سعد الهويدي يغزل الذكريات والتراث في أعماله الفنية

الفنان السعودي شارك بأعماله في أسبوع «مسك للفنون» بالرياض

زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
TT

سعد الهويدي يغزل الذكريات والتراث في أعماله الفنية

زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)
زوار معرض «عزيمة» أمام «مكتبة الذكريات» (الفنان)

للفنان السعودي سعد الهويدي اهتمام عميق بالتراث والذاكرة، تشترك أعماله في الجمع بين القديم والحديث، الحوار بين الحضارات والحنين للماضي. الحنين يكاد يكون الخط الخفي الذي يمر عبر كل الأعمال، يظهر ذلك في اختيار خامات الأعمال، سواء من ألعاب الأطفال البلاستيكية أو من اختيار رقعة ألعاب «كيرم» المشهورة في السعودية أو الملابس التقليدية وما تحتضنها من قصص وذكريات وارتباطات اجتماعية مثل «البشت» (العباءة الرجالية) وغيرها من العناصر التي تمس وجدان المشاهد.

الكيرم الهندي في حلة سعودية (الفنان)

أتحدث مع سعد الهويدي على هامش مشاركته في معرض «عزيمة» الذي أقيم في صالة الأمير فيصل بن فهد، ضمن فعاليات أسبوع «مسك للفنون» بالرياض، يحدثني من الاستديو الخاص به في حي جاكس، ويأخذني معه في جولة حول أعماله وأبحاثه المختلفة.
أطلق حديثي معه بسؤاله عما يثير تفكيره ويدفعه للتعبير الفني، يأخذني للإطار العام لعمله قائلاً «أتناول في أعمالي موضوع التراث والذاكرة؛ فكل إنسان له ذاكرته وذكرياته وعنده تراث يتحرك من خلاله. عملي دائماً يتمحور حول الذاكرة والتراث، كيف نحيي هذه الذاكرة ونسترجعها ثم نعيد تقديمها بشكل معاصر».

من سلسلة «البشت الحساوي» (سعد الهويدي)

تتميز أعمال الفنان بالتنوع في المواد المستخدمة التي يحوّرها الفنان ويخرجها من قالبها الأصلي لتكتسب معاني جديدة. في معرض «عزيمة» يستخدم رقعة ألعاب خشبية تقليدية (الكيرم) قام بتحويلها من شكلها الأساسي عبر الرسم عليها، كما استخدم القماش في سلسلة «البشت» ثم أشرطة الكاسيت والفيديو القديمة في «مكتبة الذكريات». يعلق على ذلك «أحرص على أن يكون عندي تنوع في الممارسات الإبداعية، وأن أكتشف أساليب جديدة في الإبداع والتدوير». التدوير يتمثل أمامنا في استخدام قطع كانت مستخدمة من قبل، مثل رقعة لعبة «الكيرم» الهندية المنشأ التي صاحبت السعوديين لأجيال في سهراتهم واجتماعاتهم، وسجلت لنفسها مكاناً في الذاكرة الاجتماعية لكل فرد. بالنسبة للهويدي، مثلت تلك الرقعة الخشبية فرصة لدمج عناصر ثقافية مختلفة وتقديمها بشكل معاصر. الكيرم هنا أمامنا يبدو مألوفاً، هي الرقعة نفسها التي جلس حولها أفراد العائلة والأصدقاء في ليالي الصيف لتمضية الوقت الممتع سوياً، ارتبطت حكايات وقصص أفراد العائلات والأصدقاء بتلك الرقعة وأحجارها. قد لا تلاحظ العين اختلاف الرقعة الماثلة أمامنا عن ما اعتادته العين، ولكن هناك اختلافاً واضحاً لمن يدقق فيه، وهو أن الرقعة هنا تحمل رسومات مختلفة عن الخطوط التي تميز الرقعة التقليدية. هنا قدم الفنان بشكل بصري ممتع نقوشاً خارجة من عمق الثقافة السعودية، يقول «هنا أستخدم (القط العسيري) كرموز شكلتها أيدي النساء في جنوب المملكة لتزيين جدران البيوت، قدّمتها هنا بشكل معاصر، دمجت بين لعبة قادمة من الهند وهي الكيرم، تعبّر عن ثقافة مختلفة ودمجت معها عناصر من ثقافتنا المحلية». يستطرد قائلاً «أريد أن أقول إن الكيرم وصلتنا من ثقافة مختلفة، وعندما وصلتنا أضفنا عليها من شخصيتنا، على سبيل المثال غيّرنا في قواعد اللعبة لتصبح لها شخصية مختلفة عن قواعدها في الهند، حتى مسميات الأشياء وضعنا عليها بصمتنا ولغتنا. في الرقعة المعروضة جسدت ذلك التغيير من خلال الزخارف المحلية».

