ليبيا.. ما بعد الصخيرات

التوقيع خطوة أولى في مسار شاق

ليبيا.. ما بعد الصخيرات
TT

ليبيا.. ما بعد الصخيرات

ليبيا.. ما بعد الصخيرات

رغم ظهور شكوك في الأجواء، فإن غالبية الأطراف المعنية بالوضع الليبي ما زالت تعرب صراحة عن سعادتها بما جرى السبت الماضي في بلدة الصخيرات المغربية من توقيع مبدئي على أول اتفاق من نوعه بين المتخاصمين في طرابلس وبنغازي وطبرق وغيرها من المدن الليبية. مدن تكتسي جدرانها بالدخان وآثار الحرب. يقول عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن مع الحوار». إلا أنه يضع في نهاية الجملة كلمة «لكن» مثل العديد من القادة هنا.

* اليوم، وبعد نحو أربع سنوات من سقوط حكم العقيد الليبي السابق معمر القذافي، يمكن أن تتحسس رياح التفاؤل الحذر وهي تهب من ساحل البحر المتوسط، وتحمل البشرى لهذه الصحراء الغنية بالنفط، ومعها الثناء على ما بذله ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، برناردينو ليون، من جهود. ليون دبلوماسي إسباني، أشرف بطول صبر على جمع الفرقاء الليبيين طيلة الشهور التسعة الماضية، إلى أن تنفس الصعداء وهو يشهد الأيدي توقع بالأحرف الأولى على الاتفاق. لكن، كما يقول هو نفسه، ما زال هناك الكثير مما يجب القيام به حتى ينعم الليبيون بالأمن والاستقرار.
على الجانب الآخر، أي على أرض الواقع حيث رائحة البارود وتكتكة الأسلحة، أصبح في الإمكان رؤية أرتال السيارات المموهة للمتطرفين وهي تتحرك بالأعلام السوداء لبسط النفوذ على منابع النفط. حين تنجو من بوابة للجماعات المتطرفة وتصل لمسؤول حكومي أو برلماني، وتسأله عن اتفاق الصخيرات، يشير بإصبعه إلى الدروب التي يتحرك فيها المتشددون الرافضون لأي حوار أو حل سياسي. يقول النائب إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية في البرلمان، لـ«الشرق الأوسط»: «بينما نحن مشغولون بالحوارات يتوسع (داعش) على الأرض، ويلتف الآن للسيطرة على الهلال النفطي». ويضم هذا الهلال الجغرافي أكثر من 60 في المائة من نفط ليبيا.
وهذه من بين مجموعة عقبات وتحديات تواجه ليبيا. تدور تساؤلات حول من سينتصر ويؤمِّن بيع النفط ويوفر حاجات الناس التي بدأت تنفد، من غذاء وكهرباء ومياه. نجاح السياسيين والمتطرفين في هذه المعادلة سيحدد وضع ليبيا في مرحلة ما بعد الصخيرات. أو كما تسمع من عدة قادة يرابطون على جبهات المعارك: «التوقيع وحده ربما لن يكون كافيا للوصول إلى بر الأمان». في الحقيقة لا يبدو القلق من «داعش» وغيره من تنظيمات متشددة، لكن المشكلة أكبر من ذلك.
وهناك معضلة الموقف من قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر.. هل سيبقى أم سيخرج من المشهد كما يريد ممثلو الميليشيات المتطرفة الذين يرتدي بعضهم عباءة «مدينة مصراتة» وقوات «فجر ليبيا» و«المؤتمر الوطني المنتهية ولايته (البرلمان السابق)، كما يقول لـ«الشرق الأوسط» الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، المستشار القانوني للجيش. فهؤلاء المتطرفون بميليشياتهم يتمركزون في طرابلس ولهم أنصار يحملون الأسلحة المتوسطة والثقيلة في مدن بنغازي ودرنة وسبها. ليس من الواضح كيف سيكون الحال عند تنفيذ الاتفاق على الأرض.
