حرب أوكرانيا تحول مرتزقة «فاغنر» إلى مدافعين عن الوطن

أصحاب سوابق يحملون البنادق على الجبهة... وداخل الحدود

تتحدث الأوساط الأوكرانية عن مشاركة 23 ألف سجين سابق في روسيا في الحرب الحالية ضمن وحدات «فاغنر» (رويترز)
تتحدث الأوساط الأوكرانية عن مشاركة 23 ألف سجين سابق في روسيا في الحرب الحالية ضمن وحدات «فاغنر» (رويترز)
TT

حرب أوكرانيا تحول مرتزقة «فاغنر» إلى مدافعين عن الوطن

تتحدث الأوساط الأوكرانية عن مشاركة 23 ألف سجين سابق في روسيا في الحرب الحالية ضمن وحدات «فاغنر» (رويترز)
تتحدث الأوساط الأوكرانية عن مشاركة 23 ألف سجين سابق في روسيا في الحرب الحالية ضمن وحدات «فاغنر» (رويترز)

لم تكن الضربة القاسية التي تلقتها قوات «فاغنر» في لوغانسك قبل يومين، الوحيدة التي تمر سريعاً من دون أن تثير كثيراً من النقاشات، باستثناء بعض التغطيات المحدودة في وسائل إعلام. كالعادة، لم يصدر تعليق رسمي على الحادث، ولا تفاصيل عن عدد الضحايا وحجم الخسائر.
تجاهلت وسائل الإعلام الحكومية الكبرى خبر تفجير فندق كان يستخدم مقراً رئيسياً لتحركات قوات «فاغنر» في دونباس، بينما اكتفت وسائل إعلام تابعة للقوات بنقل خبر مقتضب عن الحادث. وفي اليوم التالي، ترددت معطيات عن إسقاط طائرة مقاتلة تابعة أيضاً لقوات «فاغنر» كانت تقوم بمهمة في المنطقة، قُتل طاقمها المكون من شخصين؛ لكن الأهم في الخبر -وفقاً لمعطيات وسائل إعلام- أنه كشف امتلاك المجموعة التي أحيط نشاطها العسكري دائماً بهالة من السرية والتكتم، أسلحة ثقيلة، بينها مقاتلات من طراز «سوخوي».
هذا الكشف لم يكن الوحيد الذي فاجأ كثيرين في روسيا وخارجها؛ إذ سبق ذلك انتقال نشاط قوات «فاغنر» إلى العلن، بعدما ظل لسنوات محاطاً بكثير من الغموض والكتمان، وكان تناول المعطيات المتعلقة بالعمليات العسكرية للمجموعة يعد من المحظورات.
وكشفت وسائل إعلام حكومية روسية النقاب للمرة الأولى قبل أسابيع، عن نشاط مجموعات «فاغنر» العسكري في الحرب الأوكرانية، وتحدثت عن دور أساسي تقوم به في معارك دونباس. وكانت مسألة مشاركة الوحدات العسكرية الخاصة التابعة لهذه المجموعة، في «العملية العسكرية الروسية الخاصة» معروفة منذ وقت طويل؛ لكن هذا النشاط أحيط دائماً بتكتم شديد، أثير حوله كثير من التساؤلات، وهو الأمر الذي بدا تكراراً لتجارب سابقة في تغطية النشاط الخفي للمجموعة في سوريا وليبيا وبعض البلدان الأفريقية.
وبدا أن موسكو اتخذت قراراً بكشف جوانب من هذا النشاط، على خلفية التطورات الميدانية الأخيرة في أوكرانيا، وفي إطار التعاطي الجديد الذي وضعه قائد الوحدات المشتركة، سيرغي سوروفيكين، لإدارة المعارك.
وحملت التغطيات التي قدمتها وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية إشارات واضحة إلى هذا التعاطي المختلف، فقد باتت تنشر بيانات عن تحركات أفراد المجموعة العسكرية، وتصريحات لمؤسسها يفغيني بريغوجين، المقرب من الكرملين، وهو الذي كان مجرد ذكر اسمه إلى جانب «فاغنر» يسفر عن فتح قضايا جنائية، كما حدث في وقت سابق مع حزب معارض صغير، تعرض لملاحقة وخسر قضية في المحاكم، وتم تغريمه بدفع تعويضات ضخمة.
ونشرت شبكة «روسيا سيغودنيا» أخيراً، للمرة الأولى، معطيات عن مشاركة عناصر «فاغنر» في معارك ضارية في دونيتسك، وتحدثت عن تقدم طفيف أحرزته المجموعة عبر نجاحها في الاستيلاء على مناطق تقع على خطوط التماس. وفي الوقت ذاته، أشارت إلى مشاركة فاعلة لقوات «فاغنر» في الاشتباكات المتواصلة على تخوم مدينة باخموت، جنوب غربي دونيتسك، مع اقتراب القوات منها، بعد «تحرير» بلدة كديما جنوب المدينة.
اللافت أن المحطة التلفزيونية الحكومية الروسية، دخلت للمرة الأولى في تاريخ تغطية نشاطات هذه المجموعة إلى مواقع القتال، ونشرت مقاطع فيديو تم تصويرها خلال تغطية المعارك.