عمل «الطريق إلى مكة» للفنان سعد الهويدي (الفنان)

عبر ذلك الإطار الخشبي دمج الفنان بين الثقافتين الهندية والسعودية فيما يشبه الحوار الثري بين ثقافة سعودية محلية وثقافة هندية. في نسخ أخرى من العمل نفسه لم يتوقف عند القط العسيري، بل استخدم نقوشاً من مناطق أخرى في المملكة، مثل الزخارف الحجازية والنجدية. أشير إلى أن لعبة الكيرم تمثل جانباً من ذاكرة أغلب العائلات في السعودية، وهي هنا تحتضن ذاكرة النساء عبر زخارف القط العسيري، يقول «بالضبط هذا كان محور اهتمامي. أن أقدم العمل كبحث تراثي وثقافي وسجل للذاكرة. أقول عبر هذا العمل إنه حتى لو تعددت الثقافات فنحن نتوحد في هويتنا العامة كإنسان أولاً ثم نتفرق في ثقافات ولغات ورقصات وموسيقى». «أنت تختصر كل هذه العناصر لأصلها وهو الإنسان؟» يرد بالإيجاب، ويضيف «يقولون إن العالم قرية صغيرة، أنا أقول إننا عالم واحد نعيش على نفس الكوكب، وأريد أن يشعر كل منا بأن الحضارات يمكن أن تلتقي، وتتحاور والناتج سيكون شيئاً جميلاً».

عمل «الطريق إلى مكة» للفنان سعد الهويدي (الفنان)

الحديث مع الهويدي يتشعب ويتعمق في تلاقي الحضارات وآثارها، يضرب المثل بموجات الهجرة لأوروبا وأميركا كيف تركت آثارها في الطعام وفي الملبس والفنون. في عالم الفن الحديث يشير إلى فنانين أمثال بيكاسو وغوغان وماتيس «انظري إلى رسومات بيكاسو وتأثرها بزياراته للمغرب العربي، هناك تعرف على ثقافة جديدة. هو وغوغان وماتيس كلهم خرجوا باتجاه فني مميز ابتكروه بسبب تأثرهم بثقافة مختلفة أعطتهم زاوية غير التي يعيشوها في بلدانهم».

تنويعات من خيوط البشت الحساوي تتخذ شكل الزخارف النجدية (الفنان)

سلسلة «البشت الحساوي»
ترتبط أعمال الفنان بكل عناصر البيئة المحلية، في الاستديو نلحظ في كل عمل عنصراً من الثقافة المحلية، يفككها الفنان لعناصرها أولاً، ثم يتعامل مع تلك العناصر المختلفة ليكوّن منها أعمالاً فنية مميزة. في سلسلة أعمال «البشت الحساوي» قد لا يدرك الناظر خصوصية الموضوع، ولكن لن تخطأ عينه ذلك الوجود المميز للخيوط الذهبية، مهما انفصلت عن شكلها المألوف المغروس في ذاكرة كل فرد في المجتمع. الخيوط تأخذ كل منا للعباءة الرجالية، تثير الحنين والذكريات وتعيد للذهن صوراً مختزنة من مناسبات عائلية أو رسمية ارتدى فيها الرجال تلك العباءة، ارتبطت بأفراح وحفلات وأعياد وذاكرة كاملة.
من ذلك الرداء كوّن الفنان عدداً من الأعمال، غزل تلك الخيوط الذهبية مع عناصر أخرى أيضاً مستقاة من التراث، يشير إلى بعض القطع التي تبدو على هيئة أعمدة متباينة الطول، يحيط أعلاها ما يشبه الحزام الذهبي ويقول مُعرّفاً «هي مجسمات نحتية تناقش تاريخ الطرز المعمارية السعودية والتنوع الحضري في العمارة، من الخيام وبيوت الطين إلى المنازل الحديثة، ومزاوجتها بالأزياء بوضع تطريز (الشمسة) المستخدمة في الملابس التقليدية مثل البشت الحساوي الذي يُرتدى في المناسبات الرسمية».
يحرص الفنان على تقديم الحِرف التقليدية في أعماله، مثل رسومات النساء على جدران البيوت في عسير (القط العسيري) والتي ضمّنها في لعبة الكيرم، وهنا في صناعة البشت الحساوي وهي حرفة رجالية، يقول «قدمت البشت الحساوي باعتباره من الحرف اليدوية في منطقة الأحساء، والتي تخصصت عائلات معينة بها».

