رحلة العلم والفن في أعماق البحر الأحمر

فنانون من سويسرا وعلماء من «كاوست» يغوصون معاً في عالم الكائنات الحية الخفية في الشعاب المرجانية

يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
TT

رحلة العلم والفن في أعماق البحر الأحمر

يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية

تعود العلاقة بين العلم والفن إلى زمن مبكر من تاريخ البشرية، حيث مثلت الابتكارات العلمية مصدراً لإلهام الفنانين ولا تزال. هذا الأمر تجسد قبل فترة وجيزة مع المصورين المحترفين نيكولاس كريبس، وتايو أونوراتو، من سويسرا وهما اللذان قدما إلى المملكة العربية السعودية وتحديدا مركز أبحاث البحر لمشاهدة كائنات غامضة ومخفية تصعب رؤيتها، تختبئ بداخل الشعاب المرجانية في البحر الأحمر.
تبدأ القصة في سويسرا، حينما التقى المصوران بالباحث غواو روزادو، طالب الدراسات العليا القادم من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، أثناء قضائه فترة التخصص في برنامج عنوانه «فنانون في المختبرات» الذي يقع مقره في جامعة زيوريخ بسويسرا - وانضمت إليه «كاوست» في عام 2016 - حيث يمنح الفنانين فرصة ليكونوا على دراية أكبر بالبحث العلمي، وأكثر إبداعا في استخدام التقنيات الحديثة، بالإضافة إلى كونه يساعد العلماء في استعراض وجهات النظر المتنوعة التي تساعدهم على رؤية أبحاثهم بمنظور جديد.

الفن والعلم والإبداع
ما تعرف عليه المصوران لم يكن مجرد أجهزة علمية لقياس التنوع الحيوي البحري؛ بل تعدى الأمر ذلك لمشاهدة والتقاط صور لكُتَل سكنية مأهولة بكائنات حية داخل هياكل موجودة بقاع البحر تتحرك وتتنافس وتتعاون، وتهاجر.
هذه الكائنات المجهولة قد تساعدنا على تعزيز فهمنا لوظائف الشعاب المرجانية، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكننا دراسة مخلوقات لا يمكننا العثور عليها؟
هذا بالضبط ما يعمل عليه علماء «كاوست» على طول الساحل السعودي من الشمال إلى الجنوب منذ منتصف العقد الماضي، وذلك باستخدام تقنيتين لرصد المخلوقات التي تعيش في أماكن متوارية عن الأنظار. الأولى هي هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية (ARMS)، والثانية هي شفرة الحمض النووي الخيطية، حيث وجدوا 10.700 نوع مميز له صلة بالشعاب البحرية الموجودة في البحر الأحمر.
حينما نتحدث عن الترابط والتداخل بين العلم والفن يقفز للذهن مباشرة اسم الإيطالي ليوناردو دافنشي وعصر النهضة. بالنسبة لنا يقترن هذا الاسم بالإبداع الفني في مجال الأدب والموسيقى والنحت والرسم، ولوحاته التي تعد مزيجاً مثالياً من التناظر واللون والنغمات والزوايا.
في جانب آخر، ما قد لا يعلمه الكثيرون أن دافينشي يُعد من أشهر علماء عصر النهضة الأوروبية في الهندسة المعمارية والفلك والرياضيات والفيزياء والهندسة الحربية والجيولوجيا والنبات والخرائط وعلم المتحجرات أو الأحياء القديمة.
ويمكن القول بأن تأثير العلم على الفن أو العكس لم يكن وليد عصر النهضة وإنما قد يعود إلى زمن اكتشاف الإنسان النار لأول مرة. هذا الاكتشاف الذي فتح لنا عالما جديدا تماماً من الألوان والإمكانيات. في تلك اللحظة كنا قادرين على استكشاف ورؤية أشياء جديدة، مثل تسخين الأشياء، وإذابة المواد لإنتاج مواد جديدة.

مراقبة الشعاب المرجانية
كان أول ما تعلمه المصوران كريبس وأونوراتو عند قدومهما لـ«كاوست» هو الغوص بجهاز التنفس تحت الماء «سكوبا» تحت إشراف المصور المتخصص لقاع البحار في الجامعة، مورغان بينيت سميث، والباحث المتخصص في نظام الشعاب المرجانية الدكتور سونغ هي، وتحقق النجاح في التقاط مجموعة ضخمة من الصور المدهشة والفيديوهات لهياكل المراقبة الذاتية للشعاب (ARMS) في البحر وفي داخل المختبر.
ويقدر العلماء أن مئات الآلاف من الكائنات البحرية في أعماق البحار والمحيطات لم يتم اكتشافها بعد، ويمكن إيجاد هذه الكائنات الخفية في المحيطات المفتوحة وفي الخنادق العميقة الموجودة في قاع البحر وفي داخل الشعاب المرجانية.
وتقنية هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية (ARMS)، عبارة عن هياكل مصنوعة من ألواح متعددة مثبتة فوق بعضها البعض وتحاكي بنية ثلاثية الأبعاد للشعاب المرجانية، حيث تمكننا من دراسة الكائنات الحية الخفية التي لا يتم رصدها خلال عمليات المسح المرئية التي يجريها الغواصون نظراً لصغر حجمها أو لكونها كائنات ليلية.
وتتكون تلك الهياكل من ألواحٍ مصفوفة فوق بعضها البعض، لمحاكاة الهيكل المعقد للشعاب المرجانية، ويتكون كل صف من 9 ألواح يفصل بينها فراغ يشتمل على أشكال بلاستيكية متشابكة؛ لخلق مناطق ذات تدفق عالٍ ومنخفضٍ، مثلما يحدث داخل الشعاب، ثم توضع في قاع البحر لتصبح مستعمرات للمخلوقات البحرية، وبعد ذلك تُجْمَع وتُفكك في المختبر للكشف عما التصق بها.
كانت تلك الهياكل بالنسبة للباحث روزادو – الذي يدرس التنوع الحيوي للشعاب القريبة من الشاطئ – الأداة الأمثل لهذه المهمة، ويعبر عن ذلك قائلاً: «إنها الطريق الأمثل لمعرفة التنوع الحيوي الخفي للشعاب بشكل حقيقي وموثوق، إذ إن الغوص لن يفيد برؤية أي شيء يتعلق بالتنوع الحيوي الشامل للشعاب؛ لأن الكثير منها يعيش داخل الفراغات الخفية بين الصخور والمرجان».
وتمثل الكائنات الحية الخفية - يُشار إليها أحياناً بـ«الكريبتو بيوم» (كائنات حية صغيرة ودقيقة لا يمكن رؤيتها أثناء إجراء عمليات المسح البصري العادية) - نحو 70 في المائة من التنوع الحيوي للشعاب التي لم يتم دراستها بعد. وتُستخدم هياكل المراقبة لمقارنة التنوع الحيوي بين الشِعاب في أماكن مختلفة، ولا يزال روزادو مهتماً بكيفية اختلاف تجمعات الكائنات الحية الخفية عن تلك المتولدة عبر المواطن المختلفة داخل الشِعاب.
يعلق المصور كريبس: «أصابتنا الدهشة بمفهوم تلك الوحدات، وبالمشاهد البصرية لهذه الكائنات المتنوعة للغاية التي تستوطن نفس البيئة».

شفرة الحمض النووي
في أغسطس (آب) 2021 قاد عالما البحار في «كاوست»، البروفسور مايكل بيرومين، والدكتورة سوزانا كارفالهو، فريقا بحثيا من بينه روزادو، كانت مهمته وضع 32 هيكل مراقبة ذاتية للشعاب المرجانية قبالة الساحل بالقرب من «كاوست»، حيث تم تقسيمها بالتساوي بين 4 موائل بارزة للشعاب: شِعاب متفرعة، شِعاب مطلية (تعلق بالصخور في وسط المرجان أو على حافته)، سطح مرصوف بالطحالب، وأنقاض المرجان.
ويتقصى روزادو في مشروعه البحثي اختلاف تجمعات المستوطنين الأوائل (الطليعة) عن تجمعات ما بعدَ عامين من الغمر (الناضجة) عبر تلك الموائل.
يشرح روزادو: «تستغرق هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية عامين لتتحول إلى مستعمرة بالكامل، إلا أن ذلك يعتمد على المنطقة، إذ إن الطبيعة تتحرك بوتيرتها الخاصة».
جمع روزادو في مارس (آذار) 2022 أربعة هياكل مراقبة ذاتية للشعاب من كل موئل، ويعلق بقوله: «إنها عملية مُعقدة للغاية؛ نظراً لضرورة إغلاق الهيكل بشكل محكم في حاوية تجنباً لهرب الشعاب منه – إنها تشبه الكائنات الحية المتحركة كالأسماك وسلطعون البحر - ثم تحضينها في الظلام لتقييم الدورات الحياتية التي تمر بها، حيث يستغرق نشر 32 وحدة من الهياكل يوماً واحداً؛ لكنها تستغرق أسبوعين لاستعادة 16 وحدة».
وعاد روزادو إلى المختبر، وخلط تلك الكائنات الحية الخفية في كلِ لوحٍ، مستخدماً تقنية شفرة الحمض النووي الخيطية لمعرفة وتقييم التنوع الحيوي الخفي السابق. يقول: «تتنوع تجمعات الكائنات الحية الخفية بالنسبة للموائل في كل موقع بشكل مميز في الغالب، رغم أن هذه الموائل ليست بعيدة عن بعضها البعض، هناك بعض التشابه، لكن غالبية الأنواع فريدة بالنسبة لموئل واحد».
وتعتبر شفرة الحمض النووي الخيطية التي يستخدمها علماء «كاوست» من التقنيات الرائعة التي تساعدهم في تحديد شكل وحجم وسلوك تلك الكائنات التي تفقد خلاياها باستمرار التي تتسرب في بيئة المحيطات والبحار. وتحتوي كل خلية على الحمض النووي (المعلومات الجينية) لهذه الأنواع، ويمكن جمعها من الماء أو الرواسب أو هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية.

الفن لنقل العلم
في عيون الفنانين، تتشابه تجمعات الشعاب غالباً مع المجتمعات البشرية، حيث يرى كريبس الأمر من زاوية أن تلك التجمعات البحرية تعمل بشكل مدهش على كيفية تقسيم المساحة، والدخول في علاقات ما بين خيرة، وعدائية، أو وفقاً للمصلحة، وترميم الموئل أو التخلي عنه. ويضيف «رؤية كل هذا يحدث في هيكل صغير يشبه المنزل يثير أفكارنا».
ويطمح أونوراتو وكريبس في نيل تشجيع الناس لعملهما من أجل طرح الأسئلة حول ما يشاهدونه، يضيف كريبس: «من الرائع إثارة فضول الناس للتعرف أكثر حول هذا المجتمع الغامض والمجهول لدينا».
ويتفق روزادو أن الفن أمرٌ حيوي لنقل العلم، ويضيف: «يذكرنا الفن دائماً بمد يدِ العون للناس، كعلماء ينصب تركيزنا على الأوساط الأكاديمية، وكتابة الأوراق البحثية أحياناً، لكن لا نحقق الكثير إذا تحدثنا فيما بيننا فقط كعلماء».
لقد وجد العلماء والفنانون أرضية مشتركة، يقول كريبس: «لقد دُهشت بما يمتلكه العلماء، ظننتُ أن الفنانين فقط هم من يملكون ذلك».
وينصب تركيز علماء البحار حالياً على مهمة عالمية للحفاظ على البيئات البحرية التي تدهورت بسبب النشاط البشري، خاصة في ضوء التغير المناخي، والتأثيرات البشرية الإقليمية، يقول روزادو: «تتدهور الشعاب المرجانية، وتشير بعض التقارير إلى أن 99 في المائة من الشعاب قد تنقرض في عام 2050 بسبب الاحتباس الحراري، نحتاج للتواصل مع أشخاص في جميع أنحاء العالم قدر المستطاع، ويمكن للفن أن يكون وسيلة مهمة لإيصال رسالة قوية يفهمها ويتفاعل معها العالم أجمع».


مقالات ذات صلة

«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

«إم آي إس» السعودية لأنظمة المعلومات توقع عقداً مع «تداول» بـ27.3 مليون دولار

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» (إم آي إس)، الأحد، توقيع عقد مع «مجموعة تداول السعودية القابضة» بقيمة 102.4 مليون ريال تقريباً (نحو 27.3 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)

السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

يُتوقع أن يُسهم هذا الانضمام في تعزيز ثقة المجتمع التقني العالمي بالبيئة التنظيمية في السعودية، وجذب الاستثمارات النوعية والشركات التقنية الكبرى ورواد الأعمال.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
تكنولوجيا «سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة لتمكين دخل مباشر للمبدعين (رويترز)

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

«سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة للمبدعين لتنويع الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الإعلانات، وتعزيز الدخل المتكرر واستقلالية صناع المحتوى.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» تستثمر 3 مليارات دولار في «إكس إيه آي» قبيل استحواذ «سبيس إكس» عليها

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية عن استثمار استراتيجي بقيمة 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي» ضمن جولة تمويلية من الفئة «إي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كندا تبحث في الرياض تعزيز الشراكات الرقمية مع السعودية

أعلن وزير الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي في كندا، إيفان سولومون، أنه التقى عدداً من الوزراء وقادة الأعمال في العاصمة السعودية، الرياض، بهدف تعميق الشراكات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.