خامنئي يملي على الشعراء ما يجب أن يقولوا وإلا فهم خونة

وضع ما سماه «خطة شاملة لتطوير الشعر في الجمهورية الإسلامية»

خامنئي
خامنئي
TT

خامنئي يملي على الشعراء ما يجب أن يقولوا وإلا فهم خونة

خامنئي
خامنئي

«هناك أيادٍ تعمل لتحيد بشعرائنا الشباب بعيدا عن مهمتهم الثورية البطولية، وتضعهم في خدمة ثقافة فاسدة»، هكذا كشف آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الاثنين الماضي عن أحدث مخاوفه. وفقا للمرشد الأعلى، يريد «متآمرون» مجهولون أن يكتب الشعراء الإيرانيون عن «الرغبات الجنسية، والجمال الجسدي والمكاسب الشخصية وحتى مدح القسوة».
كان خامنئي يخاطب مجموعة من الشعراء في واحدة من الفعاليات التي ينظمها كل عام ويكون الحضور فيها للمدعوين فقط. حدد خامنئي، وهو نفسه شاعر رغم أنه يخجل حتى الآن من إظهار أعماله خارج نطاق دوائر صغيرة، خريطة طريق لما وصفه بـ«خطة شاملة لمزيد من تطوير الشعر في الجمهورية الإسلامية».
وطالب الحكومة بتوفير الموارد اللازمة لتشجيع الشعراء على البعد عن «الموضوعات التافهة، مثل الجمال الجسدي والحب. وينبغي للشاعر الإسلامي المعاصر»، بحسب اعتقاده، أن يستخدم الشعر كـ«سلاح في حرب الحق ضد الباطل».
لا يزال بعض الشعراء يكتبون عن شعر وأعين وجسد المحبوب ويصورون مشاهد الفرح عندما يلتقي العاشقون ليشربوا ويرقصوا ويشعروا بالمرح، ولكن هذا ليس هو نوع الشعر الذي تريده الحركة الإسلامية، التي تربت على فكرة الجهاد والشهادة.
قال آية الله: «الشعر الذي نريده لا بد أن يكون في خدمة أهداف الثورة.. اليوم، وحدهم الشعراء الذين يهدفون لقيادة الأمة إلى ساحة المعركة ضد الطغيان، هم من يعتبرون من ذوي القيمة». وأضاف آية الله: «في هذا السياق، تقتضي الحاجة بوجه خاص قصائد عن اليمن والبحرين ولبنان وغزة وفلسطين وسوريا».
ويلفت آية الله إلى أنه، من بواعث الأسف، أن شعراء إيرانيين قلائل هم من يكتبون عن هذه «الموضوعات الحيوية». ولكن الأسوأ رغم هذا، أن بعض الشعراء قد تم استدراجهم إلى الوقوف في صف «جبهة الباطل» وهم في هذه الحالة مذنبون بـ«جريمة وخيانة» وليس لهم مكان في الجمهورية الإسلامية.
في الواقع، خامنئي ليس أول حاكم لإيران يكون الشعراء في مشكلة معه، فعلى مدار 12 قرنا كان الشعر أداة التعبير الأساسية بالنسبة إلى الشعب الإيراني. وقد تكون إيران البلد الوحيد الذي ليس به بيت واحد إلا وفيه ديوان شعر واحد على الأقل.
في البداية، مر الشعراء الفارسيون بفترة عصيبة لتعريف مكانهم في المجتمع. كانت تساور الحكام الذين تحولوا حديثا إلى اعتناق الإسلام شكوك بأن الشعراء يحاولون إحياء الديانة الزرادشتية لتقويض الدين الجديد. ورأى رجال الدين في الشعراء أناسا يرغبون في الحفاظ على اللغة الفارسية كلغة حية ومن ثم تخريب اللغة العربية كلغة مشتركة جديدة. ومن دون الشعراء الفارسيين الأوائل، ربما كان قد انتهى الأمر بالإيرانيين مثل كثير للغاية من الأمم الأخرى في الشرق الأوسط التي فقدت لغاتها الأصلية وأصبحت ناطقة بالعربية.
وقد طور الشعراء الفارسيون مبكرا استراتيجية لكبح جماح تشدد الحكام والملالي، حيث بدأوا كل قصيدة بمديح الله والرسول ثم يعقبون ذلك بمديح للحكام المعاصرين. وبمجرد الانتهاء من «تلك الالتزامات» ينتقلون إلى الموضوعات الحقيقية للقصائد التي يرغبون بنظمها.
