عالم ما بعد الحرب الأوكرانية: الحرب الروسية ـ الأوكرانية... وأفريقيا

مغامرات الدب الروسي تتكرر في القارة السمراء تحت راية «فاغنر»

أفريقيا تعد من ضحايا الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ب)
أفريقيا تعد من ضحايا الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ب)
TT

عالم ما بعد الحرب الأوكرانية: الحرب الروسية ـ الأوكرانية... وأفريقيا

أفريقيا تعد من ضحايا الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ب)
أفريقيا تعد من ضحايا الحرب الروسية - الأوكرانية (أ.ب)


قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الأربعاء 7 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، إن الحرب في أوكرانيا ستكون طويلة. هذا يعني أن تكتيك الحرب سيتغير بقوة، وسيكون التوسيع الأفقي لها يتجاوز حدود أوكرانيا. دول البلطيق رفعت وتيرة تخوفها.
في دول مثل لاتفيا وليتوانيا، تُوجد كثافة سكانية أقلية من أصول روسية. ترتفع الهواجس من تحركات سرية وعلنية لصالح روسيا.
في ألمانيا أعلنت الحكومة حملة دهم واسعة ضد حركة «مواطني الرايخ» المضادة للحكومة، والتي تهدف إلى تغيير النظام بالقوة، واتهمت وزيرة الداخلية الألمانية الحركة بـ«التواصل مع السلطات الروسية»، لكنها نفت ذلك.
ما جرى في ألمانيا أخيراً، يعد رسالة اختراق أمني وسياسي أثارت مخاوف أوروبية من تحرك روسي سري مع تيارات يمينية متطرفة، وإن نفت روسيا ذلك.

تظهر هذه الصورة غير المؤرخة التي وزعها الجيش الفرنسي مرتزقة روساً يستقلون مروحية في شمال مالي (أ.ب)

روسيا بعد قرابة عام من بداية الحرب على أوكرانيا، تواجه مصاعب عسكرية متزايدة، وعقوبات اقتصادية ثقيلة. فليست أمامها خيارات، إلا جعل حربها في مواجهة التحالف الغربي، حرباً عابرة للحدود، بل للقارات.
القارة الأفريقية هي ساحة حرب عالمية صامتة منذ أواخر القرن الماضي. كان لروسيا وجود سياسي وعسكري في زمن الاتحاد السوفياتي. لكن ذلك الوجود تراجع بعد تفكك الاتحاد. لكن روسيا عادت إلى أفريقيا في السنوات الأخيرة عبر قنوات مختلفة.
عندما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقواته إلى داخل الأراضي الأوكرانية، اعتقد جازماً بأن ما سماه بـ«العملية العسكرية الخاصة»، لن تستغرق سوى أيام محدودة.
كان سقف أهدافه بحجم ارتفاع ثقته في قواته. كبار جنرالاته ساروا معه نحو الأهداف ذاتها وارتفاع سقفها. تغيير النظام السياسي في أوكرانيا، وإزاحة ما سماه الروس «النازية الجديدة الحاكمة» في أوكرانيا عن السلطة، والاستيلاء على ربع الأراضي الأوكرانية، بعد قضم شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا الاتحادية، كانت الأهداف الاستراتيجية الكبرى لروسيا.

الرئيس المالي المؤقت  أسيني غوتا ومسؤولون خلال حفل تسلم شحنة روسية جديدة للقوات المسلحة المالية في باماكو 09 أغسطس 2022 (إ.ب.أ)

كانت المطامح التي حرك بوتين قواته نحوها، الرد على خطة ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومخطط حلف الناتو للوجود فوق الأراضي الأوكرانية. فكلاهما يعني تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي، كما أعلن بوتين.
«الهجوم أفضل وسيلة للدفاع»، كانت المقولة التاريخية العسكرية التي أطلقها نابليون بونابارت، وتحرك على هديها الرئيس الزعيم القومي بوتين، ودفع بقواته إلى أوكرانيا.
اعتقد الروس جازمين بأن تحقيق كل أهدافهم في أوكرانيا، لن يستغرق سوى أيام معدودة من المعارك، وأن العالم كله سينحني لما فرضته القوات الروسية على الأرض.
كل الحروب التي شهدتها الدنيا منذ القدم، تبدأ بشرر الطموح، مع الاستهانة بقدرات الطرف الهدف. في الحالة الروسية - الأوكرانية، هناك خيوط الماضي التي لا تخبو حرارتها. فقد كان البلدان يجتمعان ويفترقان باعتبارهما كيانين سياسيين منذ العهد القيصري وحتى قبله، وفي العهد السوفياتي.

صورة غير مؤرخة مأخوذة من مقطع فيديو تظهر جنوداً يدفنون جثثاً في شمال مالي، في حين قال الجيش الفرنسي إن لديه مقاطع فيديو لمرتزقة روس وهم يدفنون جثثهم في الموقع نفسه (أ.ب)

الصراع الروسي مع الغرب له جذور ممتدة في التاريخ منذ نابليون بونابرت إلى أدولف هتلر، وكانت أوكرانيا حلقة ضعف وقوة لروسيا.
اقتراب حلف الناتو من حدود روسيا كان هاجساً لم يغب عن القادة الروس. منذ أيام صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون تعهد للرئيس السوفياتي الراحل ميخائيل غورباتشوف، ومن بعده للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلسن، بأن الولايات المتحدة الأميركية لن تعمل على تحريك حلف الناتو إلى حدود روسيا. وأردف الوزير لافروف أن الولايات المتحدة نكثت وعدها السابق، وشرعت في ضم أوكرانيا إلى الحلف.
الحرب ستكون أطول وأوسع مما اعتقد الروس، وستتحول إلى حرب عالمية أفقية، وتمتد إلى خارج القارة الأوروبية. أفريقيا ساحة مواجهة خلفية في الحرب بين القوى الغربية وروسيا.
- «فاغنر» الروسية القديمة الجديدة في أفريقيا
في سنة 1889، قام المغامر الروسي نيكولاي أتشينوف بمحاولة إنشاء مستوطنة في منطقة تاجوراء بجيبوتي. وكان هدفه إنشاء مستعمرة كبيرة في القرن الأفريقي تضمه بالكامل. استولى أتشينوف على حصن مصري قديم، وأطلق عليه اسم «موسكو الجديدة». قام جنوده القوزاق بالقتل والنهب وترويع السكان المحللين. اعتذر أتشينوف لمحمد لويتاه، سلطان تاجوراء، وقدم له تعويضات. لكن القوات الفرنسية حركت مراكبها المسلحة وهاجمت القوات الروسية وأخرجتها من جيبوتي بالقوة. الحكومة الروسية نفت أي علاقة لها بما قام به مواطنها نيكولاي أتشينوف، واعتقلته ونفته إلى سيبيريا.
روسيا القيصرية الرسمية، عادت بقوة السلاح إلى شرق القارة سنة 1896، وساندت إمبراطور إثيوبيا في معركته ضد القوات الإيطالية، وقدمت له السلاح. وقام الضابط الروسي نيكولاي ليونييف بقيادة قوة عسكرية من القوزاق الروسية ومساندة الجيش الإثيوبي. كان لذلك دور حاسم في انتصار الإثيوبيين على الجيش الإيطالي وإخراجه من البلاد.
اليوم، نرى ما قام به المغامر الروسي في القرن التاسع عشر في منطقة تاجوراء بجيبوتي، يتكرر في مناطق عدة بالقارة الأفريقية، تحت اسم جديد، وهو قوات «فاغنر» المسلحة الروسية، من دون أن تعترف موسكو بتبعيتها الرسمية لها.
جيبوتي هي رأس قرن القارة الأفريقية، الذي تحتشد فوق مساحته الصغيرة قوات من كل الدنيا. يمكن أن نسميه، بـ«وحيد القرن المذبب المسلح» في القارة، حيث توجد به عشرات القواعد العسكرية، (أميركية وفرنسية وصينية وتركية وأوروبية)، وتسعى دول أخرى إلى إنشاء قواعد لها فوق ذلك القرن، الذي يتحكم في ممر خطير للتجارة والأمن العالمي.
في سنوات العهد السوفياتي، وفي خضم الحرب الدولية الباردة، كان لموسكو وجودان سياسي وعسكري في القارة الأفريقية، حيث ساند الاتحاد السوفياتي حركات التحرير الأفريقية ضد الاستعمار الغربي والتمييز العنصري في جنوب القارة الأفريقية.
تحالفت موسكو مع منغستو هيلا مريم الذي كان يحكم إثيوبيا، وأقامت محوراً ضم إثيوبيا ودولة اليمن الجنوبي الشيوعية، بالتعاون مع الجماهيرية الليبية، لدعم الحركات اليسارية في القارة. كما كان لموسكو حلفاء في الكونغو وأنغولا وناميبيا وموزمبيق.
بعد انهيار النظام الشيوعي، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وتراجع الوجود الروسي في أفريقيا. لكنه عاد الآن بقوة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
قوات «فاغنر» توجد اليوم في أكثر من 14 دولة أفريقية، بعد أن تراجع الوجودان العسكري والسياسي الفرنسيان في غرب القارة، وتحديداً في دول الساحل والصحراء. بعض الزعماء الأفارقة يشترون الحماية الروسية لأنظمتهم مقابل المواد الخام. موزمبيق، منجم مثالي للمقاولين الروس، وبها الكربوهيدرات. شركات «غازبروم» و«روزا» و«وزال» و«نورد» و«ريستال» الروسية، تعمل في مصر والجزائر وليبيا وفي أنغولا... ولروسيا اليوم وجود عسكري كبير في كل من بوركينا فاسو ومالي.
الحرب الروسية على أوكرانيا ضربت أفريقيا بقوة، حيث تراجع الإمداد بالقمح والزيوت والسماد الروسي إلى عديد من البلدان الأفريقية التي تعاني من الجفاف والمجاعة ونفوق الحيوانات، وتستفحل فيها الحركات الإرهابية. وقد صرح بذلك ماكي سال رئيس السنغال والرئيس الدوري الحالي للاتحاد الأفريقي.
أفريقيا إحدى الضحايا الكبار للحرب الروسية على أوكرانيا. لكن تطور هذه الحرب وإطالتها، سيفتحان مزيداً من الأبواب لعودة روسيا بقوة إلى قرن أفريقيا، وإلى مزيد من مساحة جسدها الضخم.


