رحلة العلم والفن في أعماق البحر الأحمر

فنانون من سويسرا وعلماء من «كاوست» يغوصون معاً في عالم الكائنات الحية الخفية في الشعاب المرجانية

يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
TT

رحلة العلم والفن في أعماق البحر الأحمر

يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية
يساهم الفنانون في إيجاد منظور جديد للابتكارات العلمية

تعود العلاقة بين العلم والفن إلى زمن مبكر من تاريخ البشرية، حيث مثلت الابتكارات العلمية مصدراً لإلهام الفنانين ولا تزال. هذا الأمر تجسد قبل فترة وجيزة مع المصورين المحترفين نيكولاس كريبس، وتايو أونوراتو، من سويسرا وهما اللذان قدما إلى المملكة العربية السعودية وتحديدا مركز أبحاث البحر لمشاهدة كائنات غامضة ومخفية تصعب رؤيتها، تختبئ بداخل الشعاب المرجانية في البحر الأحمر.
تبدأ القصة في سويسرا، حينما التقى المصوران بالباحث غواو روزادو، طالب الدراسات العليا القادم من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، أثناء قضائه فترة التخصص في برنامج عنوانه «فنانون في المختبرات» الذي يقع مقره في جامعة زيوريخ بسويسرا - وانضمت إليه «كاوست» في عام 2016 - حيث يمنح الفنانين فرصة ليكونوا على دراية أكبر بالبحث العلمي، وأكثر إبداعا في استخدام التقنيات الحديثة، بالإضافة إلى كونه يساعد العلماء في استعراض وجهات النظر المتنوعة التي تساعدهم على رؤية أبحاثهم بمنظور جديد.

الفن والعلم والإبداع
ما تعرف عليه المصوران لم يكن مجرد أجهزة علمية لقياس التنوع الحيوي البحري؛ بل تعدى الأمر ذلك لمشاهدة والتقاط صور لكُتَل سكنية مأهولة بكائنات حية داخل هياكل موجودة بقاع البحر تتحرك وتتنافس وتتعاون، وتهاجر.
هذه الكائنات المجهولة قد تساعدنا على تعزيز فهمنا لوظائف الشعاب المرجانية، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكننا دراسة مخلوقات لا يمكننا العثور عليها؟
هذا بالضبط ما يعمل عليه علماء «كاوست» على طول الساحل السعودي من الشمال إلى الجنوب منذ منتصف العقد الماضي، وذلك باستخدام تقنيتين لرصد المخلوقات التي تعيش في أماكن متوارية عن الأنظار. الأولى هي هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية (ARMS)، والثانية هي شفرة الحمض النووي الخيطية، حيث وجدوا 10.700 نوع مميز له صلة بالشعاب البحرية الموجودة في البحر الأحمر.
حينما نتحدث عن الترابط والتداخل بين العلم والفن يقفز للذهن مباشرة اسم الإيطالي ليوناردو دافنشي وعصر النهضة. بالنسبة لنا يقترن هذا الاسم بالإبداع الفني في مجال الأدب والموسيقى والنحت والرسم، ولوحاته التي تعد مزيجاً مثالياً من التناظر واللون والنغمات والزوايا.
في جانب آخر، ما قد لا يعلمه الكثيرون أن دافينشي يُعد من أشهر علماء عصر النهضة الأوروبية في الهندسة المعمارية والفلك والرياضيات والفيزياء والهندسة الحربية والجيولوجيا والنبات والخرائط وعلم المتحجرات أو الأحياء القديمة.
ويمكن القول بأن تأثير العلم على الفن أو العكس لم يكن وليد عصر النهضة وإنما قد يعود إلى زمن اكتشاف الإنسان النار لأول مرة. هذا الاكتشاف الذي فتح لنا عالما جديدا تماماً من الألوان والإمكانيات. في تلك اللحظة كنا قادرين على استكشاف ورؤية أشياء جديدة، مثل تسخين الأشياء، وإذابة المواد لإنتاج مواد جديدة.

