«ثغيب»... مرثاة حزينة عن الوجع العراقي

شوقي كريم يصور عالماً قاتماً يضج بالخراب والألم والفساد

«ثغيب»... مرثاة حزينة عن الوجع العراقي
TT

«ثغيب»... مرثاة حزينة عن الوجع العراقي

«ثغيب»... مرثاة حزينة عن الوجع العراقي

رواية «ثغيب» للروائي شوقي كريم الصادرة عام 2021 تمثل للناقد إشكالية نقدية بامتياز. فهي تثير مجموعة من الأسئلة والاعتراضات، ذلك أنها خرجت عن إطار البنية السردية إلى إطار البنية المسرحية الدرامية. بل يمكن القول إن الرواية اتخذت منذ البداية، طابعاً مسرحياً، من خلال هيمنة الحوار على المتن الروائي، كما أن الروائي قد عمد، بطريقة غير مألوفة في الكتابة السردية، إلى توظيف لغة شعرية حداثية شبيهة بالشعر الحديث، مما يجعل بعض المشاهد جزءاً من المسرح الشعري، كما عمد المؤلف إلى إدراج بيانات شبيهة بما يدرجه الكاتب المسرحي في التعريف بشخصياته الروائية. إذْ يقول المؤلف في استهلال روايته:
«شخوص لعبة التجسيد، كما أوردتها الحقائق التي كشفت عنها السجلات والمدونات الأولية، الموجودة بأرقامها وتواريخها عند المكتبة الخاصة التابعة لمحكمة التدوين العليا». (ص7)
ثم يدرج المؤلف أسماء «شخوص لعبة التجسيد»، كما يقول مبتدئاً باسم (جبر الواضح - جبر بن جاسبية بن خزامة)، ومختتماً باسم «شوقي بن فطيم وحيلي» الذي وصفه المؤلف بأنه «الأهم من كل هؤلاء، المدون المجنون: شوقي بن فطيم وحيلي». (ص 8)
ومن الواضح أن الروائي قد وظف اسمه الشخصي الحقيقي (شوقي)، بوصفه مدون السرد، رغم أننا نفتقد إلى شخصية مجسدة وممسرحة تحمل مثل هذا الاسم في المتن الروائي، إلا عبر لقطات عابرة. ومما له دلالة في هذا المجال أن الروائي قد استعار اسم الأم (فطيم وحيلي) من روايته السابقة «نهر الرمان» (ص 18 - رواية نهر الرمان)، وهو تأكيد آخر على انتماء هذه المدونة السردية لهذا «المدون» المتماهي مع شخصية المؤلف نفسه بوصفه الراوي الحقيقي للأحداث.
إن انسحاب السرد أمام طغيان الحوارات السردية اللاحقة يدفعنا إلى اعتبار هذه الرواية «مسرواية»، أي مسرحية روائية أو رواية ممسرحة، كما استرعى انتباهنا ظهور «الكورس» المتكرر في أحداث الرواية، فضلاً عن وجود إشارات كثيرة ترجح الطابع المسرحي للرواية.
ويثير العنوان «ثغيب» بوصفه عتبة نصية دالة، حسب جيرار جنيت، إشكالية غرائبية أخرى، وهو مصطلح غير شائع يوحي بالصراخ، أو النواح الذي تطلقه المرأة، خاصة عندما يموت زوجها، أو أحد أفراد أسرتها، كما هو الحال عندما كانت شكرية، زوجة جبر الواضح «تثغب» بعد موت زوجها جبر الواضح، كما لاحظنا أن جبر الواضح، كان «يثغب» أحياناً للتعبير عن ألمه ومعاناته ورفضه، وخاصة أثناء جلسات محاكمته التي هيمنت على السرد الروائي.
والرواية بكاملها عبارة عن «دستوبيا روائية» Dystopia ذلك أنها تصور عالماً قاتماً يضج بالخراب والألم والفساد، وتغيب فيه العدالة الاجتماعية. لكن هذه «الدستوبيا» مكتوبة بروح لا تخلو من السخرية المرة، حتى يمكن أن نعدها بمثابة «كوميديا سوداء» Humour Black ساعدت على تلطيف الصورة القاتمة للحياة، لكي يستطيع القارئ تقبلها وهضمها، ولكي يظل هذا القارئ يقظاً وهو يراقب مجرى الأحداث بعيداً عن الانغماس في حالة التماهي الدرامي مع الشخصيات الروائية.
والرواية لا تدور في فراغ تاريخي، فهي رواية سياسية تحاور وتعري الحالة الاجتماعية العراقية تحت ظل ديكتاتورية صدام حسين. ولذا فهي بمعنى آخر عبارة عن «اليغوريا» Allegory رمزية عن المحنة العراقية في ظل أنظمة الاستبداد والعنف والقهر.
إذ نجد الكثير من الوقائع والدلالات التي تعري نظام صدام حسين الديكتاتوري، وتجعل بطل الرواية (جبر الواضح) ضحية من ضحاياه. إذ يشير أحد أعضاء المحكمة الافتراضية إلى مسؤولية النظام الديكتاتوري الصدامي عما حاق بجبر الواضح:
«أراك يا سيدي أهملت تصفح تلك الأيام التي أكل فيها المتهم طحين نواة النخيل، وباع كل أحلامه لقاء ما يسد وجع معدته التي كانت تعوي». (ص 42)
ونجد جبر الواضح يحادث نفسه، في مونولوج داخلي، وهو يسترجع صورة النظام الديكتاتوري الذي اصطنع تلك الحروب:
«أتَراك أدمنت الحروب والانهزامات... كلما خرجت بميتة تريحك، وجدتك تعود لتكرر هذا الموت الذي يملأ أذنيك بصرير الأناشيد وخرافة وطن لا يموت؟» (ص 55)
كما نجد سخرية لاذعة من شعارات الحروب الصدامية التي كانت يشيعها رجال الإعلام والحزب والمخابرات عن شرعية تلك الحروب، وعظمة القائد الضرورة:
«هله بيك هله... وبجيتك هله» (ص 59)
و«إحنا مشينا للحرب... عاشق يدافع عن محبوبته» (ص 59)
كما نجد الكورس يكرر أحد تلك الشعارات «العزيز أنت» (ص 62)
ويتذكر البطل بسخرية يوم زج به بالحرب وقالوا له:
«عليك أيها الرفيق أن تفخر أنك تعيش عهد انتصارات القائد... أنت مواطن يستحق الشهادة... لأنك ستكون الأكرم منا جميعاً». (ص 110)
لكن (جبر الواضح) يرفض ذلك بشجاعة:
«وجبر يقول بعناد بغل: ولم لا يموت القائد من أجلي». (ص 110)
كما نجد ملامح ديستوبية تذكرنا برواية جورج أوريل 1984 من خلال المطالبة بشطب كل كلمة تشير إلى الرفض من كراريس المدارس:
«الطاعة هي الخطوة الأجدر بالوصول إلى الجنان الموعودة». (ص 87)
والرواية تستهل بمشهد مسرحي بامتياز بالإعلان عن موت (جبر الواضح):
«أعلن رسمياً، ومن خلال ثغيب شكرية، التي شقت زيق نفنوفها المليء برائحة الباذنجان وزفرة السمك البائت، مات جبر الواضح... مات الذي ما بخل عليَّ، وما أخفى عني شيئاً». (ص 9)
ونشاهد مشهداً مسرحياً تراجيدياً، يذكرنا بشخصية «أنتيغونا» في مسرحية سوفوكليس الإغريقية وفي مسرحية جان آنوي الحديثة. إذ تعلن (شكرية) أنها لا تعرف كيف تدفن جثة زوجها جبر الواضح لأن ذلك يحتاج إلى رجال وإلى مال، ولذا وقفت أمام جثة زوجها عاجزة وهي تصرخ و«تثغب» بوجع تراجيدي وهي تستنجد بالناس، حيث تذكرنا بمسرحية سوفوكليس «أنتيغونا» عندما تقف أنتيغونا حائرة أمام جثمان أخيها، لأن الملك المستبد (كريون) كان يرفض إقامة مراسم دفنه، لاتهامه بالخيانة، مما جعل إصرار أنتيغونا على دفن أخيها بمثابة مقاومة ضد الاستبداد.
ومن هذا المشهد التراجيدي تتحرك الأحداث الروائية، لكننا نجد أنفسنا في عالم آخر يقف فيه «جبر الواضح» بعد موته أمام محكمة افتراضية قاسية تحاكمه عن أفعال وجرائم لم يرتكبها في حياته. وكان القضاة يستندون في اتهاماتهم إلى مجموعة كبيرة من السجلات الكبيرة التي دونت فيها تلك الجرائم المزعومة، وهو ما يجعل الرواية تأخذ طابعاً «ميتا سردياً» أو «ما وراء الرواية» Metafiction حيث تمثل هذه السجلات مخطوطات سردية داخل المتن السردي للرواية.
وقد لاحظت أن الرواية تختتم ثانية بهذا المطلع التراجيدي لثغيب شكرية على موت زوجها (جبر الواضح) عبر هذا السرد الكلي العلم:
«أعلن رسمياً ومن خلال ثغيب شكرية التي شقت نفنوفها الملئ برائحة الباذنجان وزفرة السمك البائت... مات جبر الواضح». (ص 199 - 200)
وهذه النهاية تجعل الرواية ذات طبيعة دائرية، حيث تتماهى النهاية مع البداية، وكأنها توحي بأن الحدث قد وقع تواً، أو أن جلسات المحاكمة مجرد خيالات افتراضية، وأن الحدث ما زال طرياً في بدايته، حيث تقف (شكرية) حائرة أمام جثة زوجها (جبر الواضح). وهذه الطبيعة الدائرية للسرد تمنح القارئ الجاد فرصة للتأويل والتفكير والتأمل فيما يمكن أن تسير إليه الأحداث اللاحقة، مما يجعل هذا القارئ فاعلاً في كتابة الرواية وفي إضفاء معنى عليها.
وتتخذ الرواية من جانب آخر، مظهراً فانتازياً في الكثير من الأحداث، ومنها على سبيل المثال عدد الحروب التي شارك فيها (جبر الواضح) والتي بلغت أكثر من أربعة آلاف مرة:
«صفن جبر الواضح، وراح يعدّ على أطراف أصابعه، وبسرعة فائقة عدد الحروب التي يتذكرها والتي تجاوزت الأربعة آلاف وثمانمائة وتسعين حرباً، قتل فيها ألف مرة، وجرح ألفي مرة، ودفن حياً ألفاً وخمسين مرة» (ص 71)
كما تنطوي الرواية، من جانب ثانٍ، على توظيف لغة شعرية رقيقة، قريبة من لغة قصيدة النثر، وخاصة في كلمات (الكورس) وبعض أعضاء هيئة المحكمة، فضلاً عن كلمات (جبر الواضح). وبعض الحوارات تتحول إلى لغة المسرح الشعري:
«الكورس: كأنه من طينة الحمق خلق
كأنه مسخ
كأنه إجابة خرقاء.
الواقف عند اليسار: مجهولة أعمار هذا المسخ
الواقف عند اليمين: كم نسجت أحلامه من عمره رثاء»
رواية «ثغيب» للروائي شوقي كريم هي بحق مرثاة حزينة ترميزية عن الوجع العراقي مكتوبة بلغة سردية شفافة لا تخلو من طابع شعري، يتحول فيها الفرد إلى ضحية ممسوخة تحت ظل مؤسسة الاستبداد.


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».