الفنان سعد الهويدي

مثلما فعل الهويدي بزخارف نساء عسير حين أخرجها من إطارها المألوف وهو جدران البيوت، فعل الشيء نفسه مع البشت «أخرجته من قالبه ووضعته في شكل آخر غير معتاد. في كل مكان في البشت هناك منطقة جميلة، أقوم بفصلها وإبرازها حتى ألفت الاهتمام لها». من تفاصيل التطريز أو الخياطة التي قام الفنان بتفكيكها نصل إلى مفهوم أكبر وأعمق «عندما دمجت عناصر البشت مع البناء المعماري، أردت أن أقول إن الإنسان بلا وطن ليس بإنسان، وكذلك الوطن بلا إنسان لا يعتبر وطناً».

«مكتبة الذكريات»

طوابع لرسائل لم تصل
تلفتني أثناء الجولة ما يشبه الأطباق المعلقة وما يبدو وكأنه دوائر من الأوراق البيضاء تلتف حول طابع بريدي في منتصفها، يشير إلى أن العمل يحمل اسم «الطريق إلى مكة»، وهو عمل عرضه في فينيسيا وفي الدوحة. شيئاً فشيئاً تتبدى بعض التفاصيل في الصحون، ومع شرح الفنان تظهر لنا صورة العمل. الأصل في العمل هو الطوابع البريدية القديمة التي صاحبت رسائل حجاج ومعتمرين من وإلى الأراضي المقدسة لم تصل لأصحابها. من تلك الرسائل المهملة كوّن الفنان بأسلوب فني بديع أعمالاً متفردة وعميقة في معانيها. يشرح لنا أنه قام بتنسيق الطوابع بشكل يمثل صحن الطواف حول الكعبة وقام بوضع طابع في الوسط يحمل صورة الحرم المكي، حرص الفنان على قلب الطوابع الأخرى لتختفي معاملها وتصبح مثل قطع الفسيفساء أو قطع الرخام في أرضية صحن الطواف. يقول، إنه لم يقرأ الرسائل المغلقة ليحترم خصوصيتها «الرسائل خاصة لم أقرأها، وقلت إنها غير مكشوفة ويجب أن تظل كذلك».
صفوف الطوابع المبهمة الملامح يشبّهها الفنان بالمعتمرين الذين يطوفون حول الكعبة ويلهجون بالدعاء الذي يشبه رسائل للخالق «لا تفقد أي رسالة من المخلوق للخالق، كل الرسائل تصل، قد تكون هذه الرسائل الورقية ضلت طريقها ولكن ما تضمنته من رسائل للخالق وصلت».

مكتبة الذكريات
في مشاركته في أسبوع «مسك للفنون» قدّم الفنان عملاً آخر بعنوان «مكتبة الذكريات»، وبالفعل يقدم لنا مكتبة صوتية ومرئية مثل التي تواجدت في المنازل منذ سنوات طويلة، لا تضم أي قطعة حديثة، بل تتكون من شرائط فيديو قديمة وشرائط كاسيت لمغنين عاشوا في البال ولا يزالون. هي مكتبة للذكريات بحق، في كل شريط منها عمل فني أو غنائي ارتبط بحياة عشناها، أفلام ومسلسلات صاحبت ليالينا وأغنيات صدحت في الحفلات وليالي السمر.
نمرّ على كم هائل من الأشرطة تحمل أغلفتها صوراً لفنانين، أمثال حياة الفهد في مسلسل «خالتي قماشة» أو الحسين عبد الرضا في إحدى مسرحياته الشهيرة، أشرطة الكاسيت وصور فنان العرب محمد عبده وكوكب الشرق أم كلثوم. يبعث العمل في الذاكرة بالكثير والكثير من الذكريات. وهو ما يريده الفنان.
جمع الفنان عبر 8 سنوات 30 ألف شريط كاسيت وفيديو ليكوّن ما يطلق عليه «أرشيف موثق لما عرضه التلفزيون السعودي قبل 45 عاماً»: «أريد أن أحافظ على الإرث الثقافي والاجتماعي لمنطقة الخليج؛ فهو ذاكرتنا البصرية والسمعية».



