ذكريات مع «عراب الطائف» الذي غاب

حسين الحسيني: لا يمكن أن نطلق الحرية لكل منا أن يأخذ ما يعجبه من الاتفاق

رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس بعد إقرار اتفاق الطائف وإلى جانبه رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني
رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس بعد إقرار اتفاق الطائف وإلى جانبه رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني
TT

ذكريات مع «عراب الطائف» الذي غاب

رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس بعد إقرار اتفاق الطائف وإلى جانبه رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني
رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس بعد إقرار اتفاق الطائف وإلى جانبه رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني

لم يوصف الرئيس حسين الحسيني عبثاً بأنه «عراب اتفاق الطائف». هو الذي اعتبر نفسه مؤتمناً على هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين النواب اللبنانيين بوساطة ورعاية سعوديتين في مدينة الطائف وتم إقراره في 22 - 10- 1989. وانتقد كثيرون حسين الحسيني على رفضه المتكرر الإفراج عن المداولات التي جرت بين النواب والنقاشات التي أفضت إلى تعديل عدد من المواد في الدستور اللبناني بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
لكن الحسيني كان يعتبر نفسه الأب الروحي لتلك المداولات، وصاحب الفضل الأكبر في رعاية نقاشات النواب وتوصلهم إلى ذلك الاتفاق. وإذا كان السياسيون والكتاب يقومون عادة بإهداء كتبهم ومذكراتهم إلى زوارهم وضيوفهم، فإن «الهدية»، التي قدمها لي الرئيس حسن الحسيني وحملت توقيعه، عندما ذهبت للقائه بعد أكثر من عشر سنوات على إقرار «اتفاق الطائف»، كانت نسخة من وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف.