هناك أيضا مشكلة اقتراب الموعد القانوني لانتهاء أعمال البرلمان الحالي، في 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهناك خياران بين التمديد له وإجراء انتخابات جديدة في ظروف صعبة وسط حالة الانفلات الأمني. السؤال الأهم: هل سيشارك ممثلو المؤتمر في اللقاء المقبل والحاسم في الصخيرات.. وهل ستشارك القبائل المحسوبة على نظام القذافي في آخر لحظة.. وما هي طريقة حل الخلافات بين المتحاورين بشأن بنود معلقة مثل صلاحيات المجلس الأعلى للدولة، وكيفية تسليم الأسلحة ودمج عناصر الميليشيات في المؤسسات الرسمية وفي الجيش والشرطة؟
يمكن أن تقول، مثل العديد من وجهاء القبائل، إن الحوار الذي بدأ أولا في مدينة غدامس في غرب البلاد في الخريف الماضي، برعاية ليون، كان يدور بالأساس بين شركاء ثورة فبراير (شباط) التي قضت على القذافي. هؤلاء الشركاء، وهم جماعة الإخوان ومعهم الجماعات المتطرفة من جانب، والتيار المدني من جانب آخر، تخاصموا وأحرقوا بالصواريخ مدنا ومطارات ومصافي للنفط، طوال العامين الماضيين.
أما القبائل الكبرى التي جرى اتهامها من «الثوار» بأنها كانت موالية للنظام السابق، فظلت بعيدة عن مجريات التفاوض، ومنها قيادات من «ورفلة» و«ورشفانة» و«ترهونة» و«المقارحة» و«القذاذفة»، وغيرها. يقول أحد قيادات قبيلة القذاذفة والذي يقيم في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «ليون طلب في بداية الحوار أن نتصل به، لكن نحن قلنا له إن عليه هو أن يبادر بالاتصال أولا. المفترض أنه هو الذي يريدنا لإنجاح مهمته، لكنه لم يفعل».
على أي حال استمرت محاولات جمع فرقاء فبراير حول طاولة واحدة. مرة في ليبيا وأخرى في جنيف، وكذلك في الجزائر وأخيرا في الصخيرات. هذا كان أمرا صعبا. كانت معظم هذه الأطراف تخوِّن بعضها بعضا وتتهم بعضها بعضا. بكل بساطة، تتقاتل وتغزو المدن. كل جبهة تعذب من لديها من سجناء الجبهة الأخرى.
يقول أحد القادة العسكريين من الجيش الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر، لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش لم يؤخذ رأيه في هذه الحوارات». ويضيف أن الجيش، مع ذلك «مستمر في الحرب على الإرهابيين». وهو يرى أن من بين هؤلاء «الإرهابيين» قوة «فجر ليبيا» التي يشارك ممثلون عنها في حوار ليون. هذه معضلة أخرى ستظهر ملامحها عمليا في المستقبل القريب.
الجيش كما هو معلوم يعاني من نقص في التسليح، مما أدى إلى صعوبة حسم معركته مع المتطرفين. يتهم هذا القائد العسكري وهو يتحدث من مقره في رئاسة الأركان جنوب طبرق، المجتمع الدولي والأمم المتحدة بوضع العراقيل أمام شراء الجيش لحاجته من الأسلحة والذخيرة.
الأمم المتحدة تجاهلت، كما يقول المستشار عبد الكريم، تقوية السلطة الشرعية ممثلة في البرلمان والجيش، وقامت في المقابل بالتركيز على الحوار وكأنها تريد إجبار الليبيين على الرضا بحكم الميليشيات المتشددة مرة أخرى.
