محمد عنزاوي يعرض آخر أعماله في الدار البيضاء

الفنان التشكيلي لتكريس نفسه واحداً من الآمال الواعدة للفن المغربي المعاصر

من أعمال محمد عنزاوي (ألبوم الفنان)
من أعمال محمد عنزاوي (ألبوم الفنان)
TT

محمد عنزاوي يعرض آخر أعماله في الدار البيضاء

من أعمال محمد عنزاوي (ألبوم الفنان)
من أعمال محمد عنزاوي (ألبوم الفنان)

يحتضن رواق «فيلا دو لابورت»، في الدار البيضاء، معرضاً للفنان التشكيلي المغربي محمد عنزاوي، تحت عنوان: «أصيلة الحلوة»، وذلك بين 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي و31 يناير (كانون الثاني) المقبل.
وعنزاوي من الفنانين الذين خرجوا من رحم مدينة أصيلة (شمال المغرب)، بألوانها وبحرها وأزقتها الموحية بالإبداع. ولد سنة 1964، واختار مغامرة التشكيل، التي يرى أنها السبيل الذي يتفاعل فيه الإنسان مع ذاته ودواخله.
وكتبت منى أنس الحساني، في «كاتالوغ» تقديم المعرض، أن «من يتجول خلف أسوار أصيلة، لا يستطيع الهروب من تأثير هذه الريح الخلاقة التي تخترق الهواء»، بعد أن «امتزجت ذكريات الفنانين الذين ازدهرت أعمالهم على مدى الشواطئ الشاسعة، في تداخل مع ما يوجد داخل أسوار المدينة، جاعلة من أصيلة مكاناً مفضلاً للفنانين ولأولئك الذين لديهم حساسية تجاه إبداعاتهم».

الفنان التشكيلي المغربي محمد عنزاوي (ألبوم الفنان)

وعادت الحساني إلى أول مرة التقت فيها عنزاوي؛ في ورشة للحفر، كان يديرها النحات السوداني محمد عمر خليل، مشيرة إلى أن عمل عنزاوي أثّر فيها بشكل فوري وعميق، فقد كان غنياً وحيوياً ومستقلاً تقريباً، فلم يكن بإمكانها تقريباً فصله عن أسوار المدينة، المغطاة هي الأخرى بالرياح والمحيط والرسومات على الجدران.
وأضافت: «ربطتني كل طبقة من المادة التي تمكنت من تمييزها بحياة قديمة... بإحساس جديد؛ أُقدر كل قطرة، كل نحت، كل شق بين الخدوش والتجريفات؛ قرّبتني عيني المستندة على هذا الطرس الضخم من قلب الفنان ومن قلب المدينة التي كانت تحيط بنا. تماماً كالأسوار التي تآكلت على مر السنين، بدا كأن العمل قد كابد ثقل الزمن، وقد كشف عن نفسه بفضله، دون أن أتمكن من تحديد ما حُدّد، مصاحباً أو متروكاً لتقلبات البحر».
ورأت الحساني أن عنزاوي تأثر بأعمال فنانين مثل سعد الحساني، وفريد بلكاهية، ومحمد المليحي، ومحمد القاسمي، وفؤاد بلامين... «هؤلاء الفنانون الكبار الذين عبروا المغرب، مثله، وكشفوا عن هذه المادة الشعرية الحية التي لا يمكن لعاشق الفن إلا أن يحبها. فنانون شاركوا في مهرجان أصيلة الذي أسسه اثنان من أبناء البلد: محمد بن عيسى، والراحل محمد المليحي». وأضافت: «أتذكر الفرح الذي ساد شوارع وورشات المدينة خلال هذا المهرجان المشحون بالعواطف، والذي ظل دائماً مكاناً للاحتفال، تحت النظرة الحانية للفنانة مليكة اجزناي».

محمد عنزاوي مع لوحة من أعماله (ألبوم الفنان)