مقتل 10 عناصر أمن و37 مسلحاً بهجمات نفذها انفصاليون جنوب غربي باكستان

جنود من الجيش الباكستاني يقفون عند نفق تعرض فيه قطار جعفر إكسبريس لهجوم من قبل مسلحين انفصاليين في بولان ببلوشستان - مارس الماضي (أرشيفية - رويترز)
جنود من الجيش الباكستاني يقفون عند نفق تعرض فيه قطار جعفر إكسبريس لهجوم من قبل مسلحين انفصاليين في بولان ببلوشستان - مارس الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 10 عناصر أمن و37 مسلحاً بهجمات نفذها انفصاليون جنوب غربي باكستان

جنود من الجيش الباكستاني يقفون عند نفق تعرض فيه قطار جعفر إكسبريس لهجوم من قبل مسلحين انفصاليين في بولان ببلوشستان - مارس الماضي (أرشيفية - رويترز)
جنود من الجيش الباكستاني يقفون عند نفق تعرض فيه قطار جعفر إكسبريس لهجوم من قبل مسلحين انفصاليين في بولان ببلوشستان - مارس الماضي (أرشيفية - رويترز)

قتل عشرة عناصر من قوات الأمن على الأقل و37 مسلحاً في «هجمات منسقة» نفذها انفصاليون من البلوش السبت في ولاية بلوشستان بجنوب غربي باكستان، بحسب ما أفاد مصدر رسمي.
وقال مسؤول أمني كبير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه لكونه غير مخول التحدث إلى الإعلام: «شن الإرهابيون ... هجمات منسقة هذا الصباح على أكثر من 12 موقعا»، مضيفاً «تمت تصفية 37 إرهابياً... واستشهد عشرة من عناصر الأمن وجرح آخرون».

وفي وقت سابق، قال مسؤول أمني كبير يعمل في كويتا، كبرى مدن الولاية التي تشهد أعمال عنف تنفذها جماعات مسلّحة تقاتل الدولة: «تجري هجمات منسقة بالأسلحة النارية والعمليات الانتحارية عبر بلوشستان، وبصورة رئيسية في مناطق كويتا وباسني وماستونغ ونشقي وغوادار».

وأكد مسؤول عسكري كبير في إسلام آباد أن الهجمات «منسقة» لكنه شدد على أنها «أُحبطت ... بفضل استجابة فعالة لقوات الأمن»، من دون الإدلاء بأي معلومات حول الحصيلة.

وعلقت حركة القطارات في المناطق المستهدفة، كما شهدت خدمة الهاتف الجوال وحركة السير بلبلة.

وتبنى «جيش تحرير بلوشستان»، أكبر المجموعات الانفصالية في الإقليم المحاذي لأفغانستان وإيران، هذه الهجمات في بيان تلقته وكالة الصحافة الفرنسية.

وتأتي الهجمات بعدما أعلن الجيش الباكستاني الجمعة مقتل 41 متمردا انفصاليا في بلوشستان.

ويعلن «جيش تحرير بلوشستان» بانتظام مسؤوليته عن هجمات دامية على قوات الأمن وباكستانيين من أقاليم وولايات أخرى، يتهمهم، إلى جانب المستثمرين الأجانب، بنهب منطقته الغنية بالموارد من دون السماح للسكان المحليين بالاستفادة من هذه الثروة.

ويُعتبر الإقليم غنيا بالهيدروكربونات والمعادن، إلا أن سكانه يشكون من التهميش والحرمان، ما جعل منه أفقر منطقة في باكستان.

وتواجه باكستان حركة تمرّد في الإقليم منذ عقود، لكن الهجمات زادت في مناطق غرب البلاد الحدودية مع أفغانستان منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابل عام 2021.

وكان العام 2024 على قدر خاص من الدموية إذ قتل خلاله أكثر من 1600 شخص حوالى نصفهم من الجنود والشرطيين، بحسب مركز إسلام آباد للأبحاث والدراسات حول الأمن.


