أريانا هافينغتون.. غزو «إغريقي» جديد

ستطبع نسخة عربية

أريانا هافينغتون مع مدير تحرير المطبوعة داني شيا (نيويورك تايمز)
أريانا هافينغتون مع مدير تحرير المطبوعة داني شيا (نيويورك تايمز)
TT

أريانا هافينغتون.. غزو «إغريقي» جديد

أريانا هافينغتون مع مدير تحرير المطبوعة داني شيا (نيويورك تايمز)
أريانا هافينغتون مع مدير تحرير المطبوعة داني شيا (نيويورك تايمز)

دخلت صحيفة «هافينغتون بوست» في شراكة مع المدير العام السابق لقناة «الجزيرة» الفضائيّة القطرية، وضاح خنفر، لإطلاق طبعة عربية. تستهدف الجمهور المتزايد لتليفونات الموبايل، خاصة الشباب في منطقة الشرق الأوسط، حسب ما قالت صحيفتا «فاينانشيال تايمز» و«غارديان» البريطانيتان.
تتكون الشراكة من الشركة المالكة لصحيفة «هافينغتون بوست» (آي أو إل)، وشركة «إنتيغرال ميديا استراتيجي» (يملكها خنفر)، لإصدار ما ستسمى «هافينغتون عربي». يتوقع أن يكون الإصدار في مطلع العام المقبل. وأن يكون المقر في لندن، لأن ذلك، كما قال خنفر، «يتيح مسافةً كافية لإنجاز عمل متوازن، وغير منحاز آيديولوجيًا، أو ملتزم سياسيًا».
صار واضحا أن هذه خطوة أخرى على طريق تحويل «هافينغتون بوست» إلى منصة إخبارية دولية.
خلال السنوات القليلة الماضية، أصدرت الصحيفة طبعات في البرازيل، وكوريا الجنوبية، وألمانيا. وكان متوقعا إصدار نسخة باللغة الهندية في مايو (أيار) الماضي، لكن، تأخر ذلك. وتظل النسختان الإنجليزية والفرنسية هما الأشهر.
قالت أريانا هافينغتون، رئيسة مجموعة «هافينغتون» للإعلام، ومؤسسة الصحيفة، لصحيفة «فاينانشيال تايمز» عن الطبعتين الإنجليزية والفرنسية: «تحررتا من قيود الإعلام التقليدي، وصارتا تقدمان صحافة مختلفة عن تلك التي في كل من الولايات المتحدة وفرنسا».
وقالت لصحيفة «غارديان» عن النسخة العربية المتوقعة: «كان حلما لنا منذ ما يزيد على ثلاث سنوات. وذلك لأنه توجد حاجة كبيرة لمنصة عربية، تساعد على فهم أعمق للحياة في العالم العربي. من مشكلاته، إلى إنجازاته وحتى الإمكانات غير المستغلة». وأضافت أن «الموقع سيتحدث عن كل المواضيع الحساسة (دون خطوط حمراء) مثل: حقوق المرأة، وحريّة التعبير».
من أريانا هافنغتون، وما أهمية «هافينغتون بوست»؟
يصفها بعض الإعلاميين والسياسيين في الولايات المتحدة بأنها «الإغريقية المناكفة». وذلك لأنها ولدت في اليونان. ولأنها، بعد أن هاجرت إلى الولايات المتحدة ودخلت المجال السياسي (قبل الصحافي)، اشتهرت بالمناكفات السياسية.
عمرها 60 عاما، وولدت في أثينا، واسمها الأصلي هو: «أرياديني أنا ستاسينوبولس».
ولدت في عائلة صحافية: كان والدها صحافيا. وتظل أختها صحافية وكاتبة وممثلة.
عندما صار عمرها 16 عاما، انتقلت إلى بريطانيا، حيث التحقت بكلية غيرتون في كمبردج لدراسة الاقتصاد. وهناك، وفي سن صغيرة، دخلت مجال العمل، والنشاطات الطلابية والسياسية. وصارت أول رئيسة غير بريطانية لاتحاد كمبردج.
ومثلما دخلت الجامعة في سن مبكرة، ودخلت السياسة في سن مبكرة، دخلت عالم الحب في سن مبكرة، في أول عام لها في كمبردج.
في وقت لاحق كتبت عن أستاذها وصديقها الصحافي بيرنارد ليفين، الذي عمل في «بي بي سي» (الإذاعة البريطانية)، وصحف بريطانية (توفي قبل عشرة أعوام): «لم يكن فقط أكبر حب في حياتي، بل كان، أيضا، مرشدي، وأستاذي في الكتابة، والتفكير». وكتبت أنه أدخلها «عالم التعليم الليبرالي، وعالم العمل الصحافي لخمسة أعوام، اشتركت معه في عمله مراسلا ثقافيا لإذاعة (بي بي سي)».
وأيضا، بدأت كتابة الكتب في سن مبكرة. عندما بلغ عمرها عشرين عاما، كتبت «بمساعدة ليفين» كتاب: «فيميل وومان» (الأنثى المرأة).
افتخرت فيه بأنها «محافظة، ومتدينة». وأشارت إلى دينها المسيحي الأرثوذكسي. وانتقدت كتاب «فيميل أيوناش» (الأنثى المخصية) الذي كانت كتبته جيرمين غرير، من زعيمات حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة. ومن مؤسسات منظمة «فيمينيزم اليانس» (التحالف الأنثوي).
وكتبت هافينغتون: «تقول قائدات حركة تحرير المرأة إن تحقيق التحرر الكامل للنساء سيحول حياة جميع النساء إلى ما هو أفضل. لكن، الحقيقة هي أنه سيحول فقط حياة النساء المثيات».