من جهته؛ كتب الطاهر بن جلون: «اكتشفت عمل عنزاوي في منزله بقرية بالقرب من أصيلة، ثم في محترفه الذي يتقاسمه مع فنانين آخرين في المدينة. تأثرت بسرعة بالإيماءات والحركة التي تقدمها اللوحة. تصبح اللوحات الكبيرة مسافات يتم اجتيازها؛ كما في الحلم، من خلال العناصر الطائرة، والصور المرسومة بالكاد، والشخصيات الخارجة من ذاكرة (جياكوميتي)، والنجوم المتجولة، وحبات الرمل المتخفية في شكل زهور برية، خصوصاً أملاً عظيماً وجميلاً على الرغم من حالة القلق».
ورأى بن جلون أن «عنزاوي يرسم يدوياً، بعيداً من العمل الفكري، أو لنقل تجريداً». ومع ذلك، يضيف بن جلون، فإن «لوحاته ليست رمزية، حتى وإن كانت المواد المستخدمة تذكرنا بالأرض، ووجه القمر، والفضاء الذي ترجه الرياح التي تعيد الأرض الذهبية أو الملونة بالوردي في وهج يسحرنا. هناك شيء إنساني؛ إنسانية متواضعة، بسيطة وغنية بالمشاعر».
يتحدث بن جلون عن علاقته الأولى بأعمال عنزاوي، فيقول: «عندما أتذكر اللوحات التي رأيتها لأول مرة بعد ظهر أحد الأيام عند غروب الشمس، أتخيل عائلة تمسك بأيديها، على قلب واحد، في مواجهة عزلة العالم».
وزاد بن جلون: «أدرك عنزاوي هذا القلق وترجمه عبر روح الدعابة والسخرية إلى درجة أن العمل يصبح مرآة تعيد إلينا صور سلام طال انتظاره. عالمه هو عالم قلق؛ ولكنه مبتسم... سماء يمثل فيها كل نجم قصة وذكرى لقاء. وسواء كانت فتاة صغيرة تلعب الحجلة أم القفز على الحبل، وسواء كان ذلك رجلاً نحيفاً برأس محدد، أو مجرد رذاذ من الزهور المعدنية، فإن المساحة التي تشغلها هي دعوة لتجاوز ما نراه على الفور؛ لأنه خلف هذه العلامات المتناثرة، هناك طبقة أخرى من الحياة، خيال لا يرضي بسهولة، لا يكتفي بتوضيح أسئلتنا المتعددة والمتنوعة».
وخلص بن جلون إلى الدعوة إلى أن «نظل منتبهين لعمل هذا الفنان بجاذبية رجل يوفق بين الخام والمطبوخ؛ بين الماضي والمستقبل، الأرض والنجوم، خصوصاً عندما تبتكرهم يده بكرم وموهبة وإنسانية».
من جهتها، ترى فاتن صفي الدين، المؤرخة والناقدة الفنية اللبنانية، أن «عنزاوي يكشف عن نفسه، في وضح النهار، في أعمال ناضجة، بارعة، حساسة وقوية. للوهلة الأولى، تلتقط المادة ثراءً وتعقيداً شديدين على الفور».
ولاحظت صفي الدين أن عنزاوي «يتعاطى في أعماله الأخيرة، أكثر من أي وقت مضى، مع المادة، ينشرها أحياناً على لوحات ضخمة، يعيد بها اكتشاف رغبات طفولته الأولى»، قبل أن تنقل عنه قوله: «بالنسبة إلينا جميعاً، نحن أطفال أصيلة، كان البحر والشاطئ لعبنا ولعبتنا الأولى. اللوحة والمواد الخام في الوقت نفسه. نجد هناك الرمل والمياه، الجير والطين، وحتى القطران الذي لفظته المراكب والذي أذهلني بسواده وانعكاساته».
تتحدث صفي الدين عن طفولة عنزاوي، وعلاقته بالبحر والشاطئ الرملي، «حيث تولد اللوحات المتحركة والعابرة، وحيث تمحو موجة دائماً أكثر الهذيان جنوناً، والذي رسم على الجسد الذهبي للشاطئ»، فتقول: «البحر، هنا، مثل الحياة، يستعيد الكنوز التي وهبها. الشاطئ أيضاً منجم لا ينضب للمواد. ولكن هناك أيضاً ما هو أكثر ديمومة ولكن في تغيير دائم؛ جدران المدينة الأطلسية، جسد أبيض مع زرقة، مبيّض في طبقات متتالية تتعرض، تحت هجمة الوقت وسوء الأحوال الجوية، لتشققات تكشف عن آثار ما كان ولم يعد. ما زال عنزاوي وأطفال أصيلة، حتى يومنا هذا، بطرف مسمار أو حصاة، بالخدش والتمزيق والحفر بالرماد أو الطين، يرسمون علامات هم وحدهم من يحمل سرها.
ومثل خليل الغريب ومعاد الجباري وسهيل بن عزوز، وفؤاد بلامين، ابن مدينة فاس، سيبقى الطفل سليماً في أعماق عنزاوي».
وعلى مدار الأيام والمهرجانات، تقول صفي الدين؛ «خالط الشاب عنزاوي الفنانين المكرسين، من جميع الأطياف. تغيرت رؤيته حول الفن وامتهانه. كما سيلتقى كبار المشهد التشكيلي المغربي ويعاين طريقة عملهم. رأى ميلود لبيض وسعد الحساني ومحمد قاسمي. كانت هناك لوحات ضخمة أمام عينيه، وخلط للمواد والأصباغ. كانت نعمة غير متوقعة بالنسبة إلى من لم يتمكن من متابعة تكوين أكاديمي مختص».
من هؤلاء «الأساتذة»، سيتعلم عنزاوي «نظام العمل قبل كل شيء، الصبر والعناد، تكريس كامل الوقت للفن، من دون أي تنازلات أو استخفاف بكل شيء أو شخص. سيتعلم أن الفن عمل جاد، وليس ترفيهاً موجهاً للأطفال والمجانين. تعلم أن الرسم فعل مهم ومقدس، تماماً كإبداع كتاب أو تأليف موسيقى».
يبقى عنزاوي، بالنسبة إلى صفي الدين، «مستودعاً لتجارب كبار الرواد الذين أثروا في نظرته وحساسيته، مثل خليل الغريب وميلود لبيض، ومحمد قاسمي، وسعد الحساني، وفؤاد بلامين... وغيرهم من الفنانين الأصغر سناً، كعبد الرحيم يامو، والتباري كنتور، ونجية مهادجي ، وأمينة بنبوشتة»، قبل أن تختتم قائلة: «تبقى الحقيقة أن عنزاوي، الغني بكل هذه الإنجازات، يرسم الآن طريقه الخاص؛ الفريد والمخلص للغاية، ليثبت نفسه اليوم واحداً من أكثر الآمال الواعدة للفن المغربي المعاصر».