أكثر من 200 قتيل في موقع تعدين شرق الكونغو الديمقراطية

عمال المناجم ينتشرون بمحجر تعدين في روبايا بالكونغو (أ.ب)
عمال المناجم ينتشرون بمحجر تعدين في روبايا بالكونغو (أ.ب)
TT

أكثر من 200 قتيل في موقع تعدين شرق الكونغو الديمقراطية

عمال المناجم ينتشرون بمحجر تعدين في روبايا بالكونغو (أ.ب)
عمال المناجم ينتشرون بمحجر تعدين في روبايا بالكونغو (أ.ب)

قُتل 200 شخص على الأقل في الأسبوع الماضي، عندما تسبب انهيار أرضي في تدمير العديد من المناجم في موقع تعدين رئيسي للكولتان في شرق الكونغو الديمقراطية، طبقاً لما ذكرته سلطات المتمردين، اليوم (السبت).

ووقع الانهيار الأرضي يوم الأربعاء الماضي في مناجم روبايا، التي تخضع لسيطرة متمردي حركة «إم 23» (23 مارس)، طبقاً لما ذكره لومومبا كامبيري مويسا، المتحدث باسم حاكم مقاطعة كيفو الشمالية المعين من قبل المتمردين لوكالة «أسوشييتد برس». وأضاف أن الانهيار الأرضي نجم عن أمطار غزيرة.

وقال مويسا: «حتى الآن، هناك أكثر من 200 قتيل، بعضهم لا يزالون في الوحل ولم يتم انتشالهم». وأضاف أن عدة أشخاص آخرين أصيبوا بجروح وتم نقلهم إلى 3 منشآت صحية في بلدة روبايا، حيث من المتوقع أن تنقل سيارات الإسعاف الجرحى اليوم السبت إلى غوما، وهي أقرب مدينة تبعد نحو 50 كيلومتراً (30 ميلاً).

وأضاف مويسا أن حاكم مقاطعة كيفو الشمالية، المعين من قبل المتمردين، أوقف بشكل مؤقت، عمليات التعدين في الموقع وأمر بنقل السكان، الذين بنوا ملاجئ بالقرب من المنجم.

وتقع روبايا في قلب شرق الكونغو الديمقراطية وهي منطقة غنية بالمعادن في الدولة الواقعة وسط أفريقيا، التي مزقتها على مدى عقود أعمال العنف من قبل قوات حكومية وجماعات مسلحة مختلفة، بما في ذلك حركة «إم 23» المدعومة من رواندا، والتي أدى ظهورها الأخير إلى تصعيد الصراع، مما زاد من حدة الأزمة الإنسانية الحادة بالفعل.

عمال يحفرون في منجم الكولتان في بلدة روبايا التي يسيطر عليها متمردو حركة «إم 23» في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وتعد حركة «إم 23» الأكثر بروزاً بين أكثر من 100 جماعة مسلحة تتنافس للسيطرة على شرق الكونغو الديمقراطية الغني بالمعادن، وفقاً للأمم المتحدة.

وقد أدى القتال إلى نزوح أكثر من 6 ملايين شخص في المنطقة، مما جعلها أكبر أزمة إنسانية في العالم.

وسيطرت «إم 23» (23 مارس) على مدينة روبايا المنجمية التي تنتج من 15 في المائة إلى 30 في المائة من الكولتان في العالم، في أبريل (نيسان) 2024.

وتشير التقديرات إلى أن شرق الكونغو الديمقراطية الذي تمزقه الصراعات منذ 30 عاماً، يحتوي على ما بين 60 في المائة و80 في المائة من احتياطيات العالم من هذا المعدن الذي يُستخرج منه التنتالوم، وهو عنصر أساسي في تصنيع المعدات الإلكترونية الحديثة.

يقع الموقع الذي يعمل فيه عمال بطرق تقليدية على بعد نحو 70 كيلومتراً غرب مدينة غوما، عاصمة مقاطعة شمال كيفو، والتي تخضع أيضاً لسيطرة «إم 23» منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

بحسب التقارير الأولية، انهار جزء من منحدر جبلي في منطقة التعدين الممتدة على مساحة عشرات الكيلومترات المربعة، بعد ظهر الأربعاء. ووقع انزلاق تربة آخر صباح الخميس.

وقال إيراستون باهاتي موسانغا، حاكم مقاطعة شمال كيفو المعيّن من قبل حركة «إم 23»، والذي كان حاضراً في مكان الواقعة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «انهار التل وقضى أشخاص».

