغلون بالسؤال عن الشخصيات التي تستحق حضور اللقاء، وما هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الزائر المزعوم داخل المدينة، بينما يتعامل آخرون مع الزيارة المحتملة بوصفها فرصة دعائية أو مناسبة لتعزيز نفوذهم ومصالحهم.

يمكن القول إن الرواية تنتمي إلى نمط «ماذا لو؟» أو «الرواية الافتراضية»؛ إذ لا تعتمد على كثافة الأحداث بقدر انشغالها بمتابعة ردود الفعل الجماعية تجاه حدث مزلزل، فالسؤال الأساسي ليس هل تحدث المعجزة، وإنما ماذا يكشف انتظار قدومها عن الناس والطبيعة الإنسانية؟

يمزج أسلوب فيرهولست بين اللغة الساخرة والتفاصيل اليومية الدقيقة والملاحظات الذكية التي لا تخلو من الطرافة، حيث برزت قدرته على تحويل مشهد جماعي عابر إلى بانوراما واسعة عن البشر حين يواجهون فكرة الخلاص، أو حتى مجرد الوعد به.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«يزعم الناس أن من يستهل الحكي بالحديث عن الطقس هو حكاء حديث عهد بالصنعة، وإني لأجد في زعمه هذا وجهة نظر، وصدّقني عندما أقول لك إنني فكرت في البدائل كافة، ومع ذلك فأنا لا أملك بديلاً أفضل من أن أبدأ هذه الحكاية بالقول إن السماء لم تكن تمطر في ذاك الصباح.

عمّ الطقس الباهت الرتيب نفسه الذي لطالما ميز بروكسل والذي ساعد المدينة في أن تحوز الريادة في استهلاك مضادات الاكتئاب، وهو في حد ذاته ظاهرة ألفها كل من حطّ الرحال في عاصمتنا.

ترى بعين المسافر من نافذة الطائرة سحاباً تبدو كحلوى غزل البنات، ولكن ما إن تجد الطائرة مكاناً لها على سطح أرضنا يتحول ذلك السحاب غماماً داكناً مثقلاً بالأمطار في مشهد كئيب كفيل بتبديد كل نشاط وحماس في روح الركاب العائدين إلى وطنهم بعد أن أمضوا العطلة بطولها في شحن بطاريات الحياة.

تتهادى الطائرة في مسارها وسط ضباب كثيف بينما يصدح صوت مألوف النبرة بالفرنسية منبهاً إلى لحظة فك الأحزمة، ثم يكرر صوت مختلف التنبيه ذاته بهولندية لا معنى لها بينما يبذل جهده حتى لا ينتبه أحد إلى لكنته التي تفضح انتماءه إلى (لفان) مدينة الجعة.

وبالتالي، فإن أسابيع من المطر المستمر هي التوقع الواقعي الوحيد ولا يتوقف المرء عن الاندهاش وهو يرى الأرض مع اقتراب الطائرة من المطار، فتظهر التفاصيل التي يتأملها بين المروج الخضراء، حيث تجد (الترمبولين) وحمامات السباحة التي تبدو أقرب إلى أطباق حساء زرقاء لم يمسها أحد وفيلا أهل الطبقة المتوسطة المربعة المتطابقة التي تصطف في انتظام بارع على جانبي الطريق والأسيجة الشجرية المشذبة بعناية حول المنازل والأحياء التي تحمي فيها أنظمة الإنذار الأطفال والمتاع على حد سواء».