القوات الهندية تقتل 3 يُشتبه بأنهم متمردون في كشمير

عناصر من الشرطة الهندية  في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الهندية في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
TT

القوات الهندية تقتل 3 يُشتبه بأنهم متمردون في كشمير

عناصر من الشرطة الهندية  في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الهندية في سريناغار - العاصمة الصيفية لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية (إ.ب.أ)

أسفرت اشتباكات، أمس (الأحد)، بين قوات أمنية ومسلحين في الشطر الهندي من كشمير، عن مقتل 3 أشخاص يُشتبه في أنهم متمردون،، وفق ما أعلن الجيش الهندي، في حادثة هي الثانية من نوعها في هذه المنطقة المتنازع عليها هذا الشهر.

جاء في بيان للجيش أن ثلاثة مسلحين قُتلوا خلال عملية عسكرية في منطقة كيشتوار، بعد تلقيه معلومات استخباراتية «موثوقة» عن وجود متمردين في المنطقة.

وأضاف البيان أن قوات الأمن عثرت على أسلحة في الموقع.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قُتل ثلاثة مسلحين في عملية عسكرية أخرى في الشطر الهندي من كشمير.

وكشمير مقسومة بين الهند وباكستان منذ استقلالهما عن الحكم البريطاني عام 1947. وتطالب كل منهما بالسيادة الكاملة على الإقليم الواقع في جبال الهيمالايا.

وتخوض جماعات منذ 35 عاماً تمرداً في الشطر الهندي من كشمير، مطالبةً باستقلال الإقليم أو ضمه إلى باكستان.

وتتّهم الهند باكستان بتسليح وتدريب المجموعات المسلحة في كشمير، في اتهامات تنفيها إسلام آباد.

وأسفر هذا الصراع عن مقتل عشرات الآلاف، معظمهم مدنيون، وتصاعد في بعض الأحيان إلى اشتباكات مسلحة بين الهند وباكستان.

والعام الماضي، قُتل 26 مدنياً معظمهم هندوس في موقع باهلغام السياحي في الشطر الهندي من كشمير، ما أفضى إلى اشتباكات مع باكستان.

واتّهمت الحكومة الهندية باكستان بالوقوف وراء الهجوم، وهو ما نفته إسلام آباد.


4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
TT

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)

في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو (أيار) 1950، خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية، التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم للسوق الأوروبية المشتركة وبعدها للاتحاد الأوروبي، قال جان مونّيه، أحد «آباء أوروبا الأربعة» (إلى جانب كونراد أديناور وروبرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

انقضت 75 سنة على تلك العبارة التي أكّدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي، ليخرج منها بقفزات نوعيّة رسّخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو المزيد من الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح الذي قام ليكون سدّاً منيعاً في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزماً سياسياً» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.

معادلة الاقتصاد والسياسة

لا يختلف اثنان في أوروبا على أن فشل المشروع الأوروبي حتى الآن في معادلة قوته الاقتصادية بالنفوذ السياسي الذي يتناسب معها، يعود لسببين: الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل للإدارة المشتركة عن صلاحيات في السياسة الخارجية. والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحّدة وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي وأوامره.

لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية - الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة المنافسين والخصوم.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ كانت بمثابة تلاوة الفاتحة على جثمان النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الأخيرة، كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمّام أمان للأوروبيين وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيداً عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلاقات، وأظهرت عزماً واضحاً على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، لتتجاوزه إلى العلاقات التجارية والسياسية.

أوكرانيا تُفجّر الخلافات

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت بلدان الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا، لمساعدة الجيش الأوكراني في مجهوده لصدّ الهجمات الروسية. وتفيد المصادر الرسمية الأوروبية بأن مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) 2022 حتى اليوم، يزيد على 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها البرلمان الأوروبي منذ أيام بمقدار 94 مليار دولار.

