الرئيس الفرنسي يدعو لإقامة حكومة لمنطقة اليورو

محللون: أزمة اليونان تكشف عن عائلة أوروبية واحدة كبيرة.. لكن تعيسة

فرنسوا هولاند برفقة رئيس الوزراء اليوناني (إ.ب.أ)
فرنسوا هولاند برفقة رئيس الوزراء اليوناني (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يدعو لإقامة حكومة لمنطقة اليورو

فرنسوا هولاند برفقة رئيس الوزراء اليوناني (إ.ب.أ)
فرنسوا هولاند برفقة رئيس الوزراء اليوناني (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أمس إلى تشكيل حكومة لمنطقة اليورو وناشد المواطنين تجديد ثقتهم في المشروع الأوروبي الذي فتت الأزمة اليونانية في عضده.
وبحسب رويترز ففي إحياء لفكرة طرحها أصلا رئيس المفوضية الأوروبية السابق جاك ديلور اقترح هولاند تشكيل «حكومة لمنطقة اليورو بميزانية محددة وبرلمان لضمان سطوتها الديمقراطية».
وقال هولاند بأن دول منطقة اليورو وعددها 19 دولة اختارت الانضمام للوحدة النقدية لأنها في مصلحتها مشيرا إلى أن أحدا لم «ينبرِ لأخذ مسؤولية الخروج» من منطقة اليورو.
وفي الوقت الحالي يضم كيان غير رسمي هو «مجموعة اليورو» الدول الأعضاء في العملة الموحدة ويمثلها فيه وزراء المالية برئاسة وزير المالية الهولندي يروين ديسلبلوم.
وكتب هولاند في مقال افتتاحي في الصحيفة الأسبوعية «جورنال دو ديمانش»: «ما يهددنا ليس الإفراط في أوروبا وإنما عدم كفايتها».
وأضاف أن أوروبا سمحت لمؤسساتها بأن يصيبها الوهن وسلم بأن أعضاء الاتحاد الأوروبي «يكافحون لإيجاد أرضية مشتركة من أجل المضي قدما. والبرلمانات أبعد ما تكون عن اتخاذ قرارات».
وقال هولاند بأن الحركات الشعبوية استغلت فرصة زوال أوهام الأوروبيين في المؤسسات الأوروبية وبدأت تثير مشاكل لأوروبا لأن هذه الحركات «تخشى العالم وتريد عودة الانقسامات والأسوار والجدران».
على صعيد متصل قالت «رويترز» في تحليل لها بأن الفوران الأخير لأزمة ديون اليونان كشف عن شقاقات متفاقمة في منطقة اليورو قد تؤدي ما لم يتم حلها سريعا إلى تفكك الوحدة النقدية الأوروبية التي تمثل ذروة المشروعات الطموحة للاتحاد الأوروبي.
وأشد ما يثير قلق الزعماء الأوروبيين هو أن الرأي العام والسياسات المحلية تتجاذبهم على نحو متزايد في اتجاهات متعارضة.. ليس فقط بين اليونان وألمانيا - أكبر مدين وأكبر دائن - وإنما تقريبا بين جميع أعضاء الاتحاد.
فالألمان والفنلنديون والهولنديون والسلوفاك ومواطنو دول البلطيق لم يعودوا يقبلون فكرة توجيه أموال دافعي الضرائب لإنقاذ اليونانيين. وفي المقابل يشعر الفرنسيون والإيطاليون واليونانيون بأن منطقة اليورو لا تعني الآن سوى التقشف والعقاب وأنها تفتقر للتضامن والتحفيز الاقتصادي.
ومع تشبث دول وسط وشرق أوروبا بمواقفها وتنامي الضغوط الداخلية في هولندا وفنلندا لم يعد أي حل وسط بين ألمانيا وفرنسا زعيمتي منطقة اليورو كافيا لتسوية المشاكل ناهيك عن صعوبة التوصل إليه أصلا.
وهناك أطراف كثيرة جدا من أصحاب المصلحة والآراء المتباينة بشكل تزداد معه صعوبة إدارة الأزمة. ويبدو الآن أي إصلاح واسع النطاق للهيكل المتصدع لمنطقة العملة الموحدة الذي يضم 19 دولة حلما بعيد المنال.
وبعد أسابيع من الاجتماعات الطارئة التي كانت تمتد حتى الساعات الأولى من الصباح لزعماء ووزراء مالية منطقة اليورو والتي توجت بمؤتمر قمة استمر حتى صباح اليوم التالي توصلت منطقة اليورو إلى اتفاق هش يحول دون غرق اليونان ويجعلها محمية افتراضية تخضع لإشراف ينتهك خصوصياتها كدولة مستقلة.
ولا يعتقد سوى قلة على أحسن تقدير من مؤيدي الاتفاق أنه سينجح فعليا.
وقال رئيس وزراء اليونان أليسكيس تسيبراس بأنه اتفاق سيئ سيجعل الحياة أسوأ لليونان ولكنه اضطر لتجرع الدواء المر لأن البديل كان أسوأ.
وقال وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله إنه كان من الأفضل لأثينا أن تخرج من منطقة اليورو «مؤقتا» للحصول على إعفاء من الديون.
أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فأوضحت أن الميزة الرئيسية للاتفاق هي تفادي ما هو أسوأ.
وقالت: «البديل لهذا الاتفاق لن يكون وقتا مستقطعا تخرج فيه اليونان من اليورو مؤقتا... وإنما فوضى يمكن التنبؤ بها».
وقال مسؤول رفيع بالاتحاد الأوروبي شارك في مفاوضات التوصل للحل الوسط وتحدث لـ«رويترز» بشرط عدم الكشف عن اسمه أن فرصة نجاح الاتفاق الآن «تبلغ 20 وربما 30 في المائة».