منذ بداية وصول ليون لليبيا بدا أن هناك اندفاعا غربيا لإنجاز مسألة الحوار بأي ثمن، رغم غياب أطراف ليبية فاعلة على الأرض. وقامت العديد من وسائل الإعلام الغربية والعربية المحسوبة على هذا الاتجاه بتخصيص مساحات واسعة من وقتها للترويج للقاءات المبعوث الأممي، حتى بدا لقطاعات كثيرة في هذا البلد أن مجرد الوصول إلى مرحلة التوقيع يمكن أن تحل المشكلة الليبية.
هناك مثل في أوساط الليبيين يقول إنه كلما انعقد اجتماع من هذا النوع وقعت مشكلة كبيرة في البلاد. تردد هذا المثل أولا حين حاول المتطرفون في طربلس ومصراتة السيطرة على حقلي الفيل والشرارة في جنوب ليبيا.. وتردد أيضا وقت أن شنت قوات المتطرفين أنفسهم تحت اسم «قوات الشروق» هجوما داميا لاحتلال منابع النفط قرب بلدة النوفلية.. ثم تردد المثل نفسه أخيرا حين توسع «داعش» فجأة، منذ يوم السبت الماضي، في منطقة الهلال النفطي. وبطبيعة الحال، كما يقول أحد نواب البرلمان: «هذه مجرد مزحة عامة تعكس ما يشعر به الليبيون من مرارة وعدم ثقة في ما يجري بشأن دولتهم».
فور توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى في الصخيرات أعلنت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني الترحيب به، وأصدرت بيانا قالت فيه إنه خطوة على بداية الطريق الصحيح لخروج ليبيا من أزمتها، ودعت جميع الأطراف لتغليب مصلحة الوطن، للوصول لاتفاق شامل يؤسس لحكومة وفاق وطني تقود الليبيين في معركتهم ضد الإرهاب. كما رحب بالاتفاق عدد من دول الجوار وسفراء دول غربية.
المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، بدر عبد العاطي، نقل في بيان رسمي ترحيب القاهرة بتوقيع الاتفاق ووجه التحية لـ«الموقف الإيجابي والشعور بالمسؤولية الذي تحلى به المشاركون في الحوار»، ولـ«الجهود الكبيرة» التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة وعلى رأسها ليون للوصول إلى «هذه النتيجة الإيجابية». كما عبرت مصر عن «خالص تقديرها للمملكة المغربية الشقيقة على دورها في استضافة الأطراف الليبية المتحاورة». وأشار بيان عبد العاطي إلى «أهمية الدور الذي لعبته دول جوار ليبيا في توفير الظروف التي أدت إلى التوقيع على هذا الاتفاق».
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن الاتفاق يضع حلا سلميا للأزمة الليبية. وحضر مراسم التوقيع في حفل رسمي بالصخيرات سفراء ومبعوثون من دول كبرى، إضافة إلى شهود ليبيين من عدة مجالس محلية وأحزاب، بينما قاطعها المؤتمر الوطني واكتفى بإرسال رسالة إلى ليون أكد فيها على استمراره في الالتزام بمبدأ الحوار كأساس للحل، واستعداده للحضور في الجولة المقبلة لتقديم تعديلات يرى أنها جوهرية لإنجاح الحوار.
التوقيع في حد ذاته أشاع أجواء جديدة وبوادر انفراجة، وأوضح بحسب عدة أطراف متخاصمة أنه لا يمكن لفصيل واحد حل مشكلة ليبيا بمفرده. هذه لغة إيجابية لم تكن معتادة في خضم الصراع بالمدفعية والراجمات. كما وصف أحد المشاركين من مصراتة، وهو النائب فتحي باشاغا، توقيع المسودة بأنه إنجاز وطني يجدر الاحتفاء به، من أجل الوصول لاتفاق نهائي وتشكيل حكومة وفاق. بيد أن هناك من ينظر للصورة من زاوية مختلفة، ويخشى من تعقيدات الواقع عند الدخول في تفاصيل التنفيذ مستقبلا. يقول عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان: «نحن لسنا ضد أي اتفاق أو صلح من شأنه أن يمضي بليبيا إلى بر الأمان. ومع ذلك أعتقد أن التوقيع بالأحرف الأولى لا يعني التوقيع النهائي. البرلمان هو الذي سيقرر كيف ستسير الأمور».
يشير عبد المجيد هنا إلى مخاوف من أن تنفرد حكومة الوفاق المقترحة في مسودة الصخيرات بمصير الجيش. ويرى أن الكلمة النهائية في هذا الأمر لا بد أن تستمر في يد البرلمان.. «هناك ثوابت لدى البرلمان. أولا: منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة يكون للبرلمان ورئيسه. حتى لو تغير الوضع وأصبح رئيس الحكومة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فلا بد أن يكون اختيار هذه الحكومة ورئيس الوزراء من المجلس المنتخب، وليس من أي جهة أخرى. البرلمان سيستمر كجهة وحيدة مخول لها منح الثقة للحكومة أو سحب الثقة منها».
وعما إذا كان يخشى من تأثير تنفيذ اتفاق الصخيرات على الجيش، يقول: «لا أحد يستطيع أن يصدر قرارات بإلغاء تكليف القائد العام للقوات المسلحة إلا البرلمان». مثل هذا الشعور بالخوف على مؤسسة الجيش من التفكك مجددا بعد أن جرت إعادة بنائها مطلع العام الماضي موجود لدى قادة آخرين في مجلس النواب والقوات المسلحة. ويتابع عبد المجيد قائلا: «أنا كمواطن ليبي أقول لك إنه على الجميع أن يفهم أن الجيش خط أحمر، وأمن ليبيا خط أحمر، وشرعية البرلمان خط أحمر. لن نتنازل عن البرلمان الشرعي المنتخب من الشعب، ولن نتنازل عن الجيش، ولا عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولن نعطي هذه السلطة للإرهابيين مرة أخرى، ولن نسمح مرة أخرى للإخوان ولأتباع الإخوان بالتلاعب بأمن ليبيا».
واعتاد خصوم القبائل المحسوبة على نظام القذافي وصفها بـ«الأزلام»، رغم أنها قبائل كبيرة ولها تأثير في مجريات الأمور. ويستشعر بعض زعماء هذه القبائل بأنه يوجد إصرار من جانب «الثوار» على أن تقتصر عملية الحوار على قادة «17 فبراير». لكن المستشار عبد المجيد يرى أن هذه أمور تجاوزها الزمن، ويأخذ على حوار الصخيرات عدم مشاركة القبائل الرئيسية فيه.. «كان يفترض أن تشارك هذه القبائل في حوار ليون. هذا إذا كانت تريد نجاح الحوار من دون استثناء». ويقول: «(17 فبراير) ليست قرآنا. نحن اليوم نريد أن نبني دولة قانون.. ولذلك المقاضاة تكون لمن أجرم في حق الشعب فقط، وليس معاقبة كل الليبيين».
النائب عميش يمثل مدينة بنغازي في البرلمان، ويرأس فيه لجنة العدل والمصالحة الوطنية، وينظر للتوقيع في الصخيرات بتشكك وهو يرصد التطورات في بلاده، ويقول إن «الموضوع برمته حتى الآن ينحصر في أنه لا يوجد حسن نية». ويضيف: «بينما نحن مشغولون بالحوارات والمصالحة الوطنية، يتوسع تنظيم داعش على الأرض.. لقد سيطر أخيرا على سرت وعلى القرضابية وعلى معسكرات كاملة، ويلتف الآن لابتلاع الهلال النفطي بأكمله بما فيه من موانئ لتصدير البترول. أنا أشكك في النوايا الدولية تجاه ليبيا».