وتابع: «لقد تم العثور على بعض الجثث»، من دون أن يذكر رقماً محدداً، لكنه أشار إلى احتمال وجود عدد كبير من القتلى.


«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
TT

«انقلاب أبيض» في «الفيدرالي»... كيفن وورش يقود «ثورة» ترمب النقدية

وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)
وورش يتحدث في مؤتمر في نيويورك عام 2017 (رويترز)

في خطوة وُصفت بأنها «إعادة ضبط» شاملة لمنظومة المال الأميركية، أعلن الرئيس دونالد ترمب ترشيح كيفن وورش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو (أيار) المقبل. هذا الاختيار لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل يؤشر على «انقلاب أبيض» في العقيدة الاقتصادية لـ«المركزي الأميركي»؛ حيث يأتي وورش، المعروف بانتقاداته اللاذعة للنهج الحالي، ليكون المهندس الجديد لسياسة نقدية تتماشى مع رؤية «ترمب 2.0» القائمة على النمو المتسارع وتخفيض تكاليف الاقتراض.

من «صقر» التضخم إلى «حمامة» الفائدة

يُعد كيفن وورش (55 عاماً) وجهاً مألوفاً في أروقة الاحتياطي الفيدرالي ومراقبي الأسواق، لكن مسيرته شهدت تحولاً لافتاً. فبينما عُرف كـ«صقر» ينادي برفع الفائدة خلال فترة عضويته في مجلس المحافظين (2006-2011)، أصبح في السنوات الأخيرة من أشد الداعمين لخفض تكاليف الاقتراض. هذا التحول يضعه في تناغم تام مع ضغوط ترمب المستمرة لخفض الفائدة لتحفيز الاقتصاد، وهو ما فشل باول في تحقيقه بالشكل الذي يرضي البيت الأبيض.

واجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو

يرتكز موقف وورش المؤيد لخفض الفائدة على رؤية اقتصادية حديثة؛ فهو يجادل بأن الولايات المتحدة تشهد طفرة إنتاجية ناتجة عن ثورة «الذكاء الاصطناعي» وابتكارات وادي السيليكون. ويرى وورش أن هذه الثورة تسمح للاقتصاد الأميركي بالنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة الأخرى دون التسبب في اشتعال التضخم، وهو ما يسمح لصناع السياسة بخفض الفائدة لدعم الأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من التمسك بنماذج اقتصادية «بالية» تعزو التضخم لزيادة إنفاق المستهلكين أو ارتفاع الأجور.

ثورة الميزانية العمومية

أحد أكثر جوانب رؤية وورش راديكالية هو موقفه من الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي والبالغة 6.6 تريليون دولار. يصف وورش هذه الميزانية بـ«المتضخمة» التي صُممت لدعم الشركات الكبرى في حقبة أزمات مضت. ويطالب بتقليصها بشكل كبير، معتبراً أن هذه الأموال يجب أن «تُعاد تعبئتها» في صورة أسعار فائدة منخفضة تدعم المواطن البسيط.

كما يدعو إلى «اتفاقية جديدة» بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي على غرار اتفاقية عام 1951، وذلك لضمان عدم عمل البنك في اتجاهات تعاكس سياسات الخزانة، وهو ما يراه البعض تهديداً لاستقلالية البنك التاريخية. إذ يدعو وورش إلى نسخة عصرية من اتفاقية عام 1951 التاريخية؛ حيث تهدف إلى إيجاد آلية تنسيق رسمية ومباشرة بين وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي بشأن حجم الميزانية العمومية وكيفية إدارة الديون السيادية الضخمة للولايات المتحدة.

هجوم على النماذج التقليدية

يتبنى وورش نهجاً نقدياً يضع اللوم في التضخم على الإنفاق الحكومي المفرط وطباعة النقد، وليس على المستهلك الأميركي. وفي تصريحاته، دعا صراحة إلى «تغيير النظام» داخل الاحتياطي الفيدرالي، مهاجماً النماذج الماكرو-اقتصادية التي يستخدمها البنك حالياً. ويقول بوضوح: «البنك المركزي يعتقد أن التضخم سببه ارتفاع الأجور وإنفاق المستهلكين، وأنا أختلف جذرياً؛ التضخم ينشأ عندما تنفق الحكومة الكثير وتطبع الكثير».