مقالات ذات صلة

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قداس عيد الفصح الأرثوذكسي في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو (أ.ف.ب) p-circle

كييف وموسكو تتبادلان اتهامات بخرق هدنة عيد الفصح

تبادلت أوكرانيا وروسيا اتهامات اليوم (الأحد) بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح.

«الشرق الأوسط» (خاركيف (أوكرانيا))
أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الصواريخ الإيرانية تُعرض في متحف القوة الجوية الفضائية لـ«الحرس الثوري» في طهران بإيران - 15 نوفمبر 2024 (رويترز) p-circle

تقارير: الصين وروسيا قدمتا مساعدات ومعلومات إلى إيران

قال مسؤولون إن وكالات الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما تكون قد أرسلت خلال الأسابيع الأخيرة شحنة من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة.


روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب ضمن اتفاق سلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب ضمن اتفاق سلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين بموسكو 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

أعلن الكرملين، الاثنين، أن روسيا مستعدة لتسلُّم اليورانيوم الإيراني المخصَّب في إطار أي اتفاق سلام محتمل مع الولايات المتحدة.

وأفاد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الصحافيين، أن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عبَّر عن هذا المقترح أثناء اتصالات مع كل من الولايات المتحدة والدول الإقليمية. ما زال العرض قائماً لكن يم يجر بعد التحرُّك على أساسه»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجدّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس (الأحد)، عرض وساطة بلاده لـ«تيسير تسوية سياسية ودبلوماسية للنزاع بشأن إيران» وسط تصاعد المخاوف من تجدد المعارك بعد فشل جولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية في إسلام آباد.

وأكّد بوتين خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، أن بلاده مستعدة لمواصلة جهود البحث عن تسوية تضمن مصالح كل الأطراف.

ويبدأ الجيش الأميركي، الاثنين، بتنفيذ حظر على حركة الملاحة إلى الموانئ الإيرانية في الخليج، بعد انهيار محادثات السلام في باكستان وتحميل واشنطن المسؤولية لإيران لرفضها التخلي عن طموحاتها النووية.

ويبدأ الحصار، وفق واشنطن، عند الساعة 14:00 بتوقيت غرينيتش من يوم الاثنين، ويطال كل السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المُبحرة منها.

وذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال» مساء الأحد، نقلاً عن مسؤولين ‌وأشخاص ‌مطلعين، ​أن ‌الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب ومستشاريه ⁠يدرسون استئناف شنِّ ضربات ⁠عسكريَّة ‌محدودة على إيران، ‌بالإضافة ​إلى ‌فرض ‌سيطرة أميركية على مضيق ‌هرمز، كوسيلة لكسر الجمود في ⁠محادثات ⁠السلام.


مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».