هذا المجهود الضخم كانت له، ولا تزال، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ تنامت الجهات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير على هامش مشاركته بمؤتمر الأمن في العاصمة البافارية (د.ب.أ)

لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على مغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى افتراص هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة يكون المدماك الأخير الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغته الفيدرالية.

وكان لافتاً ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، أن تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، هي دون الكلفة السنوية المفترضة في حال نصر روسي محتمل وحرب ضد الحلف الأطلسي، علماً بأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير.

«عطلة تاريخية طويلة»

كان التقرير المذكور صدر عشيّة مؤتمر ميونيخ الذي ما زالت تتردد في أصدائه التصريحات «الديغولية»، التي أدلى بها المستشار الألماني فردريك ميرتس عندما قال: «إن النظام العالمي الذي كان قائماً طيلة عقود لم يعد موجوداً... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفاً عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية أوروبية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي، ودعا إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية.

لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس، وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضاً المفاوضات التي تدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.

وأرسل الرئيس الفرنسي أكثر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتاً، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجدداً إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ مؤخراً: «لسنا بحاجة إلى 27 جيشاً قوياً، بل إلى 27 دولة عضواً في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة للدفاع».

جانب من اجتماع الجانبين الألماني والصيني في ميونيخ يوم 14 فبراير (رويترز)

وقد علمت «الشرق الأوسط» أنه برغم تحفظات بعض الدول على فكرة الجيش المشترك، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية هذا الملف الحسّاس سياسياً، كان موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة مطروحاً، للمرة الأولى، على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع هذا الشهر.

وذكّر أحد الوزراء المشاركين في ذلك الاجتماع، بأن فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، وهي طرحت لأول مرة عام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية»، لكنها لم تشهد النور يومها بسببٍ من رفض فرنسا القاطع لها. فرنسا التي هي اليوم، إلى جانب ألمانيا، أكثر الدول تحمساً لها. وثمّة من ذهب إلى القول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية، وساذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا».


زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: بوتين بدأ بالفعل حرباً عالمية ثالثة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «بدأ بالفعل» حرباً عالمية ثالثة، وذلك في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». وفي حديثه من كييف، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قبيل الذكرى الرابعة للصراع بين روسيا وأوكرانيا، يوم الثلاثاء، قال زيلينسكي إن رؤيته للصراع تختلف عن رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوضح زيلينسكي، في المقابلة التي ترجمتها «بي بي سي» من الأوكرانية إلى الإنجليزية ونُشرت في وقت متأخر من يوم الأحد بتوقيت لندن: «لدينا وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالحرب العالمية الثالثة. أعتقد أن بوتين قد بدأها بالفعل. السؤال هو ما مساحة الأراضي التي سيتمكن من الاستيلاء عليها وكيف يمكن إيقافه».

ومضى زيلينسكي قائلاً إن «روسيا تريد أن تفرض على العالم أسلوب حياة مختلفاً، وتُغير الحياة التي اختارها الناس لأنفسهم، لذلك، أنا أؤمن، وقد آمنت لفترة طويلة، بأن بوتين قد بدأ، بالفعل، هذه الحرب، ونحن نمنعها من أن تصبح حرباً عالمية ثالثة واسعة النطاق»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

كما ذكر الزعيم الأوكراني أنه يُعوّل على ضمانات أمنية موثوقة من الولايات المتحدة لبلاده لا تعتمد فقط على إرادة الرئيس الأميركي.

وقال زيلينسكي، عندما سئل عما إذا كان يثق في ترمب: «بصفتنا رؤساء، لدينا فترات ولاية محددة. نحن نريد ضمانات لمدة 30 عاماً، على سبيل المثال. هناك حاجة للكونغرس. الرؤساء يتغيرون، لكن المؤسسات تبقى».

وشدد زيلينسكي أيضاً على أن الهدف على المدى الطويل هو استعادة جميع الأراضي التي احتلتها روسيا منذ بداية الحرب، والعودة إلى حدود أوكرانيا التي تأسست عام 1991؛ عام استقلالها. ورأى أن تحقيق هذا الهدف مجرد مسألة وقت، ولكنه ليس ممكناً في الوقت الحاضر.

وقال الزعيم الأوكراني: «القيام بذلك، اليوم، يعني فقدان عدد هائل من الناس، الملايين من الناس؛ لأن الجيش الروسي كبير، ونحن ندرك تكلفة مثل هذه الخطوات. لن يكون لدينا ما يكفي من الناس، كما أننا لا نملك كمية كافية من الأسلحة، وهذا لا يعتمد علينا فقط، بل على شركائنا».