إلى أميركا

لكنها اختلفت مع أستاذها وصديقها ليفين. وكتبت، في وقت لاحق: «كان لا بد أن أفضله على الأطفال»، وقصدت أن عمرها بلغ ثلاثين عاما، وظل هو يرفض إنجاب أطفال. في عام 1980، تركته، وجاءت إلى الولايات المتحدة.
وجاءت معها مناكفاتها. ولم تمض فترة طويلة حتى اشتهرت في الأوساط الصحافية في نيويورك، وذلك لأنها بدأت كتابات مثيرة للجدل. خاصة في مجلة «ناشيونال ريفيو» (المحافظة). ومنذ ذلك الوقت، سميت «الإغريقية المناكفة».
كتبت أول كتبها (في بريطانيا) وعمرها عشرون عاما. وكتبت ثاني كتاب (في أميركا)، وعمرها ستة وعشرون عاما: «سيرة حياة ماريا كلاس» (مغنية أوبرا أميركية إغريقية). وعمرها أربعة وثلاثون عاما، كتبت الكتاب الثالث: سيرة حياة بابلو بيكاسو (الرسام الإسباني).
بين الكتابين الثاني والثالث، وجدت زوجا: مايكل هافينغتون. أميركي، ورجل أعمال، وسياسي. والدته مهاجرة إغريقية، مثلها. وديانته الأرثوذكسية الإغريقية، مثلها. وجمهوري محافظ، مثلها. ولا بأس، كان والده من أغنى رجال ولاية كاليفورنيا. غير أنهما تطلقا بعد عشرة أعوام، بعد أن أنجبا بنتين، وبعد أن صارت أريانا من المليونيرات (لكنها كانت تنتمي لعائلة غنية في اليونان).
مثلما كتبت عن الرجل الأول في حياتها، ليفين، أسرارا، انتقدت بسببها، بأنها ما كان يجب أن تكتبها، كتبت عن زوجها هافينغتون (بعد الطلاق) أسرارا عن ميوله الجنسية. ومرة أخرى، انتقدت بأنها ما كان يجب أن تكتبها.
لكن، خلال سنوات الزواج العشر، ساعدها الرجل في حبها للشهرة. خاصة عندما ترشح، وفاز، بعضوية الكونغرس من ولاية كاليفورنيا (لدورة واحدة، سقط في المرة الثانية، قبل الطلاق بعامين).