كان الجميع يعرف أنها خدعة، ولكن الجميع كانوا يقبلون النتيجة لأنها جيدة.
وعلى رغم هذه التسوية فقد انتهى الحال ببعض الشعراء إلى السجن أو المنفى، بينما قضى آخرون كُثر حياتهم في مشقة، إن لم يكن في عوز. ومع هذا، فلم يكن السيف يسلط على رقاب الشعراء أبدا. ونظام الخميني هو أول نظام في تاريخ إيران يقوم بإعدام كل هذا العدد من الشعراء.
وسواء بالتلميح أو التصريح، كان بعض الحكام يبينون بوضوح الخطوط الحمراء أمام الشعراء، لكنهم لم يحلموا أبدا بأن يملوا على الشاعر ماذا عليه أن يكتب، وخامنئي هو أول من يحاول أن يملي على الشعراء ما يقولون، ويتهمهم بـ«الجريمة» و«الخيانة» إذا ما أداروا ظهورهم لتعليماته.
إن فكرة استغلال الشعر كسلاح لخدمة آيديولوجية معينة ليست بجديدة، ففي الاتحاد السوفياتي الغابر كان يتم تقديم هذه الفكرة تحت شعار «الواقعية الاشتراكية» في خدمة ثورة البروليتاريا العالمية. وكان اثنان من مستشاري ستالين الأدبيين، وهما أندريه زادانوف وأليكساندر فاديف يروجان للنظرية القائلة بأنه قبل الشيوعية لم يكن الأدب الإنساني سوى «ضباب من الخرافات والأكاذيب» يخدم الإقطاع، وفي وقت لاحق، النظام الرأسمالي البرجوازي.
وكتب فادييف يقول إن «الإكليشيه أو المقولة الشائعة عن الفن من أجل الفن ما هي إلا خدعة برجوازية لحرمان الكادحين من استخدام الأدب كسلاح في الصراع الطبقي».
وقد وقع كثيرون، من بينهم بعض الشعراء الحقيقيون من أمثال فلاديمير ماياكوفسكي، لفترة من الزمن في غواية الواقعية الاشتراكية.
ولكنه سرعان ما أدرك ماياكوفسكي أن «التكليف» جاء من المندوبين السوفيات وليس الشعب، ما دفع به للانتحار.
لم تنتج واقعية ستالين الاشتراكية أي أعمال أدبية باقي، فحتى ماياكوفسكي بات طي النسيان الآن. وبدلا من هذا، فإن شعراء «البرجوازية» و«الثورة المضادة» مثل مانديلستام وأخماتوفا وباستيرناك وتسيفيايفا، وصديقي الراحل جوزيف برودسكي يظلون نجوما مضيئة في سماء الشعر الروسي.
وبعد أربعة عقود خلت على قيام الملالي بتكوين الجمهورية الخمينية، فإن ثورتهم لم تنجب شاعرا واحد يستحق لقب الشاعر.
ولم ينتج الخميني وخامنئي، وكلاهما من الشعراء الهواة، أي شيء إلا أعمال محاكاة محرجة بوضوح لشعر الغزل الكلاسيكي من دون أن تحمل شيئا من بهاء هذا الشعر.
في المنفى يعيش كل من تبقى من الشعراء الكبار من عهد ما قبل الثورة ومن بينهم هوشانغ ابتهاج ومانوشهر يكتاي، ويد الله رويعي وإسماعيل خوي ومحمد جلالي وهادي خورسندي.
أما في داخل إيران، فقد أعدم النظام بعض الشعراء الشباب الواعدين من أمثال سعيد سلطان بور وحيدر مهريغان، ومؤخرا جدا، هشام شعباني، ولكن هؤلاء حازوا على شعبية بعد مماتهم أكثر من أي شاعر مرحب به من جانب النظام.
وفي نفس الوقت، فإن جميع الشعراء الإيرانيين، من القرن التاسع إلى يومنا هذا، إما خاضعون للرقابة، أو في حالات نادرة، محظورون بشكل كامل من قبل الملالي. ومعظم شعراء المائة سنة الأخيرة مدرجون على قوائم سوداء كثيرة من إعداد الوزارة المسماة على نحو متناقض بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
