سيرغي سوروفيكين... رجل المهام الصعبة وقائد سياسة المدن المحروقة

الجنرال الآتي من عصر بطرس الأكبر لـ«إنقاذ روسيا»

سيرغي سوروفيكين... رجل المهام الصعبة وقائد سياسة المدن المحروقة
TT

سيرغي سوروفيكين... رجل المهام الصعبة وقائد سياسة المدن المحروقة

سيرغي سوروفيكين... رجل المهام الصعبة وقائد سياسة المدن المحروقة

منذ الإعلان عن تعيين الجنرال سيرغي سوروفيكين قائداً لـ«القوات المشتركة» الروسية والحليفة في أوكرانيا، يوم الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بدأ هذا الضابط الصارم مسار إطلاق استراتيجية جديدة في إدارة المعارك. قاد عملية الانسحاب من مدينة خيرسون. ولم يهتم كثيراً بالهزة المعنوية التي أحدثها التقهقر في منطقة استراتيجية خطيرة، كونها ترتبط بالشريط البري الوحيد مع شبه جزيرة القرم. أيضاً لم يتوقف كثيراً أمام انتقادات واسعة للتراجع في مدينة وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل بضعة أسابيع على ذلك بأنها ستبقى «روسية» إلى الأبد. لقد نفذ المهمة الصعبة بصمت، ومن دون أن تظهر على وجهه الصخري أي تعابير وهو يقدم تقريره الدوري إلى «القائد الأعلى». وبعد ذلك، بدأ مسار التحول الكبير في العمليات، إذ شنت روسيا حرباً لا هوادة فيها على البنى التحتية المدنية، وخلال أسابيع معدودة غرقت المدن الأوكرانية في الظلام، وتعطلت شبكات الاتصال وتحولت مياه الشرب إلى عملة نادرة.
سيرغي فلاديميروفيتش سوروفيكين، الرجل الذي وصف بأنه قائد «سياسة المدن المحروقة»، عَبَرَ مع هذه السمعة من الشيشان إلى سوريا إلى أوكرانيا. وهو «صاحب القبضة الفولاذية»، التي استخدمها لسحق أعدائه بلا هوادة. ثم إن تاريخه الشخصي والحربي مليء بأحداث وشبهات جعلت منه رجل المهام الصعبة، الذي عُين في المنصب في توقيت صعب بالنسبة إلى روسيا. إنه أيضاً ذلك العسكري الصارم الذي تفوق في دراسته، وصعد سلم الترقيات، ونال بشكل مبكر جوائز وميداليات يصعب أن يتلقاها من كان في عمره.
وُلد سوروفيكين عام 1966 في مدينة نوفوسيبيرسك، كبرى مدن سيبيريا، التي تقع في وسط روسيا. وفي عام 1987 تخرج بميدالية ذهبية من مدرسة أومسك العليا لقيادة الأسلحة، وسرعان ما بدأت خدمته الميدانية كقائد لفصيلة بنادق آلية.
في هذا الموقع برزت للمرة الأولى مواهب القائد العسكري الشاب، ومدى استعداده لاتخاذ قرارات حاسمة وسريعة. ذلك أنه عام 1989، أثناء إجراء بعض التدريبات اشتعلت النيران بعربة قتال كانت تقل بعض عناصر المشاة، فما كان من قائد الفصيلة إلا أنه اقتحم ألسنة اللهب وأبعد الجنود عن الخطر، وقاد المركبة المحملة بالذخائر إلى منطقة آمنة. كانت تلك خطوة رفعت الضابط الشاب مرة واحدة إلى مقام «الأبطال» وحصل بعد تلك الحادثة على ميداليته الأولى في حيته العسكرية.

منعطف مهم آخر
لكن سوروفيكين كان على موعد آخر مع القدر، بعد ذلك بسنتين فقط، ليدخل اسمه في تاريخ القوات المسلحة الروسية وهو ما زال في بداية خطواته العملية، وليظهر أيضاً شخصيته القوية التي سوف ترافقه بعد ذلك خلال كل سنوات خدمته في كل المناطق الساخنة التي خدم فيها.
في أغسطس (آب) من عام «الانهيار الكبير» 1991 عندما كان الاتحاد السوفياتي يلفظ أنفاسه الأخيرة، كان سوروفيكين برتبة نقيب، وقد شغل للتو منصب قائد كتيبة البنادق الآلية الأولى التابعة لقوات الحرس.
وكانت البلاد مشتعلة على خلفية محاولة انقلاب نفذتها «لجنة الطوارئ الحكومية» التي حاولت السيطرة على مقاليد الحكم وإطاحة الرئيس - يومذاك - ميخائيل غورباتشوف ومعه كل النخبة الليبرالية التي عملت على هدم الدولة السوفياتية في ذلك الوقت. غير أن الانقلابيين واجهوا تحركاً احتجاجياً واسعاً في العاصمة موسكو، وأقدم محتجون على قطع بعض الطرق والاستيلاء على عربات الجيش.
في تلك اللحظة الحاسمة كُلف سوروفيكين بنشر حاجز ميداني وقطع الطريق أمام المحتجين. وهكذا أرسلت الكتيبة المكونة من 20 عربة قتالية مصفحة، لنصب الحاجز، ولكن أثناء مرور الموكب العسكري في نفق وسط موسكو ليلة 20 - 21 أغسطس، أوقف المتظاهرون الطابور العسكري، ونصبوا حواجز بشرية أمامه.
في تلك اللحظة لم يتردد سوروفيكين طويلاً، إذ وقف على ظهر العربة المصفحة التي تحمل رشاشاً آلياً، ووجّه تحذيراً صارماً إلى المحتجين، منبهاً إلى أن العربات مزودة بسلاح حي. ومن ثم، أمر بفتح الطريق والسماح للقافلة بالمرور، كما أطلق طلقتين تحذيريتين من مسدسه، وأمر جزءاً من القافلة (12 مركبة عسكرية) باختراق أنقاض الدرع الحاجزة ما أوقع مواجهات دموية.
قُتل يومذاك في «المعركة» ثلاثة متظاهرين أحدهم سحقته العربات المصفحة، واثنان لقيا حتفهما بطلقات نارية. وفي المقابل أحرق المتظاهرون عربة مشاة قتالية، وألحقوا أضراراً بأخرى، كما أصيب 6 جنود.
على الأثر اعتبرت الأوساط الليبرالية والديمقراطية ما حدث «مجزرة» للديمقراطية، الأمر الذي أسهم في تشويه سمعة «لجنة الطوارئ» التي لم تلبث أن انهارت بعد يومين. وهكذا، بعد هزيمة محاولة الانقلاب ألقي القبض على سوروفيكين وظل في الحجز لمدة 7 أشهر إبان التحقيق الأولي. لكن أقداراً خفية تدخلت لإنقاذه. وبنتيجة التحقيق أسقطت التهمة الموجهة ضده لأنه فقط «كان ينفذ أوامر قيادته العسكرية». والأكثر من ذلك، أنه لم يطلق سراحه فحسب، بل جرت ترقيته بأمر مباشر من رئيس روسيا - آنذاك - بوريس يلتسين؛ إذ قال يلتسين أمام كاميرات التلفزيون في واحدة من خطبه الحماسية التي احتفل بها بانتصار «الديمقراطية» هاتفاً: «أطلقوا سراح الرائد سوروفيكين على الفور»... مانحاً إياه ترقية في الرتبة العسكرية على الهواء مباشرة.