من بين المخاوف التي يشعر بها النواب وجود اتجاه يتبناه قطاع من المتشددين في طرابلس، يتحدث عن انتهاء مدة عمل البرلمان في 21 أكتوبر المقبل. لكن عميش يقول إن «هذا الكلام غير صحيح، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تقول إنه كلام غير شرعي، لأن الوضع يتطلب إنهاء بعض المهام، وهذه المهام تتعرض للإعاقة من البعض حتى داخل البرلمان نفسه»، وهو يشير في هذا الصدد إلى تشريعات ينبغي الانتهاء منها لحماية الدولة من أي احتمال لحدوث فراغ في السلطة. حول هذه النقطة يشدد المستشار عبد المجيد على أن البرلمان لن يسلم السلطة النيابية إلا لمجلس منتخب، ويضيف أن هذا يتطلب إجراء انتخابات، وهو أمر «صعب في ظل الأوضاع الأمنية المتردية في عموم ليبيا.. هل نسلم السلطة لـ(الإخوان) والمتطرفين و(داعش)؟».
من جانبه، يعتقد المستشار عبد الكريم أن مسودة الصخيرات ستعيد الميليشيات المسلحة التي يديرها المتطرفون لحكم البلاد بعد أن أسقط الليبيون ممثليها في انتخابات المؤتمر المنتهية ولايته، مشيرا إلى أن «الشعب التف حول الجيش بعد أن رأى الفوضى على يد هذه الميليشيات. ما أراه اليوم هو محاولة لإعادة حكم ليبيا للمتطرفين». رغم التشدد من بعض الأطراف سواء في الجبهة الغربية التي يهيمن عليها «الإخوان» وقادة الميليشيات، أو الجبهة الشرقية التي يوجد فيها البرلمان ويتركز فيها الجيش، فإن الحوار في حد ذاته أدى إلى فتح العديد من الثغرات من أجل البحث عن مخرج.
تقول مصادر على صلة بمفاوضات الصخيرات إنه سيجري وضع النقاط الخلافية في الاعتبار، بما فيها محاولة إدخال عناصر فاعلة أخرى مثل باقي القبائل وقادة من القوات المسلحة، ضمن مخرجات الاتفاق النهائي حتى يكون قابلا للتنفيذ، خاصة أن ليون نفسه أعلن أنه سيعقد اجتماعا آخر مع كل الأطراف قبل التوقيع النهائي، داعيا كل من لم يستطع الحضور في اجتماع الصخيرات الأخير للمشاركة لمواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.

* الأطراف الليبية في الصخيرات.. وخارجها
* أهم الأطراف التي شاركت في التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق الصخيرات: «البرلمان» و«مجموعة من النواب المقاطعين لجلساته (أغلبهم من مصراتة)»، و«مجموعة المستقلين»، وغالبية «الأحزاب الليبية» وبعض من ممثلي «المجالس البلدية».
* المؤتمر الوطني المنتهية ولايته (البرلمان السابق) شارك في معظم جلسات الحوار لكنه لم يحضر توقيع مسودة الصخيرات، بسبب وجود خلافات بين أعضائه حول بعض البنود، وقال إنه سوف يتقدم في وقت لاحق بتعديلات يرى أنها لازمة من أجل إنجاح الاتفاق.
* انطلاق الحوار بقيادة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة برناردينو ليون منذ أواخر العام الماضي، تسببت في تغيير الكثير من المواقف التي كانت متشددة خاصة بين قادة الميليشيات العسكرية المحسوبة على مدينة مصراتة وفجر ليبيا، مما أدى إلى انسحاب بعض هذه الميليشيات من تحت عباءة القادة المتشددين، والانحياز لموقف المجلس البلدي لمصراتة الرافض للاقتتال والتطرف.
* يقوم عدد من نواب البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق بمحاولات للوساطة مع أطراف من مصراتة وأخرى قبلية وعسكرية لديها تحفظات على حوار الصخيرات، من أجل تغيير مواقفها، والتوصل لحلول وسط، والمشاركة في إنجاز الاتفاق النهائي. وجانب من هذه اللقاءات بدأ الترتيب له ليكون في القاهرة خلال عيد الفطر هذا الأسبوع.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».