المصالحة التاريخية بين الفلسفة والدين

الباحث الكندي ريشار باستيان يؤكد أهميتها في بناء عالم جديد

TT

المصالحة التاريخية بين الفلسفة والدين

ربما كنا نعتقد أن الغرب كله ماديّ، إلحاديّ، محض. لا ريب في أن التيار الغالب هو هكذا. ولكن هناك تيار آخر لا يستهان به هو تيار العلم والإيمان. هذا ما يقوله لنا الباحث الكندي ريشار باستيان، مدير الجمعية الكاثوليكية لحقوق الإنسان (منطقة أوتاوا). فهو يقول إنه يوجد في الغرب علماء كبار ولكنهم في ذات الوقت مؤمنون بالله والدين والقيم العليا المتعالية التي تتجاوز الماديات على عكس فلاسفة الإلحاد. من أهمهم جون نيومان، وغلبيرت تشيستيرتون، وكلايف لويس، وآخرون. وجميعهم إنجليز وأميركان. وقد انتقدوا بعمق تطرفات الحداثة وضلالاتها وخروجها عن السكة الصحيحة. ثم يضيف: «عالمنا ليس بحاجة إلى إصلاحات سياسية أو اقتصادية بقدر ما هو بحاجة إلى إصلاحات دينية ومعالجات روحانية. وهو يقصد بذلك العالم الغربي بالدرجة الأولى لأنه تخلى كلياً عن الدين والروحانيات وعدّها أشياء «رجعية» عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفات الماضي. ويرى هذا الباحث أن علّة الحضارة الغربية الحديثة هي نسيان الإيمان والروحانيات نسياناً كاملاً والغرق في الإباحية المادية والشهوات الشذوذية. ويرى الباحث أن هناك أربعة تصورات فيما يخص العلاقة بين الإيمان والعقل. هذه التصورات هي التالية:
أولاً- الإيمان المطلق الأعمى بلا عقل ولا فكر ولا بصيص نور. وأصحاب هذا الموقف يعتقدون أننا بحاجة إلى الإيمان فقط دون العقل. فالإيمان وحده يكفي ولسنا بحاجة إلى أي شيء آخر. وهذا ما يُدعى الجهل المقدس. وهو الذي كان مهيمناً على الغرب المسيحي في القرون الوسطى أيام محاكم التفتيش ولا يزال مهيمناً على العالم الإسلامي حتى اليوم (انظر الدواعش).
ثانياً- هناك الموقف المضاد تماماً، وهو موقف الحداثة المتطرفة الذي يقول بأن العقل وحده يكفي للتوصل إلى الحقيقة ولسنا بحاجة إلى أي شيء آخر سواه: لا دين ولا إيمان ولا عوالم ميتافيزيقية ولا من يحزنون...
ثالثاً- موقف ما بعد الحداثة. وهو يتبنى موقف النسبوية الأخلاقية أو العدمية الأخلاقية في الواقع. بمعنى أن كل شيء يتساوى مع كل شيء، ولا شيء أفضل من شيء. الشذوذ واللاشذوذ سيان. إنه يميّع كل المواقف. ولذلك قلنا بأنه نسبويّ عدميّ وسوف يدمّر الحضارة الغربية إذا ما استفحل أمره أكثر من اللزوم.
رابعاً- الموقف الإيماني الصحيح الذي يقول بأن العقل والإيمان معاً ضروريان للتوصل إلى الحقيقة والعيش الطيب الكريم على هذه الأرض. وبالتالي فلا العقل وحده يكفي ولا الإيمان وحده يكفي وإنما يلزمنا الاثنان معاً. وهذا هو الموقف السليم.
لسوء الحظ فإن المؤلف وضع الإسلام كله في الخانة الأولى: أي خانة الإيمان المطلق الأعمى بلا عقل. وهذا خطأ كبير. فالإسلام هو دين العقل بامتياز إذا ما فهمناه بشكل صحيح على طريقة المعتزلة والفلاسفة وكبار الروحانيين لا على طريقة التيارات الإخوانية الظلامية المتطرفة. قبل أن نتحدث عن هذا الخطأ أو النقص الذي اعترى تصورات الباحث عن الإسلام دعونا نستعرض فكرته كما هي ثم نحكم عليها لاحقاً. ماذا يقول بالضبط؟ إنه يقول لنا ما معناه: بدءاً من منتصف القرن التاسع الميلادي راح بعض علماء الدين المسلمين يرفضون العقل من خلال رفض الفلسفة الإغريقية ومحاربتها وتكفيرها. وهذا ما أدى إلى تصور الكون على أساس أنه مسيَّر بشكل تعسفي اعتباطي ومفرغ من كل عقلانية. ومع مرور الزمن راحوا يرفضون حتى فكرة السببية. ومعلوم أنه لا عقلانية من دون سببية. نضرب على ذلك مثلاً العالم الديني الشهير الغزالي الذي أنكر قانون السببية وهاجم الفلاسفة وبخاصة ابن سينا لأنهم تأثروا بفلاسفة الإغريق كأفلاطون وأرسطوطاليس. ومن يُنكر قانون السببية المنطقية فهذا يعني أنه يؤيد قانون التعسفية الاعتباطية. بدءاً من تلك اللحظة انطفأت أنوار العالم الإسلامي وانتقل مشعل الحضارة إلى أوروبا.
ماذا يمكن أن نقول عن هذا الكلام؟ عدة أشياء. أولاً: صحيح أن الفقهاء هاجموا الفلسفة اليونانية في القرن التاسع الميلادي، بل حتى قبله، ولكنّ الفلسفة العربية لم تتوقف في القرن التاسع وإنما استمرت حتى القرن الثاني عشر وانتهت بموت ابن رشد عام 1198. ثانياً: إذا كان الفقهاء قد هاجموا الفلسفة والعقلانية السببية وقالوا بأن الإيمان المطلق وحده يكفي فإن الفارابي ومن بعده ابن سينا اتخذا موقفاً مغايراً وقالا بضرورة الجمع بين الإيمان والعقل، أو بين الفلسفة والدين. وهذا ما فعله ابن رشد أيضاً بعدهما في كتابه الشهير: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». المقصود بالحكمة هنا: الفلسفة. وبالتالي فقد جمع فلاسفة الإسلام الكبار من أمثال الفارابي وابن سينا وابن الطفيل وابن رشد وابن باجة... إلخ، بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة ولم يقولوا أبداً بأن الإيمان (على العميانة) بلا عقل يكفي. هذا رد مفحم على أطروحة الباحث الخاطئة عن الإسلام. لكن يبقى صحيحاً القول بأن تيار الغزالي هو الذي انتصر وليس تيار الفارابي وابن سينا وابن رشد. وهو الذي ساد كل العصور الانحطاطية وهيمن على العالم الإسلامي منذ القرن الثالث عشر حتى يومنا هذا. وإلا كيف يمكن أن نفسر سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم؟ كيف يمكن أن نفسّر سبب انتشار الحركات الأصولية إلى مثل هذا الحد حتى في عز القرن الحادي والعشرين؟ نضيف بأن تيار المعتزلة الذي يجهله المؤلف كلياً على ما يبدو جمع أيضاً بين الإيمان والعقل بشكل رائع ومدهش. ومعلوم أن المعتزلة هم أكثر المذاهب عقلانية ونضجاً في الإسلام. ولكنهم أُبيدوا بعد أن تغلب التيار الأصولي كلياً عليهم وسحقهم وأحرق كتبهم في الأمصار. لماذا لا يوجد معتزلة اليوم مثلما يوجد سنة وشيعة وإباضية... إلخ؟ لماذا انقرضوا؟ لا أحد يطرح هذا السؤال. لا أحد يتساءل: لماذا انتصر الأصوليون انتصاراً مطلقاً على العقلانيين (أعتذر عن خطأ وقع في مقالتي السابقة عن «مجلة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» حيث ورد اسم تقي الدين السيوطي في حين أنه جلال الدين السيوطي العلّامة الأصوليّ الشهير).
ثم نلاحظ أن الباحث لا يكتفي بمهاجمة الإسلام ككل بغير حق وإنما يهاجم أيضاً المذهب البروتستانتي في المسيحية. وهذا أكبر دليل على مدى تعصبه لمذهبه الكاثوليكي البابوي. وذلك لأن المذهب البروتستانتي هو العدو اللدود للمذهب الكاثوليكي في أوروبا أو قل كان عدوه اللدود طيلة عدة قرون قبل أن يتصالحا أخيراً بفضل تطور الوعي واستنارة الشعوب الأوروبية. وقد كان المذهب البروتستانتي أقرب إلى العقلانية من المذهب الكاثوليكي على عكس ما يدّعي الباحث. ولم يحارب العلماء والفلاسفة مثله. ولكن ينبغي الاعتراف بأن المذهب الكاثوليكي بذل جهوداً جبارة لاحقاً وتصالح مع العقلانية والحداثة والعصر واعتذر لغاليليو وداروين، إلخ. وهذا شرف له. بل اعتذر عن المجازر الطائفية التي أنزلها بالبروتستانتيين «الزنادقة» بخاصة مجزرة «سانت بارتيليمي» الشهيرة في قلب باريس (1572). ويُشكر أيضاً على الجهود التي بذلها للتصالح مع المذهب البروتستانتي، بل حتى مع الإسلام وبقية الأديان كاليهودية والبوذية والهندوسية، إلخ. انظر القرارات الجريئة للمجمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني (1962 - 1965). وهذه ثورة لاهوتية تحريرية ضخمة (ليتها تحصل عندنا في الإسلام أيضاً. بل إنها حصلت مؤخراً على يد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. انظر وثيقة الأخوة الإنسانية واتفاق إبراهيم الخليل ووثيقة مكة المكرمة. هذا أيضاً تطور كبير يَعِد بالخير العميم).
أخيراً نلاحظ أن الباحث يهاجم مفكري الحداثة الكبار وعلى رأسهم ديكارت. ولكن ديكارت كان مؤمناً بالله كل الإيمان على طريقته الفلسفية. كما يهاجم نيوتن وجون لوك وفولتير وجان جاك روسو وكانط على الرغم من أنهم كانوا من المؤمنين بالله أيضاً. وما كانوا ملاحدة على الإطلاق. ولم يثوروا على الدين في المطلق ولا على الإيمان في المطلق. وإنما ثاروا فقط على التعصب الديني الذي كان يكتسح أوروبا آنذاك ويكاد يدمرها أو يفتك بها فتكاً ذريعاً. ولذلك خاضوا المعركة ضده على المكشوف وربحوها في نهاية المطاف. فهل نلومهم على ذلك؟ هل نلومهم لأنهم نوّروا شعوبهم وأنقذوها من براثن التعصب الطائفي والمذهبي؟


مقالات ذات صلة

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

«عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

لا تبدو مجموعة «عرضحال بغدادي» لخضير فليح الزيدي، مجموعة قصصية تقليدية تضم نصوصاً مستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه

بشرى الهلالي
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
كتب معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا

رشا أحمد (القاهرة)
كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.