«ملك الدلافين الأخير»... خوسيه باربيرو يُقتل بشرّ البشر

وثائقي تعرضه «نتفليكس» يُحقق بمأساة النهاية

«ملك الدلافين الأخير»... خوسيه باربيرو يُقتل بشرّ البشر
TT

«ملك الدلافين الأخير»... خوسيه باربيرو يُقتل بشرّ البشر

«ملك الدلافين الأخير»... خوسيه باربيرو يُقتل بشرّ البشر

خوسيه لويس باربيرو مدرّب دلافين إسباني لـ37 سنة؛ شغوف، محبّ للمنافسة، ويتمتع بغرور استثنائي. تعمّد الفوز والتميّز، وطمح للأفضل. اندفاعه خطَّ أفظع النهايات. تناسى أنّ الحذر ضروري ومشاعر الغيرة تنتشر، فلا يدري المرء مَن قد يغدر به.
تعرض «نتفليكس» وثائقي «ملك الدلافين الأخير» (The last dolphin king)، عن سيرة الرجل المُنتهي جثة. نحو ساعة ونصف ساعة من ترقّب مجرى التحقيق. بإمكان فيديو من ثوانٍ تدمير إنسان وجرّه إلى إنهاء حياته. باربيرو ضُرب في الصميم، فتهاوى عالمه. اتهامه بالإساءة للدلافين عبر فبركة مقاطع مصوّرة والتلاعب بالصوت والصورة، أشعل ضدّة حملة قاسية «فضحت» هشاشته الإنسانية ودفعته إلى الموت.
في حوض سباحة مياهه صافية، تريح زرقتها النفس، تتمايل تلك المخلوقات اللطيفة كأنها تراقص الحياة. يُبدي الفيلم تعاطفاً معها، وطوال الوقت يرفع صوتها. يراها تُظهر ثقة ومودّة حيال الإنسان رغم أنها تقع ضحية أطماعه وانعدام ضميره. تعرفه أكثر مما يعرفها. جمعتها بخوسيه لويس علاقة ألفة، فاعتادت انتظاره على الباب. مساعده يمازحه بامتعاض: «لِمَ لا تنتظرني هذه الدلافين كما تفعل معكَ؟».
يطل في الشريط للتحدث عن «أفضل مدرّب في العالم». على خطاه، يرى تدريب الدلافين «الوظيفة الأروع على الإطلاق»، فالعمل مع الحيوانات أفضل أحياناً من الاصطدام بالبشر. ما حدث مع باربيرو، خير مثال. يؤذي الإنسان لغيرته وانطفاء النور في قلبه. الحيوانات ليست شريرة ولا تحمل نوايا سيئة، لا يكف الفيلم عن التغنّي بالمزايا.
تفهم الدلافين تماماً ما يتوقعه باربيرو منها: انطلقي، تنطلق. ارمي الطابة، ترمي. تمرّ عروض مائية مذهلة وحيل بهلوانية أبهرت الزوار. أكثر من 35 سنة وهو في أحواض السباحة والحدائق المائية بين مدريد وبرشلونة والولايات المتحدة، يتولى المناصب وينال الجوائز. إلا أنّ كل شيء تغيّر.
في يناير (كانون الثاني) 2015. تلقى عرضاً مغرياً من «جورجيا أكواريوم»، أشهر حدائق الدلافين الأميركية. كان منصب نائب المدير العام ينتظره. حينها، وقف باربيرو على مشارف سنواته الستين ليرمق بفخر ذروة نجاحه المهني. إلى أن ورد الخبر في نشرة الخامسة من «القناة الإخبارية الثانية». حلّ كصفعة.
سُرّب للقناة مقطع يُظهر ضرباً للدلافين فتحرّكت «جمعية حقوق الحيوان» الإسبانية ضدّ الإساءة. وُصف المقطع بالسرّي، وزعم أنّ باربيرو يمارس تقنيات تدريب عدوانية. انتشر ومعه دعوة لعدم الخداع بالمرح والموسيقى ومشهد الدلافين السعيدة. فقد دُرّبت بطريقة عدوانية وعنيفة. ثلاث كلمات رفع من أجلها باربيرو هاتفه ليكلّم زوجته: «لقد دمّروا حياتي».
يقدّم الشريط إدانة شديدة اللهجة ضدّ وسائل التواصل ودور الميديا في الإعدام المعنوي. لا يعفي باربيرو من وضْع الإصبع على طباعه الصارمة. فهو يتحوّل عصبياً خلال التدريب، ينطق بمفردات فظّة. لكنه أحبّ الدلافين ومنحها عمره. تحقّق محاميه من المقطع وعاد بتقارير خبراء تثبت أنه عُدّل بشكل رديء. مع ذلك، لم يرحم البشر.
فتحت حديقة «جورجيا أكواريوم» تحقيقاً وأرسلت أشخاصاً إلى مايوركا (حيث يعمل باربيرو) لإجراء مقابلات فردية مع أعضاء الفريق. كانت المقابلة أشبه بتحقيقات الشرطة. يُخبر «الوثائقي» أنّ مَن صوّروا الفيديو ظلّت هويتهم مجهولة لسبع سنوات. ومن ثَم قرروا التحدّث للمرة الأولى. ادعوا أنّ معلومات سُرّبت عن إساءة معاملة، فأثاروا قضية أسر الحيوانات. الجهة المتّهمة اشتمّت رائحة الأذى. تساءل مقرّبون من باربيرو عن سبب السكوت حيال الارتكاب المزعوم لسنتين، فترة التقاط الصور؟ دلّت التحقيقات على كراهية ورغبة في الانتقام. تعذّر تقبّل الأحلام الكبيرة.
وسّع طموحه دائرة الأعداء الملتفّة حول عنقه. تطلّبت حيله المائية مهارة بدنية مضاعفة، ففرضها على نفسه والفريق. ثمة أعضاء لم يعجبهم الأمر، فبدأوا يحيكون المؤامرة. رأى باربيرو انهيار حياته أمام عينيه. كان عمله اليومي مع الدلافين بمثابة علاج له، فبدا ذلك الفيديو كاستهداف شخصي لما يحمله من ضغينة. زوجته ومقرّبون تحدثوا بمرارة عن الشغف القاتل. زملاء العمل اعتبروا أنّ قسوته على ذاته ومَن حوله شكّلت ذريعة للتخلص تماماً منه.
ذات ثلاثاء، غادر منزله في إل تورو لحضور مؤتمر ولم يعد. بينما تسير سيارته وسط غابات كثيفة تحتضن الشجر الأخضر ورهبة الطبيعة، تراءى له أنّ العالم الذي عرفه يضيع من بين يديه، كما تتسرّب الرمال من الأصابع. لاحت فترة الثمانينات والتسعينات، حين كان مدرّب الدلافين يحظى بإعجاب عريض. وحضر الراهن وهو يسحب البساط وينظر إلى المهنة على أنها شيء مُستهجن. باربيرو عايش حرارة التصفيق بعد كل عرض ومرارة النهاية. صلابته البدنية خبّأت هشاشة عاطفية أصدرت أوامرها: The End!
نقلت «القناة الإخبارية الثانية» خبر العثور عليه ميتاً داخل سيارته في مرأب عمومي خارج مطار إسباني، وترجيح الشرطة فرضية الانتحار. صدمة الزوجة والأولاد، وخروج التحقيق بأحكام أكثر إنصافاً، لم يردعا مَن خلف شاشات الهواتف. «نقص عدد الأوغاد واحداً»، «آمل أنك قد تعذبت في موتك»، «سررتُ لموته وأتمنى ذلك لعائلته أيضاً»... تعليقات العطوفين على الحيوانات، جلّادي النجاح.



نيمار يُشيد بلامين جمال رغم خروج برشلونة من دوري الأبطال

نيمار (رويترز)
نيمار (رويترز)
TT

نيمار يُشيد بلامين جمال رغم خروج برشلونة من دوري الأبطال

نيمار (رويترز)
نيمار (رويترز)

رغم فوز برشلونة على أرض أتلتيكو مدريد بنتيجة 2-1 في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، فإن ذلك لم يكن كافياً لتعويض خسارة الذهاب (0-2)، ليودّع الفريق الكاتالوني المسابقة من الدور ربع النهائي، فيما واصل أتلتيكو طريقه نحو نصف النهائي.

وبرز خلال المواجهة اسم الشاب لامين جمال، الذي قدم أداءً لافتاً في مشواره الأوروبي هذا الموسم، ما دفع النجم البرازيلي نيمار إلى الإشادة به والتعبير عن تعاطفه معه بعد الإقصاء.

وقال نيمار: «أنا مقتنع بأنه أحد أعظم المواهب الشابة التي عرفتها كرة القدم. كان هناك ميسي، وكان هناك أنا... لكن ما يقدمه هذا اللاعب في سن 18 عاماً أمر مذهل».

وأضاف: «شعرت بالحزن من أجله بعد الخروج من دوري الأبطال. لقد قدم كل ما لديه، وكان من العناصر التي ساهمت في محاولة العودة. لكن هذه هي كرة القدم، كل شيء ممكن أن يحدث».

وختم: «وقته سيأتي. أتمنى أن يفوز بدوري الأبطال العام المقبل... ولم لا الكرة الذهبية أيضاً؟ إنه لاعب استثنائي، وسأدعمه دائماً».


هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
TT

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)
صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز)

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.


«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.