المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

تحت وطأة المعاناة الاقتصادية والأزمات

هالة كوثراني
هالة كوثراني
TT

المثقفون اللبنانيون في 2022... هجرة كتب الفكر إلى الرواية والشعر

هالة كوثراني
هالة كوثراني

في بيروت، ركّز المثقفون اللبنانيون في قراءاتهم لعام 2022 على الرواية والشعر بشكل خاص. ومن سألناهم بدوا متخففين من الكتب الفكرية والنقدية ومستسلمين لأخيلة الأدب ومتعه وألعابه اللغوية المراوغة. الكتب تتكرر والقراء من المثقفين يحبون السباحة في بحور الشعر والروايات بنصوصها الطويلة... ماذا قرأ اللبنانيون؟ هنا عتبة للإجابة:

الأديب فارس يواكيم: ما زال محفوظ الروائي المفضّل لديّ
- لم أقرأ كتاب «نسوان من لبنان» لإسكندر الرياشي في طبعاته السابقة، لكني اكتشفته في الطبعة الأنيقة التي أصدرتها «دار الجديد». سرد المؤلف بظرفه وبجرأته على التصريح بسلبياته، حكايات من المجتمع النسائي اللبناني وصلاته بالسياسي والاجتماعي، مع قدر من الخيال. وجديد الطبعة تمثّل في المقدمة التي كتبها المغدور به لقمان سليم بأسلوبه الهائم باللغة العربية.

رشا الأمير

وقرب نهاية العام، قرأت رواية «ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس» لسمير عطا الله. سردها بأسلوبه الممتع المغري الذي يجعلك لا تترك الكتاب إلا بعد قراءة الصفحة الأخيرة. تجري الأحداث في جزيرة برتغالية متخيَّلة، موقعها في ملتقى أضلاع المثلث الأوروبي - الأفريقي - الأميركي اللاتيني. لكن الخيالات أقنعة للواقع، والجزيرة موقع عزلة أو انفتاح عبر المحيط بحسب إرادة الإنسان وبحكم ظروفه السياسية والاجتماعية والنفسية.
من الرواية إلى الشعر و«خليل حاوي المنسي» (دار نلسن) أو الديوان المفقود الذي يتضمّن سبع عشرة قصيدة غير منشورة، معظمها بخط يد الشاعر، جمعها الناشر سليمان بختي من أرشيف العائلة، ومنها «يا صبية» التي عرفها الناس عندما غناها مارسيل خليفة. ومنها باللهجة العامية اللبنانية: «شو قولكم؟ قديش إلنا حباب/ غابوا وما رجعوا رجعة الغياب».

فارس يواكيم

وباللغة الإنجليزية قرأت الجزء الأول من «بيروت. 1840 - 1918. بورتريه بالصورة والكلمة الوصفية»، وهو كتاب ضخم من جزأين وبقلم كاتبين: بدر الحاج وسمير مبارك. الجزء الثاني مخصص للصور الفوتوغرافية الفريدة النادرة عن العاصمة اللبنانية في تلك الحقبة. الجزء الأول من شقّين: بدر الحاج قدّم تعريفاً مفصلاً بالمصوّرين الذين التقطوا معالم بيروت، المشهورين منهم، وغير المشهورين، وأرفق دراسته بصور نموذجية. الشق الثاني، بقلم السفير مبارك، دراسة توثيقية مكثفة لبيروت، تغطّي وتحلل معالمها الجغرافية والاجتماعية من خلال أنماط الحياة اليومية.
ومن الكتب التي أعدت قراءتها «تأملات في عالم نجيب محفوظ» لمحمود أمين العالم. وما زال محفوظ الروائي المفضّل لدي، والكتاب يعيدك إلى الثلاثية و«بداية ونهاية» و«زقاق المدق» و«أولاد حارتنا» وسائر روايات محفوظ وقصصه القصيرة.

نشأت سليمان

الروائية والناشرة رشا الأمير: كتبنا تستحق القراءة
- كثيرة هي الكتب التي تستحق القراءة والاهتمام هذا العام، ومنها إصدارات مهمة لدار الجديد: إسكندر رياشي، الصحافي التائه صاحب «نسوان من لبنان»، ولمياء المبيّض وكتابها عن ليلى والدتها وعن ساحل الأمراء ـ ساحل المتن الجنوبي، وفادي العبد الله الشاعر والناقد. البياض الباقي والهشاشة أساساً، ميشال كيلو الروائي والمحلل السياسي ـ مزار الدُّب والثورة السوريّة وبيئتها الدوليّة، وحازم صاغيّة القلم العارف، والدكتورة منى نصر الله وهي تحيّي والدتها أملي باللغة الإنجليزيّة، ووديع فلسطين في «الأديب من أين يبدأ». وقد غادرنا بعد شهر من صدور كتيّبه التكريمي.
لفتني هذا العام فوز الروائيّة الفرنسيّة أنّي إرنو بجائزة نوبل للأدب. قرّاؤها مختلفون بحدّة حولها لأسباب سياسيّة وجندريّة وأدبيّة. كتابها الأشهر عنوانه «الساحة» عن «دار فوليو» فيه تسرد وفاة والدها وعلاقتها به وبوالدتها، وكيف أتاح لها تحصيلها العلمي فرص الترقيّ الاجتماعي وما استتبعه من اغتراب عن أهلها وبيئتها.
متأثّرة باجتياح روسيا لأوكرانيا بحثت عن كتب ذات صلة بشخصيّة الرئيس فلاديمير بوتين. نصحني صديق برواية غوليانو دا إمبولي، الأولى: «إمام الكرملين» عن «دار غاليمار». الكتاب شيق ومثير، وصل إلى قائمة الغونكور القصيرة ثمّ نال جائزة الأكاديميّة الفرنسيّة.
من اكتشافات العام روائيّ فرنسي - لبناني وصلت روايته إلى قائمة الغونكور الطويلة: «بيروت على ضفاف السين» لسبيل غصوب «دار ستوك». بأسلوب لا يشبه ما اعتدناه. يستجوب الكاتب والديه فنكتشف معهما أنّ حرب لبنان أورفت في فرنسا، وأنّ الكاتب الشاب المولود في فرنسا يحمل في جيناته التراجيديا اللبنانيّة المتشعبّة. كتابٌ ذكي وحسّاس نال جائزة غونكور الطلّاب.
قبل الختام ذكر كتابين: «إبراهيم ناجي. زيارة حميمة تأخّرت كثيراً» بقلم حفيدته الدكتورة سامية محرز، صدرت عن «دار الشروق». كتاب ممتعٌ ومهمّ.
وأختم بكتاب مكرم رباح «النزاع على جبل لبنان»، وهو أطروحة أكاديميّة أثراها الباحث بمجموعة نادرة من الصور تحاول تفكيك العلاقة المركبّة بين دروز وموارنة هذا البلد.

الأديبة الروائية هالة كوثراني: استراحة كسولة في القراءة
- بعد صدور روايتي «يوم الشمس» في أواخر مارس (آذار) الماضي، استمتعت بقراءات حرّة، وغرقت في استراحة كسولة من الكتابة اليومية مكتفيةً بأن أدوّن جملاً واستنتاجات وأفكاراً من دون أن أتبع الخيط الذي بالعمل اليومي يصبح خيوطاً ثم بناءً صلباً. أذكر مما قرأته في الأشهر الأخيرة من عام 2022 كتابَ «في أثر عنايات الزيات» للشاعرة المصرية إيمان مرسال، وهو كتاب مختلف لأنه أشبه بوثائقي أدبي يطرح ثيمات يمكن أن تكون مفاتيح قصائد وروايات، كهشاشة حضورنا بين الولادة والغياب، والغموض الذي يصعب تبديده ويمتزج بحزن وجودي وقهر أمام محاولة فهم انتحار شابة ذكية وحساسة وموهوبة استُخفّ بموهبتها بقسوة وجهل.
قرأت أيضاً رواية «مستر نون» للروائية اللبنانية نجوى بركات التي ترسم بلغة بديعة وخيالٍ صاحٍ «بيروت الديستوبيا وعقد الشخصيات المعطوبة»، و«صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول)» للأديبة والباحثة اللبنانية يسرى مقدّم. وهو كتاب يتجاوز التصانيف إلى الأدب الصافي، كلّما غصنا فيه ارتفع بنا. قرأت أيضاً روايتَيّ «All the Lovers in the Night» و«Breasts and Eggs» (مترجمتين من اليابانية إلى الإنجليزية) للروائية اليابانية ميكو كاواكامي التي تعرّي الذكورية في اليابان وتنسج بين شخصياتها علاقات مختلفة ومفاجئة، كما تكتب بنفَس نسوي عميق ولا تتردّد في الحفر بجروح الفروق الطبقية وأشكال التمييز. ومن الكتب التي اكتشفت في صفحاتها مرايا وأبواباً ونوافذ كتاب بعنوان «ضفاف أخرى» يضمّ حواراً أجراه الشاعر والكاتب العراقي علي محمود خضيّر مع الشاعر والكاتب والمترجم عيسى مخلوف الذي تتعمّق إجاباته في ثيمات تشغلنا لأنها جزء من حيواتنا كالحرب والهجرة والفقد والعنف والعلاقة بالأمكنة. قرأت أيضاً رواية «حفلة التفاهة» للروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا، وأعدت قراءة روايته «كائن لا تحتمل خفته» التي لا تزال من الروايات الأقرب لذائقتي ولا أملّ العودة إليها. كما أعدت قراءة رواية «Une Femme» للفرنسية أنّي إرنو بعد فوزها بجائزة نوبل في الأدب. أنهيت أيضاً قراءة «فريديريك نيتشه: سيرة فلسفية» لجوليان يونغ الذي قدّم تفاسير دقيقة لأعمال الفيلسوف الألماني، ملقياً الضوء على قصص من حياته الشخصية وأبرز ما تأثر به. أهمّ ما طرحه يونغ هو تحليل آخر أعمال نيتشه التي جُمعت بعد وفاته في كتاب بعنوان «The Will to Power». وأخيراً قرأت رواية «حائط خامس» للشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون الذي ابتدع شخصية روائية جذّابة وجديدة.

المؤلف الموسيقي نشأت سلمان، رئيس «مؤسسة أنور سلمان»: لفتتني كتب مهمة عن الشعر والموسيقى
- أبرز ما أثر فيّ مما قرأت في 2022 كتاب «خليل حاوي... الديوان الأخير». وهو عبارة عن مجموعة قصائد لم تنشر في دواوين الشاعر سابقاً. تم جمعها بالتعاون مع عائلته، وتُوِّج الكتاب بشهادة مؤثرة للشاعر شوقي أبي شقرا وشهادات لبعض من عاصره من تلامذته... وأجمل ما في أعمال كهذه هي إثباتها لخلود المبدعين. كان مؤثراً إطلاق الكتاب في احتفال بالجامعة الأميركية في بيروت تبعد بضعة أمتار عن المكان الذي أطلق «فيه الراحل كلمته» الأخيرة في يومٍ مشؤوم من عام 1982.
كما لفتني الكتاب الذي صدر أخيراً للناقدة والباحثة زهيدة درويش جبور «الشعر العربي المعاصر من منظور إيكولوجي»، وفيه دراسة نتاج 12 شاعراً من مختلف البلدان العربية، تسلّط الضوء على كيفية تعامل الشعراء العرب المعاصرين مع الطبيعة، والانعكاسات السلبية للتطور التكنولوجي حين لا يواكبه تطور على مستوى القيم الإنسانية والروحية.
وفي اللغات الأجنبية قرأت كتاب «Hacking Darwi» للأميركي جامي ميتزلو، الذي يتطرق إلى الثورة الجينية وتكنولوجياتها ويطرح أسئلة أخلاقية حاسمة فيما يتعلق بتأثير هذه الثورة على مبادئ التنوع والمساواة، وضرورة العمل على تشكيل إطار أخلاقي لتحفيز استخدام هذه التكنولوجيا بحكمة.
كما قرأت كتاب «هذا الرجل من لبنان» أو «The Man From Lebanon» للناقدة الأميركية باربرة يونغ، الذي ترجمه حديثاً الشاعر والأديب اللبناني هنري زغيب، وقد لفتني ما تضمنته النسخة المترجمة من وثائق أميركية ولبنانية جديدة عن جبران خليل جبران وشعرت بأنه من أعمق ما قرأت عنه من أبحاث.
أما الكتاب الأخير الذي أعكف على قراءته فهو «Sound Within Sound: Radical» «Composers of the Twentieth Century»، للإعلامية والناقدة البريطانية كايت موليسون التي تطرح ما يشبه تأريخاً بديلاً لمؤلفي الموسيقي في القرن العشرين. وقد بذلت الكاتبة على ما يبدو جهداً جذرياً وجديداً وثورياً لإعادة كتابة التاريخ الموسيقي للقرن العشرين في كتاب يتحدى الوضع الراهن بينما يقدم لنا عالماً من الموسيقى الرائدة.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».