ومع هذا، يطالب خامنئي الحكومة بتجهيز خطة، وتخصيص الموارد، وزيادة إنتاج الشعر، كما لو كانوا أجهزة الطرد المركزي التي تنتج اليورانيوم المخصب.
من جهته، تساءل فيريدون موشيريني، وهو واحد من أشهر شعراء إيران ما بعد الثورة: «كيف لأي إنسان أن يقول لي أي القصائد أكتب، بينما أنا نفسي لا أعرف ما أكتب حتى انتهي من كتابته؟». ومضى يقول: «الشاعر لا يعمل بمقتضى خطة. إن ملاكا غير مرئي يسيطر عليه، يوجهه إلى المكتب ويدفعه للكتابة».
ومهما يكن أمر من تعمل لصالحه، فإن «مصدر الوحي غير المرئي» هو بالتأكيد ليس عضوا بالمخابرات الإسلامية.
إن الشعر يفسر فوضى الحياة الإنسانية ويحاول أن يسبغ معنى عليها. ومن دون الخيال لا يمكن أن يوجد أي شعر؛ والخيال المغلول بالآيديولوجيا لا ينتج إلا بروباغندا.
وهذا أحد الأمثلة:
نصرخ: الله، القرآن، الخميني
في طريقنا إلى الشهادة والجنة
نعرف أنه عندما يحين الوقت
لا بد أن ينهض إمامنا الغائب
كان خامنئي من المعجبين الغيورين بمهدي إخوان، أحد أعظم شعراء الفارسية في النصف الثاني من القرن الماضي. لم يكن إخوان يرغب في الرحيل إلى المنفى ومن ثم تم إجباره على التوصل لتفاهم من نوع ما مع الملالي. بالطبع، لم يكن بمقدوره أن ينظم قصائد في مديح النظام الذي مثل بالنسبة له كل ما كان يمقته، وهو التقدمي والفنان العلماني. إنما الشيء الذي كان مستعدا للقيام به، فهو أن يلتقي بخامنئي بين الفينة والأخرى ليستمع إلى أحدث قصائد هذا الأخير.
وأسر في وقت لاحق بهذا الاعتراف: «كان نوعا من التعذيب الناعم». ومع هذا كان دائما ما يرسم خطا أحمر عندما كان خامنئي يحاول أن يملي عليه نوع القصائد الذي يجب أن ينظمه.
وقال إخوان لمجموعة من الأصدقاء خلال زيارة قصيرة إلى باريس: «ربما اضطررت إلى قراءة القصائد التي يكتبها.. ولكن لم يكن ممكنا إرغامي على نظم القصائد من النوع الذي يحب أن يقرأه».
لقد حاول كثير من الشعراء الفاشلين الذين وصلوا إلى السلطة السياسية من قبل خامنئي، أن يملوا على الشعراء ما يكتبون، ومن هؤلاء قاجار نصر الدين شاه والمستبد الصيني ماو تسي تونغ. وقد فشل هؤلاء لأن للشعر عبقرية سحرية تتحدى محاولات تعريفها ناهيك بالتسلط عليها. وكما كتب ريلكه إلى شاعره الشاب التخيلي، فالشعر مثل الحب، يعرف كل واحد ما هو، ولكن أحدا لا يتفق على تعريف له.
وخامنئي، البالغ من العمر 77 عاما، لم يعد يصلح لصورة شاعر ريلكه الشاب. بل قد يهديه شخص ما في عيد ميلاده القادم نسخة من مقال ريلكه الساحر. (هناك ترجمتان ممتازتان له بالفارسية).
ولتأخذ فكرة عن نوع الشعر الذي يعجب خامنئي، هنا ترجمة لقصيدة غزل كتبها محمد رضا نيكوي، وتم إنشادها بحضور «المرشد الأعلى». وهي مكتوبة بالقالب الكلاسيكي لمدح الحكام الطغاة:
في مدحك
عنك تتحاكى الحانات
عند قرع الكؤوس
أنت حقيقتنا الموعدة
في الأساطير والحكايات المنسوجة معا
كل بيت يستحيل مئذنة تدعو إلى الله هو أعظم البيوت
بهذا تتراص بيوتنا معا
وأنت الشمعة التي تحترق بيننا
أي مشهد هذا الذي تجتمع فيه الفراشات
إننا معا كخرزات مسبحة
نصنع سلسلة من الوحدة معا
الحب معجزتك العظيمة
التي جاءت بنا جميعا من بين الأطلال



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended