هل يجوز لنا أن نتّهم الغرب بالانحلال الأخلاقيّ؟

الأفراح عمّت الميادين العربية وكذلك الأوروبية احتفالاً بتأهل المغرب المونديالي (رويترز)
الأفراح عمّت الميادين العربية وكذلك الأوروبية احتفالاً بتأهل المغرب المونديالي (رويترز)
TT

هل يجوز لنا أن نتّهم الغرب بالانحلال الأخلاقيّ؟

الأفراح عمّت الميادين العربية وكذلك الأوروبية احتفالاً بتأهل المغرب المونديالي (رويترز)
الأفراح عمّت الميادين العربية وكذلك الأوروبية احتفالاً بتأهل المغرب المونديالي (رويترز)

تَنهج المجتمعات الإنسانيّة النهج الذي يلائم طبيعتها ومناخها وبيئتها، ويستند إلى تصوّراتها وحقائقها واقتناعاتها، ويستلهم مثُلَها ومبادئها وقيَمها. ما كان الغرب غرباً لو نُحت على صورتنا ومثالنا، والشرق شرقاً لو نُسج على منوال الغرب. ليست المشكلة في الاختلاف بين الشرق والغرب، بل في إساءة فهم الحضارتَين. من علامات الإساءة أنّ بعضاً منّا يرشق الغرب بتهمة الانحطاط الأخلاقيّ. ما برحتُ حتّى اليوم استفظع مثل التهَم الباطلة هذه، لا سيّما حين تَصدر عن مجتمعاتٍ ابتُليت أيضاً بعاهات وأسقام واضطرابات ينبغي صرف الطاقة القصوى وبذل الجهد الأعظم في سبيل الشفاء منها.
عاين كثيرٌ منّا بسرورٍ فائقٍ التئامَ العيلة العربيّة والأفريقيّة والآسيويّة على مدرّجات ملاعب كأس العالم في قطر. فتأثّرنا بمشاهد الألفة التي جمعت أعضاء الأسرة الواحدة حول ابنها الرياضي الموهوب. غير أنّ بعض المعلّقين ذهبوا مذهباً متطرّفاً؛ إذ عَمدوا إلى مقارنة الدفء الحناني المنبعث من أفئدة العيال المبتهجة على أرض الملعب بما افترضوه من جفاءٍ وصقيعٍ وعزلة في المجتمعات الغربيّة. فإذا بهم يسارعون إلى تقريع الغرب وتأنيبه وتسفيه حضارته، وقد أغفلوا وصفَ المشاهد التي جمعت أيضاً أعضاء الأسَر الغربيّة حول أبطالهم المتفوّقين في مَوقعة الحدث نفسه.
لن أفترض سوء النيّة في هذا الاتّهام، بل الفهم الخاطئ الذي يمنع صاحبَه من إدراك أسباب الاختلاف. أعتقد أنّ أخطر ما تنطوي عليه تهمة الانحلال الأخلاقي القولُ بضياع الفرد الغربيّ، وتفكّك الأسرة الغربيّة، وانحراف الحرّيّة الفرديّة الذاتيّة، وانهيار الأخلاق، لا سيما تلك المتعلّقة بمقام الجسد والمرأة والجنس. وعلاوة على ذلك، غالباً ما نَعيب على الغرب ازدواجيّة معاييره الإنسيّة الدِّيموقراطيّة، خصوصاً في نطاق السياسات الخارجيّة. لا بدّ لنا، والحال هذه، من تدبّر وجوه الضلال في مثل الانتقادات اللاذعة المهينة هذه.
من أفضل سبُل الاستجلاء النظرُ في طبيعة الاجتماع الغربي المعاصر الذي قام على إرثٍ إغريقيٍّ - لاتيني يعترف بمقام الفرد، على تنوّعٍ في المقادير، ويُفرد للمجال العمومي منزلة الصدارة في نظام المدينة الإنسانيّة. معنى ذلك أنّ المجتمعات الغربيّة استوحت، في نهضتها الإنسيّة الناشطة منذ القرن السادس عشر، مثالَ المدينة الإغريقيّة القديمة التي كانت تولي المناقشة العلنيّة المفتوحة العناية الفائقة. ومع ذلك، يعرف الجميع أنّ الغرب اختبر الظلاميّات والجهالات والاحترابات المميتة، لا سيّما إبّان أزمنة تصارع الممالك الغربيّة. غير أنّ القرون الوسيطة ليست حقبة اقتتال فحسب، بل نضجت فيها أيضاً وأينعت وأثمرت أبهى إبداعات الفكر وجمالات الفنّ وارتقاءات الروح.
ما يَعنيني، في المرتبة الأولى، أمران: مقام الفرد الغربي الذي نضج فاستحصل على أفضل الممكن تاريخيّاً من حقوقه الأساسيّة، ومنزلة المدينة الغربيّة التي تطوّرت تشريعيّاً ومؤسّساتيّاً فأضحت الدولة الحاضنة الجامعة الحامية. لا يمكننا أن نفهم الغرب، أي أوروبّا وأميركا الشماليّة وأستراليا ونيوزيلندا، ما دمنا نؤوّل تأويلاً خاطئاً فرديّة الإنسان الغربي الذي يتمسّك بذاتيّته قبل أي أمر آخر. فالذات الفرديّة أصلُ الأصول في الوجود، وفي الحياة، وفي الاجتماع. لذلك تنبثق منها كلُّ القرارات، وإليها تعود كلُّ المرجعيّات، وفيها تنضج كلُّ المسارات. غير أنّ هذه الفرديّة لا تعني بالضرورة الانفراديّة والانعزاليّة والتقوقعيّة. ليس في شرائع الأرض كلّها من تشريعٍ يتدبّر المسؤوليّات القانونيّة الفرديّة والجماعيّة تدبّراً عاقلاً حصيفاً متّزناً كما يتدبّرها التشريع الغربي الذي استفاد من خصوصيّات الأمم الآخر واستلهم نُظُمَها واستدخلها في شرعة حقوق الإنسان الكونيّة. وليس مَن ينظّم العمل الجماعي كما ينظّمه أهلُ الغرب في مؤسّساتهم ومنظّماتهم وجمعيّاتهم ومنتدياتهم ومحافلهم. ليس الغربيّون بأهل التوحّش الانعزاليّ، بل صانعو العمل الجماعي الناجح، بخلاف كثيرٍ من أهل المجتمعات الآسيويّة والأفريقيّة المنتشين بسلطانهم الفردي المطلق. لا بدّ لنا من الاعتراف بأنّ مقام الفرد الغربي أتاح للمجتمعات الغربيّة أن تنهض نهضة ثقافيّة علميّة تقنيّة اقتصاديّة جعلتها في الطليعة. ومع ذلك، يُقرّ أهلُ الغرب أنفسُهم بأنّ التطرّف في الفرديّة يُفضي إلى عزلة الإنسان وتفكّك الأواصر الطبيعيّة العيليّة والروابط الوجدانيّة العاطفيّة. في جميع الأحوال، يعتقد إنسانُ الغرب أنّ الحرّيّة الفرديّة الذاتيّة قيمة أخلاقيّة عظمى لا يجوز التخلّي عنها على الإطلاق.
أمّا مقام الدولة في المدينة الإنسانيّة الغربيّة، فتطوّر تطوّراً مذهلاً جعل الناس يستجيرون بها في كلّ قضايا معيّتهم الاجتماعيّة. ذلك بأنّ التشريع الغربي الشامل في الأحوال الشخصيّة وأخلاقيّات الحياة والطبّ واقتصاديات المعرفة وتقنيات المعلوماتيّة، وما إلى ذلك من حقول إنتاجيّة حيويّة، جعل الفرد يشعر بالاطمئنان الوجودي يرسّخه الاستقرارُ السياسي المبني على تطوّر الأنظمة الدِّيموقراطيّة، ويعزّزه الرخاءُ الاقتصادي الذي واكب نهضة المجتمعات الغربيّة. من جرّاء هذا كلّه، اتّضح أنّ الدولة الغربيّة المعاصرة تستطيع أن تُعفي الإنسانَ الفردَ من التواكل العيليّ، أو حتّى العشائريّ، الذي ما برح سائداً في المجتمعات الآسيويّة والأفريقيّة الأخرى. مظاهرُ شتّى من الحياة الاجتماعيّة الناشطة عندنا مقترنة باختلالات الانتظام العربي العامّ وبضرورات التعويض التضامني المنقذ من الهلاك.
أعلم علمَ اليقين أنّ التضامن العيلي اضطرب في الغرب بسبب من تفاقم الحرّيّات الفرديّة. ولكنّ هذا الاضطراب لا يعني أنّ الغرب لا يشعر بضرورة المحضن الأسري الدافئ. أعرف معرفة دقيقة أنّ الحرّيّة الأخلاقيّة شبهُ مطلقة في المجتمعات الغربيّة. بيد أنّ التخفّف من الرقابة الأخلاقيّة لا يدلّ على انحطاط الأخلاقيّات الغربيّة. أعتقد في هذا السياق أنّ معايير السقوط الأخلاقي والرفعة الأخلاقيّة ملتبسة تتغيّر بتغيّر المرجعيّات الثقافيّة. إذا كان الخفَر والحشمة والتعفّف من سمات الإنسان الشرقيّ، فإنّ الشفافيّة والصراحة وجرأة التعبير واستثمار فضائل التعرية النقديّة الذاتيّة الوجدانيّة الفكريّة، حتّى الجسديّة أيضاً، من ميزات الإنسان الغربي وخصائصه التي تضمن له النجاح والتألّق الابتكاريّ.
إذا عرضت المرأة جسدَها العاري في الإعلان الغربيّ، فهذا لا يعني أنّ نساء الغرب مومسات وأنّ رجال الغرب فاجرون، بل يعني أنّ قيمة الحرّيّة الفرديّة تعلو قيمة الحشمة الجسديّة. هل يصعب فهم هذا الاختلاف في تقويم حقائق الحياة حتّى تُمسك الألسنة عن الاتّهام المتهوّر؟ ما ذنب الذين يفضّلون الشفافيّة في المسلك، والإفصاح السليم عن مطاوي النفس، والتعرية الكيانيّة الصادقة أمام الملأ؟ أفلا يليق بنا أن نعتمد بعضاً من المعايير الأخلاقيّة السليمة، عوضاً عن التلطّي والتستّر بالمبادئ والتظاهر العلني بالاعتصام الكلامي المحض بأحكام الأخلاق، في حين أنّ الباطن يناقض الظاهر، وأنّ الخلوة الفرديّة والجماعيّة في المجتمعات المقهورة اجتماعيّاً غالباً ما تنطوي على أشكالٍ شتّى من الانحراف الجنسيّ؟ للغرب انحرافاته، ولنا انحرافاتنا. والعبرة في تجاوزها تجاوزاً يخدم قضيّة الإنسان الجوهريّة.
يُحزنني أن نسارع إلى تعرية الغرب ونغفل عن تعرية ذواتنا. أفهم الأسباب التي تجعل مجتمعاتنا العربيّة تنتقد الغرب في كلّ شاردة وواردة؛ إذ إنّها عانت الأمرَّين من استبداده. بيد أنّ التاريخ دورة سلطانيّة عبثيّة يتداول النفوذَ فيها مَن يفوز بالاقتدار الأعظم. يمكننا أن ننتقد الغرب ونقبّح أفعاله الاستعماريّة. ولكنّه لا يحقّ لنا أن نتغافل عن سلسلة التضامنات الإنسانيّة العابرة الثقافات، وقد أنشأها الغرب تارة من أجل تعزيز استعماره، وتارة من أجل تعزيز مقام الإنسانيّة وحسب. أذكر في الأزمنة المعاصرة بضعاً من المؤسّسات الإنسانيّة العالميّة التي أظهرت لنا جميعاً قيمة الاقتناع الأخلاقي الذي يزيّن وعي الإنسان الغربي الحرّ: الصليب الأحمر الدوليّ، وأطبّاء بلا حدود، وإعلاميّون بلا حدود، والمؤسّسات القانونيّة الدوليّة على تنوّع مُسمّياتها، ومنها على سبيل المثال منظّمة العفو الدوليّة، ومنظّمة الصحّة والعمل والتغذية والتربية، وما شاكل ذلك. قد تتلاعب القوى النافذة بهذه المنظّمات، ولكنّ أصل نشوئها مرتبطٌ بالمقصد الأخلاقي الشريف. ويبدو اليوم أنّ التلاعب بضمير المنظّمات العالميّة لم يعد يقتصر على الأنظمة الغربيّة، بل طفقت الدوَل الآسيويّة والعربيّة المقتدرة ماليّاً تشارك المتلاعبين في مناوراتهم المفضوحة.
أعود إلى النعوت التي نرشق بها الإنسانَ الفردَ في المجتمعات الغربيّة، ومن أبشعها فردانيّتُه وانعزاليّتُه وجفائيّتُه الطباعيّة. ولكن هل نسينا أنّ عوامل الطبيعة لها تأثيرٌ بالغٌ في نحت الطباع الإنسانيّة؟ من الحقائق الأنتروبولوجيّة أنّ الوجدان يضطرم بأشعّة الجنوب الدافئ، ويتجمّد بصقيع الشمال القارس. كيف لنا أن نحادث جارنا في ضباب لندن الذي يمنعنا من رؤية إصبعنا، في حين نَنعم في بغداد بدفء الشمس يدفعنا إلى الخروج من المنازل والتعاشر في الأحياء والشوارع؟ حتّى في قلب القارّة الأُوروبّيّة، يعجب أهلُ الشمال المتحفّظون، الخشنو المسِّ، المستأنسون بالوحشة، من مسلك أهل الجنوب البشوشين، الجميلي المعشر، اللطيفي المخالطة، اللذيذي المفاكهة. أفليس في ظلمة السماء ما يفاقم تَعبُّس الوجه وتجهُّم الطلعة وانقباض الروح؟ وفي صفاء الأفق ما يعزّز بشاشة الطلعة وإشراق المحيّا وانبساط الصدر وطلاقة اللسان؟ غير أنّ الأخلاق ليست بالعذوبة الكلاميّة الجوفاء، بل بالحسّ التضامني الإنساني العميق.
أوّلُ ردّ فعلٍ تفطن إليه الشعوبُ المقهورة، في ظلمة واقعها المرير، أن تشدّ الرحال إلى الغرب حتّى تنعم بحرّيّة وجوديّة كاملة، وتتّقي شرور السلطان السياسي الباطش. المظلوم عندنا يستجير بالغرب ليحميه، وأيضاً الأصولي منّا يلجأ إلى الغرب، والمخلوع عن عرشه السياسيّ، والمنتفع الطفيليّ. ولكن ثمّة فئة أخرى من ذوي الطموح العلمي والرغبة في المغامرة الحضاريّة تروم أن تختبر الحياة في الغرب اختباراً مختلفاً. فإذا بها تضرب في الأرض بحثاً عن بيئات ثقافيّة مختلفة تهبها إحساساً كيانيّاً آخر، وتذوّقاً وجوديّاً فريداً يستثير في النفس الإنسانيّة طاقاتٍ دفينة من العزم والاستمتاع والإبداع. وحده مثل التلاقي الحضاري الرفيع هذا يجعلنا نكتشف القيَم الأخلاقيّة التي يزخر بها وعي الآخرين. ومن ثمّ، ينبغي لنا أن نحرص على استثمار أفضل ما في الغرب من قيَم أخلاقيّة سامية حتّى نعزّز فينا ما يبدو لنا على ضعف وانحلال وتقهقر. إذا سألَنا الإنسانُ الغربي عن طبيعة إسهامنا الأخلاقيّ، كشفنا له عن كنوزَ الحضارة التي نحيا فيها، ولكن من غير أن نقبّح عليه معتقداتِه وتصوّراتِه وأفعالَه، وقد ضللنا ضلالاً مبيناً في إدراك جوهرها. خلاصة القول، أن الغرب لا يحتاج إلى مَن ينتقده لكي يخرج من سباته. قبل أن نُقبل عليه بالتقريع، أكبّ يستنطق حضارتَه أسرارَها الدفينة وخلفيّاتِها المحجوبة حتّى يقوى على إصلاح ذاتيّته. فالحضارة التي تنتقد ذاتها لا خوف على أخلاقها.
*مفكر لبناني



اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

TT

اقتصاد العالم على إيقاع حربَي أوكرانيا وغزة

تراجع التضخم إلى 2.4 في المائة مع انخفاض الزيادات بتكلفة البقالة والزيادات الإجمالية بالأسعار لأكبر اقتصادين ألمانيا وفرنسا (رويترز)
تراجع التضخم إلى 2.4 في المائة مع انخفاض الزيادات بتكلفة البقالة والزيادات الإجمالية بالأسعار لأكبر اقتصادين ألمانيا وفرنسا (رويترز)

يصر ديفرين، سائق الأجرة البريطاني، على أن يشير بيده لمحدّثه إلى مساحات خضر على جانبي الطريق بين لندن ومدينة ستانستد (شمال شرقي العاصمة البريطانية) قائلاً: «هذه الحقول مزروعة بالقمح». كلما انكشفت للطريق السريع مساحة خضراء، كرر ديفرين جملته: «حقول قمح، بدأ بعضها يميل إلى الاصفرار». ثم يفسّر إصراره على الإشارة إلى ذلك بأنها المرة الأولى التي يرى فيها مساحات مزروعة بالقمح في هذه المنطقة، عازياً لجوء بريطانيا إلى زراعتها إلى الحرب الروسية ـــ الأوكرانية.

ثم يخوض مع محدثه في حوار عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار التي شهدتها البلاد بعد انتهاء فترة كورونا، إذ أصبح جنيهاً ونصف الجنيه سعر كل سلعة كانت تباع بجنيه واحد قبل سنة ونصف السنة. ويقول ديفرين ساخراً: «هل تعيد حقول القمح هذه الأسعار إلى ما كانت عليه؟ كل شيء في هذه البلاد، من السلعة البسيطة إلى إيجار المنازل، ارتفع سعره نحو 50 في المائة، فيما الرواتب لا تزال على حالها». ويضيف: «كذلك ارتفعت الرسوم الحكومية وأقساط الجامعات، وكأن الحكومة تريد استرداد المبالغ الطائلة التي أنفقتها خلال إغلاق (كورونا) على الناس والشركات».

ما يتمناه ديفرين وكل البريطانيين وسواهم من سكان دول العالم يحتاج إلى «معجزة مالية ونقدية»، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي إسلام الشافعي لـ«الشرق الأوسط».

ويوجز الشافعي، الذي يتابع الاقتصاد العالمي من مكان إقامته في نيويورك، ما أصاب العالم خلال هاتين السنتين بالأرقام والوقائع، قائلاً: «تسببت الحرب الروسية ــ الأوكرانية في مشكلات للاقتصاد العالمي أدت إلى تباطئه، خصوصاً أن هذا الضغط جاء بعد الخروج من فترة كورونا التي أحدثت أزمة في سلاسل الإمداد وحالة من التضخم في كثير من الاقتصادات الكبرى. وعلى سبيل المثال، وصل التضخم في بريطانيا إلى 11 في المائة، وهذا من أعلى معدلات التضخم المتوقعة لدولة صناعية مثل بريطانيا لكنه عاد وانخفض إلى 2 في المائة في مايو (أيار) الماضي فيما سمي إعجازاً نقدياً ومالياً.

ذلك مع العلم أن انخفاض التضخم لم ينعكس على السلة الاستهلاكية للبريطانيين التي ترتفع سلعها بوتيرة بطيئة. وكذلك أصاب التضخم أميركا، إذ توقع البنك الدولي تراجع الاقتصاد الأميركي من 5.7 في المائة إلى 1.6 في المائة، وتراجع الاقتصاد الصيني، (مصنع العالم) من 8.1 في المائة إلى 3.2 في المائة».

وبعد كورونا فوراً، جاءت الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وهما دولتان ذواتا مشاركة كبيرة جداً في حجم التجارة العالمية، فتعاظمت مشكلة الإمدادات وتعطلت سلاسلها نتيجة الحرب التي لم تقتصر تداعياتها على مسألة الحبوب وزيوت الطعام، بل على سبيل المثال أيضاً تسببت في إغلاق جزئي لصناعة السيارات في ألمانيا، وكذلك تأثرت كثيراً صناعة الحديد والصلب في اليابان. حصلت اضطرابات كثيرة عالمية في الصادرات السلعية، كما حصل ارتفاع كبير في كلفة النقل، إذ فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على الطائرات والشاحنات في روسيا ما رفع تكلفة النقل 60 في المائة.

وهذا ما تؤكده دراسة حديثة نشرها «مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية»، إذ أكد أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت مزيداً من الأعباء على الاقتصاد العالمي؛ فارتفعت الديون، وزاد حجم الاستثمارات الخاصة المتعثرة، وشهدت التجارة الدولية أبطأ معدل للنمو لم تشهده منذ خمسة عقود، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة جعل من الصعب على الحكومات والشركات الخاصة الحصول على الائتمان وتجنب التخلف عن السداد. ويزداد ذلك بشكل خاص بالنسبة للعديد من الاقتصادات ذات الدخل المنخفض مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وابتعاد المستثمرين عن الأسواق الناشئة خوفاً من التوقعات العالمية الضعيفة بالفعل، والانكماش الإقليمي.

وتفيد الدراسة بأن الديون الحالية، وخاصة في شكل سندات حكومية وصكوك، تتعرض لضربة قوية بالفعل مع انخفاض قيمتها في التداول، حيث تفيد التقارير بأن السندات السيادية في بعض الدول الأوروبية كانت من بين أسوأ السندات العالمية أداءً خلال تلك الفترة المواكبة لبداية حرب إسرائيل على غزة. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للحكومات ذات التصنيفات الائتمانية الجيدة إلى الممتازة، فإن الحكومات ذات الائتمان الأضعف ستشهد خصم الديون الحالية في التداول، ويصبح الوصول إلى الديون الجديدة أكثر تكلفة، وربما أكثر صعوبة في جذب المستثمرين.

إشارة أخرى للتأثير الاقتصادي ستكون في صناديق المؤشرات للأسهم في الأسواق الناشئة، مما يعني أن الشركات المدرجة في البورصات الإقليمية مدرجة في المؤشرات الرئيسية، مثل مؤشر MSCI. وقد انخفضت أسهم الأسواق الناشئة في MSCI بنسبة 1 في المائة تقريباً في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بسبب التوترات في الشرق الأوسط والصراع المحتمل.

لاعبان كبيران

للحرب الروسية تكلفة كبيرة على أكثر من صعيد، وتقدر بمليارات الدولارات. وفيما لم تعلن الدول الخسائر التي تكبدتها، فإن «سكاي نيوز» نقلت في فبراير (شباط) الماضي تصريحاً لمسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية (لم تذكر اسمه) قال فيه إن روسيا أنفقت على الأرجح 211 مليار دولار على تجهيز أفراد قواتها ونشرهم وصيانة أسلحتهم لتنفيذ عمليات في أوكرانيا، وإن موسكو خسرت أكثر من 10 مليارات دولار بسبب إلغاء صفقات أسلحة أو تأجيلها، مضيفاً أن «الحرب كلفت روسيا نحو 1.3 تريليون دولار من النمو الاقتصادي المتوقع حتى عام 2026».

محصول قمح يتم جمعه في حقل قرب كييف على رغم الحرب الروسية على أوكرانيا (أ ف ب)

جاء التصريح الأميركي فيما كانت إدارة الرئيس جو بايدن تمارس ضغوطاً على مجلس النواب الأميركي لقبول حزمة من المساعدات الأمنية الدولية بقيمة 95 مليار دولار لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان.

لماذا كان للحرب الروسية ــ الأوكرانية كل هذا التأثير؟ يضيف الشافعي قائلاً: «لأن روسيا وأوكرانيا لاعبان دوليان كبيران في الاقتصاد العالمي؛ يسيطران على 53 في المائة من التجارة العالمية لزيت الطعام والحبوب، ويستحوذان على 27 في المائة من تجارة القمح العالمية. وهذه نسب كبيرة جداً. ويضاف إلى ذلك توقف صادرات النفط الروسي، التي تشكل 12 في المائة من السوق العالمية للنفط، وكذلك المشتقات النفطية التي تشكل 15 في المائة من تجارة العالم. توقّف هذه الصادرات أدى إلى عجز كبير، ومن ثم ارتفاع كبير في الأسعار. أوروبا تستورد 45 في المائة من حاجتها للنفط والغاز من روسيا، وتوقف ذلك ينعكس ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.

إلا أن الغاز والنفط الروسيين استمرا، رغم الحرب، في التدفق إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب الأوكرانية إلى مصافي التكرير في التشيك وسلوفاكيا والمجر». ووفق تقرير لمجلة «إيكونوميست»، فإن أوروبا كانت تعتمد على روسيا في 40 في المائة إلى 45 في المائة من وارداتها من الغاز ونحو ربع نفطها. ومنذ ذلك الحين، حاولت روسيا التنمر على أوروبا لإسقاط العقوبات الاقتصادية عن طريق خنق الإمدادات. لكن أوروبا، بدورها، فصلت نفسها تقريباً عن الطاقة الروسية. لكن ليس بالكامل، إذ يواصل الجانبان الالتزام باتفاق نقل الغاز الذي تم التوصل إليه بوساطة من الاتحاد الأوروبي لعام 2019 الذي تنتهي مدته نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتسدل معه واحدة من أقدم وأكبر الروابط الاقتصادية بين روسيا وأوروبا من خلال نقل الغاز. كييف من جهتها أعلنت أنها لن تمدد الاتفاق مع شركة «غازبروم» الروسية، فيما أكد مسؤولون روس أنه لا مفاوضات جارية مع أوكرانيا أو الاتحاد الأوروبي.

الأمن الغذائي

أما بالنسبة إلى الغذاء، فيقول الشافعي: «كل دولة تأثرت بحسب اعتمادها على نفسها، وبحسب علاقتها في الاستيراد من روسيا أو أوكرانيا. دول الشرق الأوسط تعتمد بنسبة 75 في المائة من وارداتها من القمح على أوكرانيا وروسيا. أضف إلى ذلك، محاولة الغرب مساندة أوكرانيا ضد روسيا، وهي أصلاً خرجت من فترة كورونا منهكة». وأضاف: «بالتزامن مع ذلك، ارتفعت أصوات في بريطانيا تطالب بخفض ميزانية الدفاع من أجل التخلص من حالة التضخم، على اعتبار أن بريطانيا لا تملك ما يكفي لإمداد أوكرانيا بالسلاح، فيما أميركا تعاني من ديون تبلغ 33 تريليون دولار ومشكلات داخلية وتضخم، وهي مطالبة بإمداد أوكرانيا للوقوف أمام روسيا التي تعد خصماً غير سهل. الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن نقاط الضعف في التصنيع العسكري في دول الاتحاد الاوروبي وأميركا أيضاً. وكل ذلك شكل ضغوطاً رهيبة على ميزانيتها التي كانت أصلاً مضغوطة».

من جانبه، يؤكد الخبير الدولي في الأمن الغذائي مهاب فؤاد الأعور لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الأمن الغذائي العالمي تتأثر بشكل كبير في الجائحات والأزمات العالمية بين الدول، مشيراً إلى أن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تركت صدمة في أسواق السلع الغذائية وأضعفت التعافي عقب جائحة كورونا، حيث أسهمت في حدوث ركود اقتصادي وارتفاع للأسعار خلال الأعوام الماضية متأثرة بضعف الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والطاقة، وتقويض فرص العمل والدخل للأشخاص الأكثر ضعفاً، وهو ما حال دون حدوث انخفاض في معدلات الجوع المستهدفة عالمياً، حيث توقع التقرير الأخير حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أن يعاني ما يقرب من 600 مليون شخص من نقص تغذية مزمن في عام 2030. وهو ما يزيد بنحو 23 مليوناً لو لم تحدث الأزمة الروسية الأوكرانية.

ويقول الأعور: «إن دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل كبير على روسيا وأوكرانيا، حيث تأتي مصر في مقدمة دول الشرق الأوسط التي تعتمد على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بما يساوي 23 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2020، وتليها السعودية بمبلغ 17 مليار دولار في الفترة نفسها، وبعدها تركيا بحوالي 12.5 مليار دولار، ثم المغرب بمبلغ 8.7 مليار دولار، والإمارات بـ6.1 مليار دولار، والجزائر بمبلغ 5.5 مليار دولار في الفترة بين عامي 2016 و2017، ثم تونس والسودان والأردن واليمن وليبيا وفلسطين والكويت وقطر وعمان».

اتفاق الحبوب

وكانت روسيا وافقت على صفقة مع أوكرانيا، بوساطة تركيا والأمم المتحدة، تقضي بتسهيل مرور الصادرات الزراعية الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود لمدة عام انتهى في يوليو (تموز) 2023. وتجرى حالياً مفاوضات لإعادة تفعيل الاتفاق الذي قضى بعودة حجم صادرات الحبوب الأوكرانية إلى مستوى ما قبل الحرب؛ أي تصدير 5 ملايين طن متري شهرياً، وتضمن الاتفاق عدة بنود وقَّع عليها الأطراف الأربعة.

ونصَّ الاتفاق على أنه يقضي بتفتيش السفن المشاركة في تصدير الحبوب الأوكرانية عند الدخول والخروج من البحر الأسود للتأكد من عدم حمل أسلحة على متنها، وهذا ما قد أعلن عنه أطراف الاتفاق، كما تضمن الاتفاق أنه تُصدر الحبوب من خلال ثلاثة موانئ بحرية هي: أوديسا، ووچورنوموركس، ويوزهنو، على أن تكون تلك الموانئ مطلة على البحر الأسود، وأهم تلك الموانئ ميناء أوديسا الذي يطل على البحر الأسود.

متى التعافي؟

هل هناك أمل بالتعافي القريب؟ يجيب الشافعي: «التعافي يكون في كل دولة بحسب وضعها وإمكاناتها وقدراتها على التعامل مع الصدمة. هناك دول بدأت تتحدث عن تعاف مثل بريطانيا التي أفادت آخر الأرقام بأن التضخم فيها نزل من 11 في المائة إلى 2 في المائة، وهذا أكبر معدل هبوط للتضخم على مدار 50 سنة، لكن التأثير سيبقى قوياً ما دامت هاتان الحربان قائمتين».

عمال يجلسون أمام لافتة كُتب عليها: «أوقفوا وحش التضخم» في ميناء هامبورغ (رويترز)

أما الأعور فيؤكد أن «الأزمة تسببت في تباطؤ التعافي في عام 2022 بنسبة نقطة مئوية واحدة حيث سجل 3.4 نقطة مئوية فقط. كما أن مؤشر منظمة الفاو لأسعار الأغذية قفز لأعلى مستوى له على الإطلاق في مارس (آذار) 2022. وهو ما رفع فاتورة واردات الأغذية في العالم لأعلى مستوى لها في 2022، كما شهدت فاتورة واردات المدخلات الزراعية العالمية زيادة بنسبة 48 في المائة لتصل إلى 424 مليار دولار أمريكي في العام نفسه. وارتفعت معدلات التضخم طوال عام 2022 في جميع الاقتصادات تقريباً، وتجاوز التضخم الكلي العالمي 9 في المائة خلال النصف الثاني من العام، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1995».

وتأتي أهمية الأزمة لكونها شملت اثنين من منتجي السلع الرئيسيين في العالم، حيث كانا في 2021 من بين أكبر ثلاثة مصدرين عالميين للقمح والذرة وبذور اللفت وأقراص بذور دوار الشمس. كما أن روسيا تعدّ مصدراً بارزاً للأسمدة. وفي الفترة بين عامي 2016 و2021، أنتجت أوكرانيا وروسيا أكثر من 50 في المائة من إمدادات العالم من بذور دوار الشمس، و19 في المائة من الشعير في العالم، و14 في المائة من القمح، و30 في المائة من صادرات القمح العالمية، مع اعتماد ما لا يقل عن 50 دولة على روسيا وأوكرانيا للحصول على 30 في المائة أو أكثر من إمدادات القمح.

وفي تقرير منفصل، رفعت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو)، توقعاتها للإنتاج العالمي من الحبوب في 2024 بنحو 7.9 طن بزيادة 0.3 في المائة لتصل إلى 2.854 مليار طن بزيادة طفيفة على مستويات 2023 ليسجل أعلى مستويات له على الإطلاق.

ويضيف الأعور: «تم اتخاذ إجراءات لمواجهة التحديات عبر استراتيجيات لتغيير النظم الغذائية والعمل على توفير أنظمة غذائية صحية مستدامة وميسورة التكلفة، وتشمل دمج السياسات الإنسانية والإنمائية وسياسات بناء السلام في المناطق المتضررة من الصراعات، وتعزيز قدرة الفئات الأكثر تضرراً على مواجهة الأزمات الاقتصادية، والمشاركة في إدارة سلاسل الإمداد الغذائي لخفض تكاليف المواد الغذائية، وحل مشكلة الفقر وعدم المساواة، وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلك لتعزيز الأنماط الغذائية ذات الآثار الإيجابية على صحة الإنسان والبيئة، فضلاً عن السياسات التي تم اتخاذها في كل بلد على حدة لمواجهة تلك المشكلات».

النداءات الإنسانية

أطفال فلسطينيون يبحثون عن بقايا طعام في القمامة في منطقة دير البلح بعد انتشار المجاعة جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة (دي بي أي)

الأزمات التي تعاني منها الدول، خصوصاً الدول المانحة، انعكست سلباً على مساعدة الفئات الأكثر تضرراً من الحروب. ويقول الشافعي: «في بداية الحرب الروسية – الاوكرانية غادر أوكرانيا 7 ملايين شخص إلى دول أوروبا. والأمم المتحدة تقول إن هناك 15 مليوناً في حاجة إلى الغوث. ومن ثم فهذه الحرب سببت ضغطاً شديداً على هذه الدول التي لديها مشكلاتها ومصاعبها المالية، ما جعل نداءات الأمم المتحدة لتمويل اللاجئين تقابل باستجابات ضعيفة جداً. وإذا أضفت إلى ذلك حركة اللجوء الفلسطيني الآن والاحتياج الإنساني نتيجة الحرب الإسرائيلية على غزة وضرب منظمة أونروا وما إلى ذلك، فهي تحتاج إلى مصاريف أكثر ودعم أكبر».

تأثير حرب غزة

وبالنسبة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن تأثيرها المباشر والكبير كان على إسرائيل نفسها، إذ تعطل الاقتصاد الإسرائيلي وتكبد خسائر فادحة، حيث أظهرت معطيات بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حتى نهاية مارس 2024، بلغت أكثر من 270 مليار شيقل (73 مليار دولار).

وبحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، فإن كلفة الحرب اليومية منذ 7 أكتوبر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2023، بلغت مليار شيقل يومياً (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيقل (94 مليون دولار).

لكن تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي نتج عن الهجمات المستمرة لـ«الحوثيين» (الانقلابيين اليمنيين) على السفن في البحر الأحمر، ما تسبب في تراجع حركة مرور السفن بشكل كبير، وانخفض حجم التجارة في مضيق باب المندب، الذي تمر عبره السفن للوصول إلى قناة السويس من المحيط الهندي، بنسبة كبيرة.

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس المصرية أسامة ربيع، في أحدث بيان، بأن عدد السفن التي تستخدم القناة انخفض إلى 20148 سفينة في عام 2023-2024 من 25911 سفينة في العام المالي الذي سبقه 2022-2023، وبالتالي تراجعت إيراداتها إلى 7.2 مليار دولار من 9.4 مليار دولار .

وقدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (ومركزها باريس)، الاثنين 5 فبراير 2024، أنّ الارتفاع الأخير في أسعار الشحن البحري قد يؤدي إلى زيادة تضخم أسعار الواردات في بلدان المنظّمة الثمانية والثلاثين بنحو 5 نقاط مئوية إذا استمرت هذه الزيادة بأسعار الشحن، وفق ما نقلت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية المختصّة بالاقتصاد.

سفينة تحمل حاويات تمر عبر قناة السويس المصرية (الموقع الإلكتروني لهيئة قناة السويس)

يعلق الشافعي على ذلك بالقول: «بالنسبة إلى حرب غزة ما كان ليكون لها تأثير دولي لولا التحرك الإيراني في الأساس، الذي ينفذه الحوثيون في البحر الأحمر، لعرقلة الملاحة فيه. قناة السويس يمر فيها 12 في المائة من التجارة العالمية، ومن هنا جاء التأثير على 12 في المائة من حركة التجارة العالمية. ووفق بيانات هيئة قناة السويس، فإن مرور السفن ناقلات المستوعبات انخفض بنسبة 67 في المائة، ومن ثم فإن هذه السفن أصبحت تتفادى المرور في البحر الأحمر وتذهب عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد كلفة النقل نتيجة زيادة المسافة التي أصبحت تقطعها 6 آلاف كيلومتر و15 يوماً في الملاحة، ومن ثمّ زيادة في استهلاك الوقود والوقت في إيصال البضائع، ما انعكس سلباً على التجارة العالمية، إضافة إلى تسديد المستهلكين هذه الأثمان الإضافية».

وعلى الرغم من تأزم الأوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم، فإن صندوق النقد الدولي يرى أن هناك تعافياً عالمياً مطرداً «لكنه بطيء ويختلف من منطقة إلى أخرى». ويقول الصندوق في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي 2024 – 2025» الصادر في أبريل (نيسان) الماضي: «تشير تنبؤات السيناريو الأساسي إلى استمرار نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.2 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وتراجع التضخم العالمي باطراد، من 6.8 في المائة في 2023 إلى 5.9 في المائة في 2024، و4.5 في المائة في 2025، مع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات التضخم المستهدفة في وقت أقرب من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ومن المتوقع بوجه عام أن يشهد التضخم الأساسي تراجعاً بشكل أكثر تدرجاً.