وأضاف قائلا: «عندما أتطلع للعامين أو الثلاثة أعوام المقبلة أو حتى الثلاثة شهور المقبلة لا أرى سوى سحب قاتمة. كل ما تمكنا من عمله هو تفادي خروج فوضوي لليونان من منطقة اليورو».
وستعاود المشاكل الظهور على الأرجح في أواخر أغسطس (آب) أو سبتمبر (أيلول) عندما يتعين الانتهاء من المفاوضات التفصيلية بشأن برنامج إنقاذ يستمر ثلاث سنوات. وبحلول ذلك الحين ربما يكون اقتصاد اليونان قد انحرف عن مساره بشكل أكبر وربما يكون اليونانيون في طريقهم لانتخابات مبكرة.
وحتى إذا لم تتعثر ثالث صفقة إنقاذ لليونان في ثلاث سنوات في هذه المرحلة فإن فرص تطبيقها بالكامل وتحقيق انتعاش اقتصادي تبدو ضئيلة.
كما ساهمت أزمة اليونان في اتساع هوة الانقسامات بين دول الوحدة النقدية وباقي دول أوروبا إذ تصر بريطانيا وجمهورية التشيك على توفير ضمانات لأموال دافعي الضرائب في مقابل استخدام صندوق إنقاذ أوروبي لتوفير تمويل طارئ لليونان.
ولو أن الأزمة اليونانية كانت الهم الوحيد لمنطقة اليورو لربما كان من السهل احتواؤها وحلها نظرا لأنه لم تظهر على الأسواق المالية بوادر تذكر على انتقال العدوى إلى سندات سيادية ضعيفة أخرى مثلما حدث في عام 2012 وهدد بتمزيق أوصال منطقة اليورو.
واقترح الرئيس فرنسوا هولاند هذا الشهر إقامة برلمان لمنطقة اليورو لإضفاء قدر أكبر من الشرعية الديمقراطية على القرارات.
لكن مثل هذه الأفكار الطموحة تتعارض مع الاجتماعات الليلية المحمومة لإدارة الأزمة ومع النبرة القومية المثيرة للانقسام والمتصاعدة في كثير من مداولات منطقة اليورو.
وفي برلين دعا وزير الاقتصاد الألماني زيجمار جابريل إلى وضع حد للنقاش حول مسألة خروج اليونان من منطقة اليورو.
وفي مقابلة مع القناة الثانية بالتلفزيون الألماني (زد دي إف)، اعتبر نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن من الخطأ استئناف النقاش حول خروج محتمل لليونان من اليورو، محذرا من أنه إذا استمروا في التصرف على هذا النحو «فلن نحرز نجاحا».
وبحسب تقرير وكالة الأنباء الألمانية أوضح زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك في الائتلاف الحاكم أن خروج اليونان من اليورو سيكلف ألمانيا أموالا أكثر: «لكن ما هو أسوأ أنكم ستشهدون في اليونان سيناريوهات أعتقد أننا جميعا كأوروبيين لا نريدها».
كان وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله المنتمي إلى تحالف المستشارة ميركل المسيحي الديمقراطي أشار مرارا خلال الأيام الماضية إلى مقترح بخروج مؤقت لليونان من منطقة اليورو كحل محتمل للأزمة الراهنة وحتى بعد تفاهم أطراف الأزمة على إجراء مفاوضات جديدة حول حزمة مساعدات إضافية لليونان.
وأضاف جابريل: «لم يكن من الحكمة أن يتم تقديم هذا المقترح على أنه مقترح ألماني، وهذا شيء لم أكن لأفعله أنا على أي حال»، لافتا إلى أن شيوبله وضع نفسه بهذا المقترح في مواجهة الحزب الاشتراكي.
واختتم جابريل تصريحاته بالتقليل من خطورة الخلاف الموضوعي في ظل الأزمة الكبيرة التي تمر بها أوروبا وقال: «بطبيعة الحال ثمة مواقف يكون فيها اختلاف في وجهات النظر وربما تعالت فيها الأصوات أيضا وسيكون موضع استغراب أن يمر ذلك كله دون صراع».
في المقابل قال استطلاع للرأي بأن أكثر من نصف الألمان يعتقدون أن الصفقة المزمعة مع اليونان سيئة وأن كثيرين كانوا سيفضلون خروج أثينا من منطقة اليورو على إعطائها فرصة الحصول على مزيد من المساعدات.
ووافق النواب في ألمانيا أكبر مساهم في برامج الإنقاذ المقدمة من منطقة اليورو أول من أمس أن تتفاوض الكتلة النقدية على برنامج إنقاذ ثالث لليونان قد يصل في مجمله إلى 86 مليار يورو (93 مليار دولار) على مدى ثلاث سنوات.
وفي الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة يوجوف واطلعت عليه صحيفة «فيلت إم زونتاج» الألمانية قال 56 ممن شملهم الاستطلاع أنهم يعتقدون أن الخطة المتعلقة بمثل هذا الاتفاق لليونان سيئة مع قول ما يزيد قليلا على الخمس بأنها سيئة جدا.
ورأى اثنان في المائة فقط الاتفاق على أنه إيجابي في حين قال 27 في المائة بأنهم يعتقدون أنه إيجابي إلى حد ما.
وقالت صحيفة «فيلت إم زونتاج» بأن الاستطلاع الذي شمل 1380 ألمانيا أظهر عدم وجود حماس في أكبر اقتصاد بأوروبا لنتيجة التصويت. وأضافت أن الاستطلاع أظهر أن 48 في المائة من الألمان يحبذون انسحاب اليونان من منطقة اليورو.
وقالت الصحيفة بأن الثلث فقط قالوا بوضوح بأنهم يريدون بقاء اليونان في منطقة اليورو.



الاتحاد الأوروبي يحث على خفض أهداف تخزين الغاز

أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يحث على خفض أهداف تخزين الغاز

أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» السبت، أن الاتحاد الأوروبي حث الدول الأعضاء على خفض أهداف تخزين الغاز الطبيعي، والبدء في إعادة ملء المخزونات الاحتياطية تدريجياً للحد من الطلب، بعد أن أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع حاد لأسعار الطاقة.

وأضافت الصحيفة نقلاً عن رسالة، أن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، أصدر تعليمات للدول الأعضاء بخفض هدف تعبئة منشآت تخزين الغاز إلى 80 في المائة من السعة، أي أقل بـ10 نقاط مئوية من الأهداف الرسمية للاتحاد الأوروبي، «في أقرب وقت ممكن من موسم التعبئة لتوفير اليقين والطمأنينة للمشاركين في السوق».

وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 في المائة يوم الخميس، مع استهداف الضربات الإيرانية والإسرائيلية بعضاً من أهم البنى التحتية للغاز في الشرق الأوسط، مما تسبب في أضرار من المرجح أن يستغرق إصلاحها سنوات.

ونقلت «فاينانشال تايمز» عن يورجنسن قوله في الرسالة، إن إمدادات الطاقة في الاتحاد الأوروبي «لا تزال محمية نسبياً»، داعياً إلى «رد جماعي» حيال الصراع، وحذر من أن «التطورات الأخيرة تشير إلى أن عودة إنتاج (غاز البترول المسال) إلى مستويات ما قبل الأزمة قد تستغرق وقتاً أطول».

ويسمح تخزين الغاز لأوروبا بتلبية الطلب على التدفئة والطاقة في فصل الشتاء، مما يعزز أمن الطاقة هناك.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي للصحيفة: «علينا أن نجعل الأهداف أكثر مرونة».

وأصدرت المفوضية الأوروبية تعليمات للحكومات يوم الأربعاء، بأن تتحلى بالمرونة في تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن واردات الغاز، في خطوة تهدف إلى ضمان ألا يؤدي القانون الذي يفرض التخلص التدريجي من الطاقة الروسية إلى تعطيل الشحنات اللازمة لاستقرار الإمدادات خلال الأزمة الإيرانية دون قصد.


«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.