مراقبة الشعاب المرجانية
كان أول ما تعلمه المصوران كريبس وأونوراتو عند قدومهما لـ«كاوست» هو الغوص بجهاز التنفس تحت الماء «سكوبا» تحت إشراف المصور المتخصص لقاع البحار في الجامعة، مورغان بينيت سميث، والباحث المتخصص في نظام الشعاب المرجانية الدكتور سونغ هي، وتحقق النجاح في التقاط مجموعة ضخمة من الصور المدهشة والفيديوهات لهياكل المراقبة الذاتية للشعاب (ARMS) في البحر وفي داخل المختبر.
ويقدر العلماء أن مئات الآلاف من الكائنات البحرية في أعماق البحار والمحيطات لم يتم اكتشافها بعد، ويمكن إيجاد هذه الكائنات الخفية في المحيطات المفتوحة وفي الخنادق العميقة الموجودة في قاع البحر وفي داخل الشعاب المرجانية.
وتقنية هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية (ARMS)، عبارة عن هياكل مصنوعة من ألواح متعددة مثبتة فوق بعضها البعض وتحاكي بنية ثلاثية الأبعاد للشعاب المرجانية، حيث تمكننا من دراسة الكائنات الحية الخفية التي لا يتم رصدها خلال عمليات المسح المرئية التي يجريها الغواصون نظراً لصغر حجمها أو لكونها كائنات ليلية.
وتتكون تلك الهياكل من ألواحٍ مصفوفة فوق بعضها البعض، لمحاكاة الهيكل المعقد للشعاب المرجانية، ويتكون كل صف من 9 ألواح يفصل بينها فراغ يشتمل على أشكال بلاستيكية متشابكة؛ لخلق مناطق ذات تدفق عالٍ ومنخفضٍ، مثلما يحدث داخل الشعاب، ثم توضع في قاع البحر لتصبح مستعمرات للمخلوقات البحرية، وبعد ذلك تُجْمَع وتُفكك في المختبر للكشف عما التصق بها.
كانت تلك الهياكل بالنسبة للباحث روزادو – الذي يدرس التنوع الحيوي للشعاب القريبة من الشاطئ – الأداة الأمثل لهذه المهمة، ويعبر عن ذلك قائلاً: «إنها الطريق الأمثل لمعرفة التنوع الحيوي الخفي للشعاب بشكل حقيقي وموثوق، إذ إن الغوص لن يفيد برؤية أي شيء يتعلق بالتنوع الحيوي الشامل للشعاب؛ لأن الكثير منها يعيش داخل الفراغات الخفية بين الصخور والمرجان».
وتمثل الكائنات الحية الخفية - يُشار إليها أحياناً بـ«الكريبتو بيوم» (كائنات حية صغيرة ودقيقة لا يمكن رؤيتها أثناء إجراء عمليات المسح البصري العادية) - نحو 70 في المائة من التنوع الحيوي للشعاب التي لم يتم دراستها بعد. وتُستخدم هياكل المراقبة لمقارنة التنوع الحيوي بين الشِعاب في أماكن مختلفة، ولا يزال روزادو مهتماً بكيفية اختلاف تجمعات الكائنات الحية الخفية عن تلك المتولدة عبر المواطن المختلفة داخل الشِعاب.
يعلق المصور كريبس: «أصابتنا الدهشة بمفهوم تلك الوحدات، وبالمشاهد البصرية لهذه الكائنات المتنوعة للغاية التي تستوطن نفس البيئة».

شفرة الحمض النووي
في أغسطس (آب) 2021 قاد عالما البحار في «كاوست»، البروفسور مايكل بيرومين، والدكتورة سوزانا كارفالهو، فريقا بحثيا من بينه روزادو، كانت مهمته وضع 32 هيكل مراقبة ذاتية للشعاب المرجانية قبالة الساحل بالقرب من «كاوست»، حيث تم تقسيمها بالتساوي بين 4 موائل بارزة للشعاب: شِعاب متفرعة، شِعاب مطلية (تعلق بالصخور في وسط المرجان أو على حافته)، سطح مرصوف بالطحالب، وأنقاض المرجان.
ويتقصى روزادو في مشروعه البحثي اختلاف تجمعات المستوطنين الأوائل (الطليعة) عن تجمعات ما بعدَ عامين من الغمر (الناضجة) عبر تلك الموائل.
يشرح روزادو: «تستغرق هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية عامين لتتحول إلى مستعمرة بالكامل، إلا أن ذلك يعتمد على المنطقة، إذ إن الطبيعة تتحرك بوتيرتها الخاصة».
جمع روزادو في مارس (آذار) 2022 أربعة هياكل مراقبة ذاتية للشعاب من كل موئل، ويعلق بقوله: «إنها عملية مُعقدة للغاية؛ نظراً لضرورة إغلاق الهيكل بشكل محكم في حاوية تجنباً لهرب الشعاب منه – إنها تشبه الكائنات الحية المتحركة كالأسماك وسلطعون البحر - ثم تحضينها في الظلام لتقييم الدورات الحياتية التي تمر بها، حيث يستغرق نشر 32 وحدة من الهياكل يوماً واحداً؛ لكنها تستغرق أسبوعين لاستعادة 16 وحدة».
وعاد روزادو إلى المختبر، وخلط تلك الكائنات الحية الخفية في كلِ لوحٍ، مستخدماً تقنية شفرة الحمض النووي الخيطية لمعرفة وتقييم التنوع الحيوي الخفي السابق. يقول: «تتنوع تجمعات الكائنات الحية الخفية بالنسبة للموائل في كل موقع بشكل مميز في الغالب، رغم أن هذه الموائل ليست بعيدة عن بعضها البعض، هناك بعض التشابه، لكن غالبية الأنواع فريدة بالنسبة لموئل واحد».
وتعتبر شفرة الحمض النووي الخيطية التي يستخدمها علماء «كاوست» من التقنيات الرائعة التي تساعدهم في تحديد شكل وحجم وسلوك تلك الكائنات التي تفقد خلاياها باستمرار التي تتسرب في بيئة المحيطات والبحار. وتحتوي كل خلية على الحمض النووي (المعلومات الجينية) لهذه الأنواع، ويمكن جمعها من الماء أو الرواسب أو هياكل المراقبة الذاتية للشعاب المرجانية.

الفن لنقل العلم
في عيون الفنانين، تتشابه تجمعات الشعاب غالباً مع المجتمعات البشرية، حيث يرى كريبس الأمر من زاوية أن تلك التجمعات البحرية تعمل بشكل مدهش على كيفية تقسيم المساحة، والدخول في علاقات ما بين خيرة، وعدائية، أو وفقاً للمصلحة، وترميم الموئل أو التخلي عنه. ويضيف «رؤية كل هذا يحدث في هيكل صغير يشبه المنزل يثير أفكارنا».
ويطمح أونوراتو وكريبس في نيل تشجيع الناس لعملهما من أجل طرح الأسئلة حول ما يشاهدونه، يضيف كريبس: «من الرائع إثارة فضول الناس للتعرف أكثر حول هذا المجتمع الغامض والمجهول لدينا».
ويتفق روزادو أن الفن أمرٌ حيوي لنقل العلم، ويضيف: «يذكرنا الفن دائماً بمد يدِ العون للناس، كعلماء ينصب تركيزنا على الأوساط الأكاديمية، وكتابة الأوراق البحثية أحياناً، لكن لا نحقق الكثير إذا تحدثنا فيما بيننا فقط كعلماء».
لقد وجد العلماء والفنانون أرضية مشتركة، يقول كريبس: «لقد دُهشت بما يمتلكه العلماء، ظننتُ أن الفنانين فقط هم من يملكون ذلك».
وينصب تركيز علماء البحار حالياً على مهمة عالمية للحفاظ على البيئات البحرية التي تدهورت بسبب النشاط البشري، خاصة في ضوء التغير المناخي، والتأثيرات البشرية الإقليمية، يقول روزادو: «تتدهور الشعاب المرجانية، وتشير بعض التقارير إلى أن 99 في المائة من الشعاب قد تنقرض في عام 2050 بسبب الاحتباس الحراري، نحتاج للتواصل مع أشخاص في جميع أنحاء العالم قدر المستطاع، ويمكن للفن أن يكون وسيلة مهمة لإيصال رسالة قوية يفهمها ويتفاعل معها العالم أجمع».


مقالات ذات صلة

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

علوم التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة…

محمد السيد علي (القاهرة)
تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

تحليل إخباري القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.


ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
TT

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)
الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة وعالية الإنتاجية، ساهم في إنقاذ أكثر من مليار إنسان من براثن المجاعة، وهو إنجاز تُوّج بنيله جائزة نوبل للسلام عام 1970. ومع ذلك، لم يخلُ هذا النجاح من ضريبة بيئية باهظة؛ إذ اعتمدت الزراعة بشكل مفرط على الأسمدة الكيميائية، والمبيدات الحشرية لتعويض ضعف المناعة الطبيعية للنباتات، ما أدى إلى تدهور بيئي ملموس.

وتمتلك النباتات، تماماً كالبشر، جهازاً مناعياً ذكياً؛ فبمجرد تعرضها لتهديد من آفة، أو مرض، تستنفر دفاعاتها الطبيعية. لكن هذه الحماية لها ثمن، إذ يتوقف نمو النبات، وتتراجع إنتاجيته عند تفعيل نظامه المناعي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً في المحاصيل الغذائية، وعلى رأسها القمح.

الباحثون اكتشفوا طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض (جامعة ولاية كولورادو)

«الدماغ الكيميائي» للنبات

وفي ابتكار علمي وُصف بأنه «الثورة الخضراء الصديقة للبيئة»، نجح باحثون من جامعة ولاية كولورادو في اكتشاف طريقة لتنشيط هرمون يسمح للنبات بالاستمرار في النمو حتى أثناء تصديه للأمراض.

ويأمل الفريق في تطبيق هذا الاكتشاف على محاصيل حيوية مثل القمح، والذرة، وفول الصويا، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج العالمي، وتقليل الاعتماد على المبيدات الحشرية، ونُشرت النتائج في عدد 23 فبراير (شباط) 2026 من دورية (Current Biology).

وتتعامل النباتات مع الظروف المحيطة عبر ما يسميه الفريق بـ«الدماغ الكيميائي»، وهو منظومة من الهرمونات النباتية المتخصصة. وعند تعرض النبات للإجهاد، تنخفض مستويات هرمونات «السيتوكينين» المسؤولة عن انقسام الخلايا. ومن خلال فهم هذه التفاعلات الهرمونية، استطاع العلماء استعادة مستويات «السيتوكينين» في النباتات ذات المناعة المفرطة، ما أعاد تنشيط النمو دون إضعاف الدفاعات، بل وجعل النباتات أكثر مقاومة للأمراض.

وحسب الدراسة، تتميز هذه الطريقة بكونها أسرع وأسهل من الأساليب التقليدية التي تتطلب رسم خرائط جينية كاملة؛ إذ يشبهها الفريق بوصفة طبية تعالج خللاً كيميائياً محدداً. ومن خلال التلاعب الجيني بالاستجابة الهرمونية في نبات «رشاد الصخر» (Arabidopsis thaliana)، تمكن العلماء من تحقيق المعادلة الصعبة، وهي حصانة قوية ضد الآفات، وإنتاجية عالية في آنٍ واحد.

وجاءت النتائج لافتة؛ إذ حصل الباحثون على نباتات تقاوم الأمراض بشراسة، وفي الوقت نفسه تنمو بمعدلات طبيعية، أو أعلى، من دون أي خسائر في المحصول.

الباحثون اختبروا الطريقة الجديدة على النبات وحققت نتائج ملموسة (جامعة ولاية كولورادو)

تعزيز المقاومة والإنتاجية

واعتبرت الدكتورة كريستينا أرغيسو، الأستاذة المشاركة في قسم البيولوجيا الزراعية بجامعة ولاية كولورادو والباحثة الرئيسة في الدراسة، أن هذا الإنجاز يمكن أن يشكل طفرة تضاهي «الثورة الخضراء» التي حدثت قبل 60 عاماً، فيما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أثر هذا الإنجاز سيتضح مع تطبيقه على المحاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نجح فريقنا في تحديد جينات نباتية ترفع مستوى الإنتاجية، وهو مسار يشبه ما حققه نورمان بورلاوغ قبل عقود، ورغم أن الجينات التي استخدمناها تختلف عن تلك التي اعتمد عليها بورلاوغ، فإن الدراستين تشتركان في استهداف الجينات المتحكمة في التخليق الحيوي للهرمونات النباتية (Phytohormones)، وهي جزيئات صغيرة ينتجها النبات طبيعياً للتحكم في نموه».

وأشارت أرغيسو إلى أن وجه الابتكار في دراسة الفريق لا يقتصر على زيادة الإنتاجية، بل يشمل أيضاً تعزيز مقاومة النباتات لأمراض متعددة، ما يفتح الباب أمام زيادة المحاصيل، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيماوية في آنٍ واحد.

وأُجريت الدراسة بداية على نبات «رشاد الصخر»، وهو من عائلة الصليبيات مثل الملفوف، ورغم أن هذا النبات لا يتمتع بقيمة غذائية كبيرة، فإنه يُعد أساساً للأبحاث البيولوجية والوراثية، لبساطة تركيبه الجيني، وقصر دورة حياته التي لا تتجاوز ستة أسابيع، ما يسمح للعلماء بمراقبة نتائج تجاربهم وتعديلاتهم الجينية بسرعة.

وعن إمكان تطبيق النتائج على نباتات أخرى، أوضحت أرغيسو أن الفريق يعمل حالياً، بالتعاون مع عدة برامج لتربية النباتات، على نقل هذه الطفرات الجينية إلى أنواع مختلفة من المحاصيل، بهدف تعميم الفائدة على القطاع الزراعي حول العالم، مع توقعات بأن يكون لها تأثير طويل الأمد في الزراعة العالمية. وأكدت أن الفوائد البيئية الكبرى لهذا الابتكار تكمن في خفض استخدام المبيدات الحشرية بشكل ملحوظ، بفضل مستوى المقاومة العالي للأمراض الذي أظهرته النباتات المُهندسة في التجارب.


من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
TT

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص
"ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.

لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».

التعليم الطبي أمام مفترق جديد

> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.

إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.

لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟

> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.

ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.

وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.

وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي_ ويفك الطبيب الرموز

تجربة شخصية: «ابن سينا»

> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.

لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.

ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.

الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.

> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.

وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.

حين تتحول المعرفة إلى تدفق عارم.. ويصبح القرار إنسانيا

أخطار خفيّة

• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.

وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.

• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.

وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.

لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.

• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.

وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.

الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.