الاقتصاد العالمي بين ناري الحروب... والصراعات الجيوساسية

أصبح أكثر عرضة للتهديد من حيث المخاطر النابعة من الولايات المتحدة والصين ومناطق الصراع والمنافسة العالمية

يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد العالمي بين ناري الحروب... والصراعات الجيوساسية

يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)
يودع لبنان 2022 بأكثر الأزمات الاقتصادية سوءاً وسيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية (أ.ف.ب)


ثمة مقولة شهيرة مفادها أنه «عندما يعطس الاقتصاد الأميركي، تصاب الأسواق الناشئة بالبرد». قد يكون الاقتصاد العالمي الآن أكثر تعقيداً، فهو أكثر مرونة من حيث المناطق التي ينشأ فيها نمو اقتصادي جديد، لكنه أصبح أكثر عرضة للتهديد من حيث المخاطر النابعة من الولايات المتحدة والصين، وأيضاً مناطق الصراع والمنافسة الجيوسياسية.
التضخم هو الخطر المباشر، لكن توقعات النمو العالمي تبدو أكثر تفاوتاً، حيث تواجه المحركات التقليدية للابتكار والاستثمار من الغرب الآن انحساراً ديموغرافياً طويل الأمد، إلى جانب المشاعر القومية المتزايدة، والسياسات التجارية والصناعية الحمائية. إن جائحة «كوفيد - 19»، وروسيا التي تشن حرباً في أوروبا، وعدم الثقة في النموذج الاقتصادي للصين، تؤثر جميعها على التقييمات الاستراتيجية الغربية، لكن الخط البياني لتراجع النمو والإنتاجية بات جلياً منذ زمن ليس بالقصير. ففي العالم الغني، بين عامي 1980 و2000، نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في المتوسط بنحو 2.25 في المائة، لكن في العشرين عاماً الماضية انخفض هذا النمو إلى النصف.

تحديات المنطقة العربية

فيما يخص المنطقة العربية، سيجلب عام 2023 مجموعة من التحديات الجديدة لتحقيق التوازن بين فرص تحقيق عائدات موارد مرتفعة، والضغوط التضخمية الهيكلية المتزايدة، واتساع الفجوة بين مستوردي ومصدري الطاقة. الجانب الإيجابي هو أن الوقت الحالي يمثل فرصة هائلة لبعض الدول العربية لتولي أدوار قيادية في الاستثمار الإقليمي والعالمي لتسريع التقنيات الجديدة لتلبية بعض احتياجاتنا الملحة من الطاقة.
فيما يتعلق بالمستثمرين، ستستمر الحرب في أوكرانيا في فرض تداعياتها على الاقتصاد العالمي، سواء فيما يخص تدفقات الطاقة أو الإمدادات الغذائية. ومن شأن التوترات بين الولايات المتحدة والصين أن تضيف سيناريوهات محتملة لتصعيد المخاطر، فضلا عن فشل مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران والواقع الجديد لسباق التسلح النووي في الشرق الأوسط. بالنسبة للولايات المتحدة، يجب أن تتغير سياستها في الشرق الأوسط، مما يستلزم نوعاً جديداً من المشاركة الاقتصادية والأمنية في جميع أنحاء المنطقة العربية.

إدارة الديون المصرية ستشكل في 2023 ضغوطاً مستمرة ولن تتم تسويتها من خلال  الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فقط. الصورة لسفينة تجارية تعبر قناة السويس في 2022. (أ.ف.ب)

في الأسواق، ما يحدث في الولايات المتحدة وقرارات «لجنة السوق المفتوحة» التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي، سيستمر في التأثير على التكاليف العالمية للاقتراض. وبالنسبة للاقتصادات العربية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي، فإن قوة الدولار الأمريكي، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، تخلق بعض التحديات أمام السيولة المصرفية المحلية. أما الاقتصادات العربية الأضعف، فستشكل القدرة على تحمل الديون تحديا ملحا أمام حكوماتها، وستغير علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية، وكذلك مع جيرانها الخليجيين المستعدين لتوفير ودائع البنوك المركزية ومقايضات العملات والتزامات الاستثمار الأجنبي المباشر.