ولاء مطلق وثابت
منذ ذلك الحين كان القائد العسكري الذي برز نجمه بقوة يقف بحزم بولاء كامل خلف القائد المتربع في الكرملين مباشرة، وينفذ المهام الموكلة إليه بصمت وبدقة وبقسوة بالغة إذا اقتضى الأمر.
أثناء دراسة سوروفيكين في أكاديمية فرونزي العسكرية في سبتمبر (أيلول) 1995 أدانته المحكمة العسكرية التابعة لحامية موسكو بالتواطؤ في الاستحواذ وحمل الأسلحة النارية والذخيرة من دون تصريح، وحُكم عليه بالسجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ، ولكن مجدداً «العدالة» تدخلت مرة أخرى لإنقاذه، ولم يلبث التحقيق أن أثبت براءته. وفي وقت لاحق أسقطت التهمة وألغي قرار الإدانة نهائياً من سجله. ولاحقاً، مع أن بعض كارهي سوروفيكين، ربما داخل المؤسسة العسكرية، حاولوا أن يثيروا الملف مجدداً عبر نشر معطيات عن أنه في تلك اللحظة كان يمارس بيع أسلحة ومعدات لجهات غير معروفة، لم تثبت صحة هذه الاتهامات، وجرى دحضها سريعاً، وحصل سوروفيكين على قرار من المحكمة يبيض صفحته.
بعد الأكاديمية، خدم سوروفيكين الصاعد بقوة في طاجيكستان كقائد لكتيبة بنادق آلية، ثم كرئيس أركان فوج الآليات. ومن ثم تنقل في مناصب ومهام عدة داخل روسيا وخارجها في القواعد المنتشرة بمنطقة آسيا الوسطى حتى عام 2002 عندما تخرج بمرتبة الشرف من الأكاديمية العسكرية التابعة لهيئة الأركان العامة. وعند هذا المفصل غدا الضابط المثالي جنرالاً ولم يكمل بعد عقده الرابع.
في عام 2004 كان قائداً لفوج عسكري عندما وقعت جريمة قتل في مكتبه. وعلى أثر ذلك فتح التحقيق بعد إعلان عن وجود شبهات حول «انتحار» نائب قائد الفوج بإطلاق النار من مسدس حربي داخل مكتب القائد. ومرة أخرى خرج سوروفيكين من القضية مثل خروج الشعرة من العجين. بيد أن الاقدار التي سببت المصائب أينما حل، لاحقته مجدداً في العام التالي، بعدما عُين قائداً للفرقة 42 للحرس الآلي في الشيشان، وفي 21 فبراير (شباط) 2005، قال مسؤولون إن تسعة من أفراد وحدة الاستطلاع التابعة للفوج قتلوا وأصيب عشرات آخرون نتيجة انهيار جدران وسقف مزرعة دواجن قديمة في قرية بريغورودنوي كانت تستخدم مقراً ميدانياً للتحرك العسكري. وعند سؤالهم عن سبب الانهيار، جاءت إجابات ممثلي وزارة الداخلية وهيئة الأمن الفيدرالي ووزارة الدفاع مختلفة تماماً، وثمة مَن حمّل «العصابات الشيشانية الإرهابية» المسؤولية بعد اتهامها بشن هجوم ناري، بينما قال آخرون إن الانهيار ناجم عن تقادم البنية التحتية. إلا أنه وفق الرواية الرسمية، أطلق مسلحون النار من قاذفة قنابل يدوية.
هكذا صار سوروفيكين على الفور نجماً تلفزيونياً بعدما أقسم أمام كاميرات التلفزيون على أنه مقابل كل جندي قتيل سيقتل ثلاثة إرهابيين. ولكن لم يمر وقت طويل حتى كشف تحقيق موسع أجرته صحيفة «نوفايا غازيتا» المعارضة أن المنطقة لم تشهد أي عمليات قصف أو مواجهات أو معارك، وأن الحادث الدامي وقع بسبب إطلاق «أحد العسكريين» قاذفة قنابل عن طريق الخطأ داخل المبنى. مع هذا، لم يؤخذ بصحة ما ورد في التحقيق، وبعد مرور أسابيع نفذ جنود من كتيبة «فوستوك» التابعة لفرقة البنادق الآلية 42 عملية «عقابية» في قرية بوروزدينوفسكايا الشيشانية.

مناصب حساسة ورفيعة
بين 2005 و2008 تنقل سوروفيكين بين مناصب ومواقع عدة، عُين بعدها قائداً لسلاح الحرس في منطقة فورونيج (وسط البلاد، قبل أن يغدو بسرعة رئيساً لمديرية العمليات الرئيسية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية. ومن هذا المنصب تنقل في رئاسة الأركان بغالبية المواقع الرئيسة في روسيا. ثم في عام 2012، قاد مجموعة عمل تابعة لوزارة الدفاع الروسية لإنشاء شرطة عسكرية مع احتمال إضافي للتعيين في منصب رئيس المديرية الرئيسة للشرطة العسكرية. وبناءً على نتائج العمل، أنشأ هيئة موظفين بهيكل جديد ودخل في تصنيف أكثر الأشخاص تأثيراً في روسيا في عام 2012، وفقاً لمركز أبحاث الرأي العام لعموم روسيا ومجلة «ريبورتر» الروسية. ومن ثم في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 عين الجنرال البارز قائداً للمنطقة العسكرية الشرقية. وبهذه المهمة نفذ في العام التالي أولى عملياته العسكرية الواسعة في أوكرانيا.
وفقاً للسياسي ليونيد فولكوف، في عام 2014 الذي اندلعت فيه الأزمة الأوكرانية وأعلن إقليما دونيتسك ولوغانسك انفصالاً من جانب واحد عن سلطات كييف، عمل سوروفيكين بنشاط في منطقة روستوف الحدودية على إعداد وإرسال وحدات دبابات تابعة له إلى شرق أوكرانيا. وكان ذلك الانخراط الأول له في الحرب الأوكرانية، وهو سيعود إلى أوكرانيا مجدداً مرتين في وقت لاحق، لكن بعد أن يخوض تجربة مثيرة جديدة في سوريا هذه المرة.

مهامه في سوريا
خلال الفترة بين مارس (آذار) وديسمبر (كانون الأول) 2017 عين الجنرال، الذي أظهر إرادة فولاذية في أوكرانيا، قائداً لمجموعة القوات الروسية في سوريا. ومع أنه لا يتوافر الكثير من التفاصيل المعلنة عن نشاطه في تلك الفترة، فإن تقريراً أعدته منظمة «هيومن رايتس ووتش» ونُشر في أكتوبر من عام 2020 أكد أن سوروفكين قد يكون أحد المسؤولين المباشرين عن تنفيذ جرائم حرب هناك، بما في ذلك الهجمات على المنازل والمدارس والمستشفيات والأسواق العامة. وسيعود اسم سوروفيكين إلى الظهور مجدداً في سوريا خلال فترات لاحقة، ولكن بصفته قائداً عاماً للقوات الجوية الروسية وهو المنصب الذي أسند إليه عام 2017. وقالت المنظمة الحقوقية الدولية إن الجنرال الروسي في هذا المنصب قد يتحمل المسؤولية عن سلسلة من الانتهاكات الخطيرة التي وقعت خلال الهجمات على إدلب بين عامي 2019 و2020. وطبعاً لم يلبث الجنرال أن كوفئ على «شجاعته» في سوريا، وتقرر في نهاية 2017 منحه «النجمة الذهبية لبطل الاتحاد الروسي».
بصفة عامة، يعد سوروفيكن أكثر الضباط الروس الرفيعي المستوى خدمة في سوريا، فهو عاد قائداً للمجموعة الروسية هناك في 2019. وظل محتفظاً بمنصب قائد القوات الجوية، وذلك قبل أن يعين في وقت لاحق قائداً للمجموعة الجنوبية في القوات المسلحة الروسية.
بعدها، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا انخرط فيها سوروفيكين بشكل قوي. وفي 24 يونيو (حزيران) أفادت وزارة الدفاع الروسية بأن سوروفيكين، كقائد للمجموعة الجنوبية، قاد بنفسه تطويق القوات المسلحة الأوكرانية في مدينتي غورسكوي وزولوتي في منطقة لوغانسك.
أيضاً، لمع اسم الجنرال بصفته أحد أبرز «الصقور» الذين أفرزتهم الحرب الشيشانية، يليه رئيس الشيشان رمضان قديروف، الذي تلعب قواته دوراً رئيساً في معارك جنوب وشرق أوكرانيا تحت إمرة سوروفيكين. ولذلك لم يكن غريباً عندما اتخذ الأخير قرار الانسحاب من خيرسون وتعرض لهجوم بعض مراكز القوى المنافسة في السلطة العسكرية الروسية، أن ينبري قديروف للدفاع عنه. وحقاً وصف قديروف سوروفيكين بأنه «جنرال حقيقي ومحارب قادر على تحسين الوضع في القتال في أوكرانيا». ويذكر أن قديروف نفسه كان قد انتقد أداء الجيش والقيادة العسكرية الروسيين قبل تعيين سوروفيكين، وهدد بأنه «سيبلغ بوتين بما يجري على أرض الواقع في الميدان».
بالتالي، كان من الطبيعي أن يجر تعيين سوروفيكين على رأس القوات في أوكرانيا، تعليقات كثيرة داخل روسيا وخارجها، لعل أبرزها ما جاء على لسان ضابط كبير في الاستخبارات العسكرية البريطانية قال لصحيفة «بوليتيكو» إن «تكتيكاته العسكرية تنتهك قواعد الحرب تماماً، لكنها للأسف أثبتت فاعليتها في سوريا».
من ناحية ثانية، عقد ديفيد رونديل رئيس البعثة الأميركية السابق في منطقة الخليج، ومايكل جفيلر المستشار السياسي السابق للقيادة الوسطى الأميركية، في مقالة مشتركة نشرتها مجلة «نيوزويك»، مقارنة بين سوروفيكين والجنرال الأميركي ويليام شيرمان، الذي حسم معه أبراهام لنكولن الحرب الأهلية الأميركية. هذا القائد العسكري، وفقاً للخبيرين الأميركيين، جاء لـ«ينقذ روسيا». وكان قد أعلن بوضوح أنه «لن يكون هناك أنصاف إجراءات». ومن ثم «بدأ في تدمير البنية التحتية للعدو... بالطريقة ذاتها التي اعتمدها الجنرال شيرمان عندما دمر شبكة السكك الحديدية للعدو».
في المقابل، قال القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية فاليري زالوجني، عن الجنرال الروسي معلقاً: «مع الاحترام للسيد سوروفيكين، إذا نظرت إليه، فستراه قائداً عادياً من عصر بطرس الأكبر (...) إنه العسكري الذي يظن أن عليه إنجاز المهمة وإلا انتهى».


مقالات ذات صلة

روسيا تعلن إسقاط 660 مسيّرة أوكرانية في أكبر موجة هجمات ليلية

أوروبا امرأة تسير في حديقة بينما يتصاعد الدخان في الخلفية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية في موسكو (إ.ب.أ)

روسيا تعلن إسقاط 660 مسيّرة أوكرانية في أكبر موجة هجمات ليلية

أسقطت الدفاعات الجوية الروسية 660 مسيّرة أوكرانية ليل الخميس الجمعة، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع في موسكو، في أعلى مجموع لعمليات من هذا القبيل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا منشأة لإنتاج مسيرات بعيدة المدى من طراز «FP-1» في موقع غير مُعلن في أوكرانيا (رويترز)

روسيا تعلن إسقاط 28 مسيّرة كانت متّجهة نحو موسكو

أعلن رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين، أنه تم إسقاط 28 مسيّرة على الأقل كانت متجهة نحو العاصمة الروسية في غضون ساعة واحدة تقريبا ليل الخميس الجمعة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

زيلينسكي يوافق على حملة مدتها 40 يوماً «للضغط» على روسيا لإنهاء الحرب

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه وافق على شن حملة مدتها 40 يوماً «للضغط» على روسيا من أجل ‌إنهاء الحرب ‌ضد ​كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 17 يونيو (د.ب.أ) p-circle

رهانات على مزيد من الدعم الأطلسي لأوكرانيا بفضل نجاحاتها العسكرية

بعد أسبوعين تستضيف أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل قمة الحلف الأطلسي التي من المقدر لها أن تركز على ملفين رئيسيين: التأكيد على وحدة الحلف الغربي بين جناحيه…

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا صورة التقطتها القوات البحرية الفرنسية في 23 يونيو 2026 لضابطة تنظر بمنظار إلى ناقلة النفط «ديليفر» قبل اعتراضها في البحر المتوسط (أ.ف.ب)

ماكرون: «البحرية» الفرنسية تعترض ناقلة نفط من «أسطول الظل» الروسي

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إن «البحرية» الفرنسية اعترضت ناقلة نفط في أثناء مرورها قرب سواحل صقلية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.