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي في مؤتمر صحافي (رويترز)

عقبات سياسية وتحقيقات قضائية

رغم أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ (53-47)، فإن طريق وورش قد لا يكون مفروشاً بالورود. يواجه الترشيح تعقيدات قانونية مرتبطة بتحقيق وزارة العدل حول شهادة جيروم باول بشأن ترميم مقر الفيدرالي، وهو ما دفع بعض السيناتورات، مثل توم تيليس، للتلويح بمعارضة أي ترشيح للفيدرالي حتى يُحسم التحقيق. كما تلاحق وورش انتقادات من زملائه السابقين الذين يرون في هجومه اللاذع على البنك «تحولاً عن الاستقلالية» لإرضاء طموحاته السياسية.

أصغر محافظ في تاريخ البنك

وصف ترمب وورش بأنه شخصية من «وسط الممثلين» (Central Casting) لوسامته وحضوره. بدأ وورش مسيرته في البيت الأبيض في عهد بوش، قبل أن يصبح في سن الـ35 أصغر عضو في مجلس محافظي الفيدرالي. لعب دوراً محورياً كهمزة وصل بين «وول ستريت» والبنك المركزي خلال أزمة 2008، مما جعله «الرجل الذي لا غنى عنه» في تلك الحقبة. واليوم، وهو في الخامسة والخمسين، يجد نفسه أمام فرصة العمر لتنفيذ رؤيته التي صقلها على مدار عقود كمراقب ومنتقد من الخارج.

وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام عن تقريره حول الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

تأهب في الأسواق العالمية

تستعد الأسواق المالية العالمية لافتتاح أسبوعي يوصف بـ«المضطرب»، حيث ترك هذا القرار المستثمرين في حالة من التحليل المكثف:

- العقود الآجلة والدولار: من المتوقع أن ترحب الأسواق بوورش كونه صوتاً ينادي بخفض الفائدة، إلا أن الدولار قد يواجه ضغوطاً نزولية نتيجة توجهاته التيسيرية وتناغمه مع رغبة ترمب في دولار «غير مبالغ في قوته».

- سوق السندات: تسود حالة قلق لدى «صقور السندات» من أن تؤدي «الاتفاقية المقترحة بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي إلى فقدان البنك المركزي استقلاليته، مما قد يرفع «علاوة المخاطر» ويؤدي لتذبذب في العوائد. ويرى هؤلاء أن «التنسيق» هو مجرد اسم مغلف لـ«التبعية»؛ أي أن الحكومة قد تملي على البنك المركزي إبقاء الفائدة منخفضة فقط لتتمكن من تمويل عجزها المالي الضخم بتكلفة رخيصة. كما يعتبرون أنه إذا فقد الاحتياطي الفيدرالي قدرته على اتخاذ قرارات «مؤلمة» (مثل رفع الفائدة) بسبب التزامه باتفاقية مع الخزانة، فإن التضخم قد يخرج عن السيطرة، مما يؤدي إلى انهيار قيمة السندات طويلة الأجل. ويخشى المستثمرون أن تصبح ميزانية الاحتياطي الفيدرالي أداة لتمويل الأجندات السياسية بدلاً من الحفاظ على استقرار الأسعار.

- الأصول الرقمية: يأتي الترشيح والبتكوين ينزف بنسبة 7 في المائة (82800 دولار). وبينما يرفع خفض الفائدة من شهية المخاطرة، يراقب المستثمرون ما إذا كان عهد وورش سينهي ظاهرة «بيع الخبر» التي طالما أحبطت مستثمري العملات المشفرة في 2025.

- الذهب والتقنية: يترقب الذهب «تغيير النظام» كملاذ آمن، بينما تعد رؤية وورش حول «ثورة الإنتاجية» بمثابة «موسيقى» لآذان شركات وادي السيليكون التي قد تشهد انتعاشاً في تقييماتها.

متداولان في بورصة نيويورك (رويترز)

يمثل ترشيح كيفن وورش نهاية حقبة «الاستمرارية» التي بدأت منذ عصر آلان غرينسبان. فإذا تم تثبيته، فإن العالم أمام بنك مركزي جديد تماماً؛ بنك يتحالف مع الخزانة، ويتبنى التكنولوجيا، ويضرب بالنماذج التقليدية عرض الحائط، ليحقق حلم ترمب في اقتصاد «فائق السرعة» ومنخفض التكلفة.