الجنسية الأميركية

ساعدها زوجها في شيء آخر: الحصول على الجنسية الأميركية (عام 1990، بعد أربعة أعوام من الزواج). وبعد الطلاق، بدأت تغير انتماءها السياسي من الحزب الجمهوري، تدريجيا. قدمت برنامجا إذاعيا هو «اليمين، الوسط، اليسار». وبدأت تنتقد نظام الحزبين في الولايات المتحدة، والانتماءات الحزبية بصورة عامة.
في عام 2003، ترشحت مستقلة لتكون حاكمة لولاية كاليفورنيا. نافست أرنولد شوارزينغار (الممثل العملاق، المهاجر من النمسا). في ذلك الوقت تندرا على بعضهما البعض:
هي قالت: «مثل منافسة سيارة (هامر) لسيارة (فولكس فاغن)».
هو قال: «كم مائة عام احتلت الإمبراطورية النمساوية اليونان؟».
لكن، واجه الاثنان انتقادات كثيرة لأن المنافسة بينهما كانت شخصية جدا، وكانت بذيئة في بعض الأحيان. وسمتهما صحف محلية: «المهاجرين الأجنبيين».

الصحافة

خلال عشرين عاما في كاليفورنيا، لم تكتف هافينغتون بالنشاطات السياسية. قدمت برامج إذاعية وتلفزيونية، وواصلت كتاباتها المناكفة في الصحف، بل مثلت في مسلسلات تلفزيونية، وأخرجت أفلاما وثائقية قصيرة.
ثم ركزت على العمل الصحافي عندما أسست صحيفة «هافينغتون بوست»، نسخة إلكترونية منافسة لصحيفة «واشنطن بوست». كانت هافينغتون انتقدتها كثيرا، واتهمها بأنها «ليبرالية متطرفة». وكانت «واشنطن بوست» كتبت كثيرا عن مناكفاتها، وتجاوزاتها. مما كتبت، قصص عن سنواتها في بريطانيا، ومغامراتها، وغرامياتها بعضها اعتمادا على صحيفة «إندبندنت» البريطانية، عن خدع، وتزويرات، وأكاذيب، وقضايا في محاكم بريطانية). لكن، حتى في الولايات المتحدة، طاردت التزوير والأكاذيب هافينغتون. مثلا: قاضاها أستاذ في جامعة فيرجينيا بأنها نقلت أجزاء من كتابه عندما كتبت كتابها عن بيكاسو.
لكن، لم تقف اتهامات، أو إساءات، أو قضايا، أمام طموحها الجارف:
بدأت «هافينغتون بوست» بموقع «أدريانا أون لاين«، ثم موقع «هافينغتون أون لاين». كان ذلك في آخر سنوات الرئيس بيل كلينتون في البيت الأبيض، مع فضيحة علاقته الجنسية مع سكرتيرة البيت الأبيض مونيكا لونسكي. وشنت هافينغتون حملة عنيفة عليه. وكتبت:
«رجل غارق في نرجسية مذهلة، وفي انغماس ذاتي. لكن، لا يجرؤ أحد من جيوش الوزراء والمستشارين على أن يتحداه. وها هو يستعمل الأجهزة الحكومية لإنكار الحقيقة».
وهكذا، اشتهرت صحيفة «هافينغتون بوست» بالمناكفة (في الحقيقة، النقد اللاذع)، حتى منذ قبل ولادتها.
وهكذا، نجحت نجاحا نادرا. وصارت أنجح صحيفة إلكترونية سياسية جادة (دون طبعة ورقية) في الولايات المتحدة. ثم بدأت تغزو العالم: بريطانيا، وفرنسا، والبرازيل، وألمانيا، إلخ.. والآن، العالم العربي، وكأنها تريد غزوا إغريقيا من نوع جديد.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.