حصل ذلك اللقاء في شقة كان يقيم فيها الحسيني لا تبعد كثيراً عن مقر رئاسة مجلس النواب الحالي في منطقة عين التينة في بيروت، وهو المقر الذي بادر الحسيني إلى قرار تشييده، ليكون مماثلاً لمقر رئيس الجمهورية في قصر بعبدا ومقر رئيس مجلس الوزراء في السراي الحكومي في وسط بيروت، لكن لم يتح للحسيني الإقامة فيه إذ إن ولايته الرئاسية على مجلس النواب استمرت من 1984 إلى 1992. قبل اكتمال «قصر عين التينة»، الذي يشغله الرئيس نبيه بري منذ ذلك الحين.
وقليلون يذكرون اليوم أن الحسيني كان من المشاركين في تأسيس حركة «أمل» التي يرأسها الرئيس بري اليوم، وكان في ذلك الوقت (1973) إلى جانب الإمام موسى الصدر الذي «اختفى» في ليبيا في آخر أغسطس (آب) 1978.
كان السؤال الوحيد في ذهني، بل أكاد أقول الطلب الوحيد من الرئيس الحسيني هو الحصول على نصوص النقاشات النيابية التي جرت في الطائف، والتي كنت أعرف أنه يعتبرها أثمن ما يملك. رفض بإلحاح، رغم الوساطات التي استخدمتُها لإقناعه خلال تلك الزيارة. اعتبر أن مداولات النواب أصبحت ملكاً للتاريخ، وأنه لا حاجة لنبش تلك الدفاتر وفتح الجروح القيمة، وأكد أن المهم الآن هو تطبيق الاتفاق كما تم التوصل إليه، والبناء على أنه أنقذ البلد من مخاطر التقسيم، وجنّبه استمرار موجات القتل والتهجير والحروب الأهلية.
حاولت الالتفاف على الموضوع، وسألته عما يقال من أن اتفاق الطائف لم يطبق بكل بنوده؟
أجابني: «كل الدول تقول إن الحل في لبنان هو بتطبيق اتفاق الطائف نصاً وروحاً. ولا بد من القول إن لكل طرف في لبنان وجهة نظر مختلفة حول الاتفاق. ولكن عندما التزمنا باتفاق الطائف فهو التزام كامل بصرف النظر عما يعجبنا أو لا يعجبنا فيه. ولا يمكن أن نطلق الحرية لكل منا أن يأخذ الذي لا يعجبه فقط. فعندما يقال الطائف، فذلك يعني الدستور وهو واجب التطبيق، ومن يعطل مسيرة الوفاق الوطني ويتحمل المسؤولية. وفي الوقت نفسه هناك أمور كثيرة أرى أن الوقت لم يحن لكشفها».
حدثني الرئيس الحسيني عن تعديل يمكن القول إنه الأهم الذي حصل بنتيجة اتفاق الطائف، وهو نقل صلاحيات رئيس الجمهورية، التي كانت صلاحيات واسعة في الدستور السابق، إلى مجلس الوزراء.
في ذلك اللقاء كانت المعارضة لذلك التعديل واسعة، وخصوصاً من جانب فريق الرئيس ميشال عون، وهو الفريق الذي ظل يطالب باستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية، التي «سُلبت» منه، كما يقول المتقدون، وانتهى الأمر بعون وفريقه إلى الالتفاف على «خسارة الصلاحيات» بالمطالبة برئيس قوي في طائفته، بحيث يساعد تمثيله القوي لأبناء طائفته (المسيحية) على فرض قراره على الآخرين.
كان الرئيس الحسيني يرفض بوضوح فكرة تمتع الطوائف بصلاحيات في مؤسسات الدولة، ويعتبر أن الصلاحيات يمارسها السياسيون بصفتهم مسؤولين عن وطن، وليس كممثلين لطوائف. وتحدث بإسهاب عن موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء كما أقرت في اتفاق الطائف. قال: «عندما عملنا على نقل السلطة من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، كان ذلك بقصد تحقيق المؤسسة وليس بقصد نقل السلطة من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس الوزراء». وبالطبع هناك اشتباه حول إمكانية اتخاذ مجلس الوزراء قرارات منافية لسياسة الحكومة كما أعلنها رئيس مجلس الوزراء. وحول هذا الأمر نقول قطعاً إن كيان مجلس الوزراء مرهون ببقاء رئيس مجلس الوزراء. فعند استقالة الرئيس لا تبقى هناك حكومة. وعلينا أن نميز بين مجلس الوزراء والحكومة. وليس من قبيل الصدف أن يقول النص الدستوري إن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة. فالحكومة عندما تمثل أمام مجلس النواب فهي حكومة وليست مجلس وزراء. وعندما تجتمع في مقر خاص لمجلس الوزراء تصبح مجلساً للوزراء.
سألته عن اختلاف الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء؟ فقال: «في مجلس الوزراء أعطي رئيس الجمهورية حق ترؤس المجلس ساعة يشاء، دون أن يكون له حق التصويت. وهنا تتم عملية المشاركة في القرار. أما في العملية التنفيذية فليست هناك مشاركة بل مسؤولية. وكل وزير يتحمل مسؤولية وزارته ورئيس مجلس الوزراء هو المسؤول عن الحكومة أمام مجلس النواب، ولذلك أعطي رئيس الوزراء صلاحية التنسيق بين الوزراء وإعطائهم التوجيهات اللازمة من أجل تنفيذ السياسة العامة التي رسمها مجلس الوزراء وهو المسؤول عنها أمام مجلس النواب».
وسألت الحسيني عن الجدل حول حصر حق دعوة مجلس الوزراء للاجتماع برئيس مجلس الوزراء وليس برئيس الجمهورية؟ فقال: «هذا صحيح قطعاً، فرئيس الحكومة هو الذي يضع جدول الأعمال وهو الرئيس الأساسي لمجلس الوزراء، وهذا لا خلاف عليه ولكن رئيس الجمهورية هو رئيس جميع السلطات». وهذا أيضاً يبدو أنه غير واضح في ذهن البعض. فهو ليس رئيساً للسلطة التنفيذية فحسب.



إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي مدعوم عربياً وترحيب صيني بالولاية الجديدة.

ويُعد إعلان تلك الولاية رسمياً بمثابة تقليص فعلي لذرائع الانفصال في شمال البلاد، حيث توجد بجوار الإقليم الانفصالي وتعزز فرص وحدة البلاد والاستعداد لأي مخاطر تهددها في المستقبل، وفق تقديرات خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وفي 30 أغسطس (آب) 2025، انتخب برلمان ولاية شمال شرق الصومال عبد القادر أحمد أو علي، رئيساً للولاية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2030، بعد فوزه في الجولة الثانية من الانتخابات التي جرت في لاسعانود عاصمة الولاية.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، السبت، في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال، أو علي، ونائبه عبد الرشيد يوسف جبريل، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية».

وأضاف: «شمال شرق الصومال ولاية تابعة لجمهورية الصومال الفيدرالية، ولها جميع الحقوق التي تتمتع بها الولايات الأخرى في البلاد، وأدعو إدارة هرغيسا (الإقليم الانفصالي) إلى الاستجابة لرغبة إخوانهم في الشمال الشرقي في السلام والأخوة، فنحن لا نفترق، وقد أثبتنا ذلك»، داعياً المجتمع الدولي للتعاون مع حكومة شمال شرق البلاد، بحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» للبلاد السبت.

مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

وأدان الرئيس الصومالي في كلمته من العاصمة لاسعانود اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وحذَّر من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للصومال، مضيفاً: «أقولها بصوت عالٍ، إنه من المستحيل على إسرائيل أن تقيم حكومة في الصومال أو أن تنفذ استراتيجياتها التخريبية هنا».

وتعد لاسعانود عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي؛ فيما تعد زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023، فيما تضم ولاية شمال شرق الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

وسارع أرض الصومال، الإقليم المنفصل عن الحكومة منذ 1991، للرد؛ إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي جزء من أرض الصومال، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم الإعلان عن تأسيس الإدارة الإقليمية لشمال شرق الصومال، فإن مراسم تنصيب رئيسها جاءت في توقيت مهم بعد الاعتراف بأجزاء من الأقاليم الشمالية لجمهورية الصومال الفيدرالية، وفق ما يرى الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني، الذي أشار إلى أن حضور الرئيس إلى مدينة لاسعانود، عاصمة الإدارة الإقليمية الجديدة، يحمل رمزية سياسية وسيادية بالغة الأهمية.

وحملت مراسم التنصيب، بحسب كلني، رسائل سياسية وأمنية واجتماعية متعددة الاتجاهات، فقد وُجّهت رسالة مباشرة إلى إسرائيل مفادها أن وحدة الأراضي الصومالية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، كما وجَّهت المناسبة رسائل غير مباشرة إلى دول أخرى قد تكون تراقب المشهد من الخلفية، بهدف اختبار مدى تماسك الدولة الصومالية وردود فعل شعبها ومؤسساتها.

وجاءت تلك الزيارة وفقاً لـ«كلني»، ضمن مجمل التحركات الدبلوماسية التي انتهجتها الحكومة الصومالية خلال هذه المرحلة ضد خطوة أرض الصومال، بدءاً من الخطاب الحازم الذي ألقاه السفير أبو بكر بالّي أمام مجلس الأمن الدولي، مروراً بسلسلة الاتصالات والزيارات الرسمية المتتابعة إلى عدد من الدول، وصولاً إلى الخطابات المتعددة التي وجَّهها الرئيس حسن شيخ محمود وتؤكد عدم تفريط الحكومة الصومالية في الفرص السياسية والدبلوماسية التي أتاحتها هذه المرحلة الحساسة، لكبح أطماع بعض قيادات الإدارة الانفصالية في أرض الصومال، بما يضمن الحفاظ على سيادة ووحدة البلاد.

وكان مستوى المشاركة العربية والتركية في إعلان ولاية شمال شرق رسمياً، مستوى لافتاً، بجانب مشاركة رئيس البلاد ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري وكبار المسؤولين في الحكومة الصومالية ودبلوماسيين من عدة دول ووفود من الدول المجاورة في حفل تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال.

وبحسب «وكالة الأنباء الصومالية»، شارك في الحدث سفير تركيا لدى الصومال، ألبر أكتاش، وسفير السعودية، أحمد بن محمد المولد، وسفير السودان عبد الرحمن أفندي، بالإضافة إلى دبلوماسيين يمثلون دول الجوار والدول الصديقة، بجانب وفد من حكومة جيبوتي.

وهنأت السفارة الصينية لدى الصومال في بيان، الأحد، عبد القادر أحمد أو علي بمناسبة تنصيبه رئيساً لولاية شمال شرق الصومال خلال مراسم جرت في مدينة لاسعانود، عاصمة الولاية، ووصفت مراسم التنصيب بالناجحة، بحسب الوكالة ذاتها.

ويعتقد كلني أن مشاركة دول مؤثرة على الساحة الإقليمية والدولية، مثل تركيا ومصر والسعودية والسودان والصين، أمراً «يحمل دعماً واضحاً ومهماً للصومال ويسهم ضمن خطوات أخرى في إفشال المشروع الإسرائيلي في المنطقة، في مرحلة دقيقة تتطلب إسناداً دولياً واضحاً».


زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.