النفط والأسواق

لا تزال النجاعة الاقتصادية للمنطقة العربية مرتبطة بأهواء أسواق السلع العالمية، خاصة النفط والغاز. ولا نعلم حقا الى أي مدى سيكون التباطؤ الاقتصادي العالمي في المستقبل، أو مدى تأثيره على الطلب على الطاقة عام 2023. فيما يرتبط بالنفط، لا نعلم مدى سرعة تعافي الطلب في الصين، لكن الخبر السار أن أسعار النفط لا تزال في وقتنا الحالي عند مستويات تتجاوز المستويات المالية لدول مجلس التعاون الخليجي ومستويات التعادل. كانت السياسة المالية أكثر تقييدا مما كانت عليه خلال موجات المكاسب غير المتوقعة السابقة، كما أن الجهود الجديدة في تحصيل الضرائب ونمو نشاط قطاع السياحة والخدمات في دول مجلس التعاون الخليجي تخفف من احتمال حدوث انهيار على الجانب الآخر من هذا التأرجح في سوق النفط.
ولعل الأهم من ذلك التحول في الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ لم يشهد نطاق الاستثمار الخليجي اتساعا وتحولا في الاقتصاد العالمي كما يحدث الآن. وبحسب تقديرات أحد البنوك الاستثمارية الرائدة، من المتوقع حدوث سيناريو تصاعدي ترتفع فيه أسعار نفط برنت بشكل مطرد على مدى السنوات الثلاث المقبلة إلى 120 دولارا للبرميل، وقد تصل قيمة الأصول الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 6 تريليونات دولار. إلا أنه حتى مع سيناريو انخفاض أسعار النفط بشكل كبير إلى مستويات 40 دولارا للبرميل، فإن قيمة الأصول في دول مجلس التعاون الخليجي ستستقر عند مستوى كبير للغاية يبلغ حوالي 5 تريليونات دولار.
كذلك أخذ إنتاج النفط العالمي في التحول مع تغير منحنى التكلفة للقيود المالية والتنظيمية، ما يخلق ميزة للمنتجين الخليجيين المهيمنين الراغبين في الاستثمار في الإنتاج. كما أنه يجعل سياستهم في التعاون مع أعضاء أوبك أكثر تعقيدا، بالإضافة الى الولايات المتحدة التي تعد أكبر منتج للنفط في العالم. وفي الوقت ذاته، جذبت توقعات الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المنتجين العرب من شمال أفريقيا، وبلاد الشام، والخليج باتجاه أوروبا.

تكاليف الطاقة

فيما يتعلق بالمنطقة العربية، فإن التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة يزيد من التحديات الأوسع نطاقا التي تواجه التنمية البشرية. ويكشف تقرير صدر حديثاً عن «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» تراجعا حقيقيا في مؤشرات التنمية. ولا تزال الثقة في كيفية استجابة الحكومات للتحديات الاقتصادية الخارجية منخفضة ومتراجعة في المنطقة - سواء كانت هذه التحديات ناشئة عن جائحة أو ركود عالمي مقترن بضغوط تضخمية. وكشف استطلاع للرأي أجراه «الباروميتر العربي» مؤخرا أن 30 في المائة فقط ممن شملهم الاستطلاع أفادوا بوجود قدر كبير من الثقة في حكوماتهم، وفي قدرتها على الاستجابة لاحتياجات مواطنيها، وإن كان هذا لا يمنع وجود بعض الاستثناءات المحدودة. ووجد استطلاع أجراه مؤشر «إيدلمان ترست باروميتر» أن دولتين من المنطقة العربية - المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة - من بين سبع دول من أصل 27 دولة شملها الاستطلاع، تتمتعان بمستويات عالية من ثقة الجمهور.
سيكون وجود الثقة أمر حتمي في جميع الدول العربية عام 2023 في وقت تتعامل الحكومات مع مجموعة متزايدة من سيناريوهات المخاطر والتحديات الاقتصادية. في دولتين وهما، مصر ولبنان، نرى مدى تراجع الثقة، بدءا من السياسات النقدية وجهود الإصلاح المتأخرة وانتهاء بالاختلال الوظيفي العام في الحكومة.