كان اسم «مجموعة فاغنر» قد ظهر إلى العلن للمرة الأولى مباشرة بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، وتحدثت تقارير عن أن مشاركة مقاتلي المجموعات في بعض العمليات العسكرية سبق إرسال الوحدات العسكرية الروسية النظامية. وشاركت قوات «فاغنر» التي يديرها رجل الأعمال المقرب من الكرملين يفغيني بريغوجين، في معارك ضارية في تدمر وحلب ومناطق أخرى في سوريا. كما تحدثت تقارير عن مشاركة المجموعة في عمليات قتال جرت في ليبيا، وعن دور أساسي قامت به في بعض بلدان القارة الأفريقية، خلال السنوات السابقة.
لكن الجديد في المعطيات التي تناقلتها وسائل الإعلام لم يقتصر على الكشف عن علاقة بريغوجين بـ«فاغنر»؛ بل تعدى ذلك، إلى الكشف عن تفاصيل كانت تعد دائماً من المحرمات، مثل الإشارات إلى أن المنتسبين إلى هذه المجموعات في جزء كبير منهم هم من أرباب السوابق، وتم إطلاق سراح بعضهم من السجون بشكل مشروط بتوقيع عقود للقتال في أوكرانيا، مقابل رواتب شهرية مجزية.
تتحدث الأوساط الأوكرانية عن مشاركة 23 ألف سجين سابق في روسيا في الحرب الحالية ضمن وحدات «فاغنر»؛ لكن هذا الرقم لا تؤكده المصادر الروسية التي تتجنب دائماً الخوض في التفاصيل.
في الوقت ذاته، كشفت حوادث وقعت أخيراً عن معطيات تؤكد الرواية الأوكرانية؛ إذ حملت حادثة قيام مسلح ينتمي للمجموعة بإطلاق النار في بلدة حدودية داخل الأراضي الروسية على بعض عناصر الشرطة، تفاصيل مثيرة للغاية؛ خصوصاً بعدما انبرى بريغوجين علناً للدفاع عن مطلق النار، وتعهد بإطلاق سراحه و«إعادته إلى الجبهة سريعاً».
وقال بريغوجين لوكالة «نوفوستي»، إن «قيادة مجموعة (فاغنر) لا تتنصل من مسؤوليتها عن تصرفات بافيل نيكولين الذي أطلق النار على ثكنة لرجال الشرطة في بلدة نوفوشاختينسك بمنطقة روستوف»، وزاد أنه كتب إلى المدعي العام تعهداً شخصياً بضمان نقل المتهم إلى دونباس، في مقابل الإفراج عنه.
وقعت الحادثة بعد ظهر يوم 6 ديسمبر (كانون الأول)، وبات معلوماً أن رجلاً يرتدي ملابس مموهة فتح النار من مدفع رشاش خفيف على الشرطة، ما أدى إلى وقوع بعض الإصابات، ثم فر بعد ذلك. في اليوم التالي تم اعتقاله في قرية كيسيليفو. وحسب لجنة التحقيق فإن لديه سوابق جنائية تتعلق بالسرقة. وتم فتح قضية جنائية بموجب بنود التعدي على حياة ضباط إنفاذ القانون وحمل الأسلحة. وسرعان ما أعلن نيكولين أنه خدم في مجموعة «فاغنر». وقال مطلق النار إنه ظن خطأ «أن رجال الشرطة أوكرانيون». وأوضح بافيل نيكولين: «لم أكن أعرف حتى أنني عبرت (الحدود)، تخلفت وراء المجموعة». وعندما سئل: لماذا بدأ إطلاق النار على الشرطة؟ قال المشتبه به إنه «اعتقد أن هذا كمين أوكراني». وأضاف نيكولين: «لأنهم لم يكونوا يرتدون الزي العسكري (في الملابس) ولم يبرزوا وثائق».
كشفت الحادثة جانباً خطيراً في الموضوع، فرجال «فاغنر» الذين أُطلقوا من السجون وتخلصوا من أحكام جنائية ليقاتلوا في أوكرانيا، لا يحملون السلاح فقط في ساحات القتال؛ بل وفي الداخل الروسي أيضاً. لكن هناك قصة أخرى، كان بريغوجين بطلها أيضاً. وهي تظهر جانباً من التفاصيل المتعلقة بمقاتلي «فاغنر».
قبل أسابيع، رفضت سلطات سان بطرسبورغ دفن مقاتل في مجموعة «فاغنر» لقي مصرعه أخيراً، في «ممشى الأبطال» التابع للمقبرة التاريخية في المدينة. هناك يرقد كثيرون من العسكريين النظاميين الذين لقوا مصرعهم في ساحات القتال في حروب مختلفة سابقاً، وسبب الرفض أن لهذا الرجل «تاريخاً إجرامياً».
أثار الرفض غضب بريغوجين، ووصف الحادثة بأنها فضيحة. وقال لوكالات رسمية: «يمكننا أن نقول إن هذا جزء من التخريب والاستهزاء بذكرى إخواننا الموتى. لن نصمت على هذه الفضيحة، وسنقاتل من أجل كل مقاتل، سواء كان أسيراً أم قتيلاً». وزاد في حديث صحافي: «يقاتل السجناء السابقون وضباط إنفاذ القانون جنباً إلى جنب، ويموتون معاً، باسم وطنهم الأم المشترك». وتعهد بأن يظهر لسلطات مدينة سان بطرسبورغ: «من هو على صواب ومن على خطأ». وحذَّر رجل الأعمال من أنه «سوف يسحب كل نذل من آذانه»، ويقدمه إلى العدالة، داعياً من اتخذ قرار عدم دفن «المدافع عن الوطن» في «ممشى الأبطال» إلى أن «ينظر في عيون هذا الجندي الميت الذي مع رفاقه في السلاح، يفي بالعقد مع الوطن حتى النهاية، حياً أو ميتاً».



رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء غرينلاند: مواطنونا لا يرغبون في أن يكونوا أميركيين

رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن ورئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن يلقيان بياناً حول الوضع الحالي في غرينلاند في مؤتمر صحافي في قاعة المرايا بمكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أوضح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، الثلاثاء، أن شعبه لا يرغب مطلقاً في أن يصبح جزءاً من الولايات المتحدة تحت أي ظرف.

وقال نيلسن في مؤتمر صحافي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في كوبنهاغن: «إذا كان لا بد لنا أن نختار بين الولايات المتحدة الأميركية والدنمارك، فسنختار الدنمارك».

رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن متحدثاً من مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية في كوبنهاغن... 13 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وشددت فريدريكسن على أنه ليس من السهل أن يتم تحمّل «الضغط غير المقبول تماماً من أقرب حلفائنا».

وأضافت أنه لا يمكن للمرء أن يحرّك الحدود بالقوة أو أن يشتري شعباً، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحذّرت من أن «الجزء الأصعب لم يأتِ بعد».

ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسين مع جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي ووزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن غداً الأربعاء، لبحث النزاع حول مزاعم الولايات المتحدة الخاصة بغرينلاند.

يشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعرب مراراً عن رغبته في امتلاك غرينلاند، ولم تستبعد إدارته استخدام القوة العسكرية لبسط السيطرة، مستشهدة بالمصالح الأمنية وما تعتبره تهديداً صينياً وروسياً في المنطقة.

وانضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في الدفاع عن سيادة غرينلاند.

وزادت المخاوف من الاستيلاء على الجزيرة عقب غزو الولايات المتحدة لفنزويلا مؤخراً والقبض على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة، حيث تجري محاكمته بتهم التآمر على «ارتكاب إرهاب مرتبط بالمخدرات».


الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.