إدارة الديون المصرية ستشكل في 2023 ضغوطاً مستمرة ولن تتم تسويتها من خلال  الاتفاق مع صندوق النقد الدولي فقط. الصورة لسفينة تجارية تعبر قناة السويس في 2022. (رويترز)

مصر ولبنان

في مصر، سيتطلب اتفاق صندوق النقد الدولي على تسهيلات مالية ممتدة بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 46 شهرا، مزيدا من المرونة في سعر الصرف من البنك المركزي والحكومة للحد من ملكية الأخيرة داخل الاقتصاد، وذلك لإفساح المجال للمزيد من مكاسب القطاع الخاص. مع هذا الاتفاق، يأتي المزيد من الدعم الخليجي، والذي شمل أيضا مزيدا من عمليات الشراء للشركات المدرجة في البورصة. في مصر، فإن أي جهود لتعويم العملة وإشراك المستثمرين الأجانب بشكل أكثر نشاطا على قدم المساواة مع الدولة سوف تتطلب أيضا جهودا لإدارة عوامل خارجة عن سيطرة الدولة، مثل السياحة من الخارج (وخاصة روسيا) وأسعار الطاقة والتحويلات. وستمثل إدارة الديون، بطبيعة الحال، ضغوطا مستمرة ولن يتم تسويتها من خلال هذا الاتفاق الوحيد لصندوق النقد الدولي.
بالنسبة للبنان، سيصادف مارس (آذار) 2023 مرور ثلاث سنوات على تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية، وهناك ثقة محدودة من جانب المواطنين أو الدائنين تجاه قدرة الدولة على التخفيف من تبعاتها. وتقلص النشاط الاقتصادي بمقدار النصف، وارتفع التضخم إلى متوسط 200 في المائة العام الماضي، وانخفضت قيمة العملة بواقع 95 في المائة من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي. وتضاعفت معدلات الفقر لتشمل 82 في المائة من السكان بين عامي 2019 و2021.
غير أن اتفاقا لبدء التنقيب عن الغاز الطبيعي وإنتاجه تحت سطح البحر بين إسرائيل ولبنان يمثل نقطة مضيئة في قدرة لبنان على كسب العملات الأجنبية من الصادرات المستقبلية، ورؤية إمكانية إدارة التوتر بين الفصائل السياسية في لبنان. وستعتمد الثقة في طول مدة هذا الاتفاق أيضا على عوامل خارجة عن سيطرة لبنان، بما في ذلك سياسات الحكومة الجديدة في إسرائيل.

ارتفاع الفائدة

في عام 2023، سيؤدي تهديد الركود الاقتصادي العالمي إلى جانب ارتفاع أسعار الفائدة إلى توسيع الفجوة بين من «يملك ومن لا يملك» في المنطقة العربية. ولكن الأهم من ذلك، سيتم اختبار الحكومات في إدارتها للمخاطر الخارجية وقدرتها على التواصل مع مواطنيها ومع شركائها الإقليميين حول المسار الذي يختارونه. لم يعد اقتصاد المنطقة يتأثر بما يحدث في الولايات المتحدة أو سياستها النقدية، وستندمج المخاطر الجيوسياسية والركود التضخمي والتحول الديموغرافي طويل الأمد في الغرب مع مجموعة ناشئة من الفرص للمستثمرين من دول الخليج والاقتصادات الإقليمية.
* كارين إي يونغ، حاصلة على درجة الدكتوراه وباحثة بارزة في «مركز سياسة الطاقة العالمية» بجامعة كولومبيا، ومؤلفة كتاب «فن الحكم الاقتصادي لدول الخليج العربي»، الذي سيكون متاحاً في الأسواق في يناير (كانون الثاني) 2023.


مقالات ذات صلة

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

الاقتصاد ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع دخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد  أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية ستكشف حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران على القطاعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

شهدت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها منذ نحو شهرين ونصف الشهر خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.