قصف روسي مكثف وأوكرانيا تعاني الصقيع والعتمة… وبوتين لن يعقد مؤتمره السنوي

الاتحاد الأوروبي يضخ ملياري دولار إضافية لتسليح كييف

إخماد حريق ناجم عن قصف سوق محلية في دونيتسك الاثنين (رويترز)
إخماد حريق ناجم عن قصف سوق محلية في دونيتسك الاثنين (رويترز)
TT

قصف روسي مكثف وأوكرانيا تعاني الصقيع والعتمة… وبوتين لن يعقد مؤتمره السنوي

إخماد حريق ناجم عن قصف سوق محلية في دونيتسك الاثنين (رويترز)
إخماد حريق ناجم عن قصف سوق محلية في دونيتسك الاثنين (رويترز)

وافق الاتحاد الأوروبي الاثنين على إضافة ملياري يورو (2,1 مليار دولار) إلى صندوق يستخدم للمساعدة في تسليح أوكرانيا، فيما عقد قادة مجموعة الدول الصناعية السبع، محادثات بشأن أوكرانيا عبر تقنية الفيديو. وجاء هذا تزامناً مع إعلان كييف أن القوات الروسية قصفت أهدافا بالصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية في شرق أوكرانيا وجنوبها في الوقت الذي يظل فيه الملايين دون كهرباء وسط درجات حرارة دون الصفر بعد تكثيف روسيا ضرباتها على البنية التحتية الرئيسية.
واستنفد التكتل الذي يضم 27 دولة ميزانية «منشأة للسلام» كان من المفترض في الأساس أن تستمر حتى 2027، في غضون 10 أشهر من الحرب فقط، إذ غطت تكلفة بعض الأسلحة التي يتم إرسالها لمواجهة الغزو الروسي. وكتب مسؤول الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل على وسائل التواصل الاجتماعي «لا يزال الاتحاد الأوروبي ملتزما بتقديم الدعم العسكري لأوكرانيا والشركاء الآخرين على حد سواء».
وتأسست «منشأة السلام الأوروبي» العام الماضي ليتمكن الاتحاد الأوروبي من تمويل المساعدات العسكرية لشركائه الدوليين فيما يسعى التكتل لزيادة نفوذه العالمي.
وشهد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) تحويل الجزء الأكبر من أموال الصندوق للمساعدة في تسليح كييف، لتخرق بروكسل أحد المحرمات التقليدية بشأن عدم تغطية تكاليف إيصال الأسلحة. ولم يتبق سوى حوالى 800 مليون من الميزانية الأصلية للمنشأة البالغة 5,7 مليار يورو والتي كان من المقرر أن تبقى حتى العام 2027.
ولا توجد محادثات سلام أو نهاية تلوح في الأفق حاليا لأكثر النزاعات دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، والتي تصفها موسكو بأنها «عملية عسكرية خاصة»، بينما تصفها أوكرانيا وحلفاؤها بأنها عمل عدواني غير مبرر.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن نائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين قوله الاثنين إن روسيا لا ترى بعد نهجا أميركيا «بناء» تجاه الصراع في أوكرانيا. وأجرى البلدان سلسلة من الاتصالات في تركيا لحل هذه الأزمة.
دعم أميركي عسكري متواصل لكييف
ووسط زخم من المساعي الدبلوماسية، تحدث الرئيس الأميركي جو بايدن مساء الأحد مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتأكيد على الدعم الأميركي المستمر للدفاع الأوكراني. وقال البيت الأبيض إن بايدن أبلغ زيلينسكي أن واشنطن تعطي الأولوية لجهود تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية.
وسلط بيان البيت الأبيض الضوء على مساعدات بقيمة 275 مليون دولار من الأسلحة والذخيرة وغيرها من المعدات التي أعلن عنها البنتاغون لأوكرانيا. وتحدث بايدن عن استثمار بقيمة 53 مليار دولار لدعم نظام الطاقة في أوكرانيا، حيث تستهدف روسيا شبكة الكهرباء. وقال البيان إن الرئيس بايدن أعاد تأكيد التزام الولايات المتحدة بمواصلة تزويد أوكرانيا بالمساعدات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، ومحاسبة روسيا على جرائم الحرب والفظائع التي ارتكبتها، وفرض تكاليف على روسيا لعدوانها.
ورحب بايدن بانفتاح زيلينسكي على سلام عادل قائم على المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وما أعلنه زيلينسكي حول الخطوات العشر للتوصل إلى صيغة سلام.
وقال زيلينسكي إنه شكر بايدن على المساعدة «الدفاعية والمالية غير المسبوقة» التي قدمتها الولايات المتحدة، وقال عبر حسابه على تلغرام: «أجريت مكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي بايدن وشكرته على المساعدة الدفاعية والمالية غير المسبوقة التي تقدمها الولايات المتحدة لأوكرانيا».
بدورها، قالت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين لشبكة (سي بي إس) إن دعم واشنطن لجيش أوكرانيا واقتصادها سيستمر «مهما استغرق الأمر»، وأكدت أن إنهاء الحرب هو أفضل شيء يمكن للولايات المتحدة فعله للاقتصاد العالمي.
كذلك، قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إنه أجرى محادثات «محددة للغاية» مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشأن ضمان صادرات الحبوب الأوكرانية. وعملت تركيا، التي لعبت دور الوسيط في محادثات السلام في الأشهر الأولى من الحرب، إلى جانب الأمم المتحدة لإبرام اتفاق حبوب وفتح الموانئ الأوكرانية أمام الصادرات في يوليو (تموز) بعد حصار روسي فعلي استمر ستة أشهر.
وقال مكتب إردوغان إن الرئيس التركي أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الأحد دعا خلاله إلى إنهاء سريع للصراع. وقال بوتين الأسبوع الماضي إن خسارة موسكو شبه الكاملة للثقة في الغرب ستجعل الوصول إلى تسوية نهائية بشأن أوكرانيا أكثر صعوبة وحذر من حرب طويلة الأمد.

هجمات روسية وسط انقطاع الكهرباء

ميدانياً، أعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية الاثنين أن القوات الروسية قصفت أهدافا بالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية في شرق أوكرانيا وجنوبها في الوقت الذي يظل فيه الملايين دون كهرباء وسط درجات حرارة دون الصفر بعد تكثيف روسيا ضرباتها على البنية التحتية الرئيسية.
واستأنف ميناء أوديسا المطل على البحر الأسود الاثنين عملياته بعد توقفه عن العمل لمدة يومين جراء تعرض منشأتين للطاقة لهجوم روسي بطائرات مسيرة إيرانية الصنع يوم السبت. وقال مسؤولون إن الكهرباء بدأت تعود للعمل ببطء إلى نحو 1.5 مليون شخص.
وقال زيلينسكي إن مناطق أخرى تعاني من ظروف "صعبة للغاية" فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، من بينها العاصمة كييف وأربع مناطق في غرب أوكرانيا ومنطقة دنيبروبتروفسك في وسطها. وأوضحت إدارة منطقة كييف أن 14 تجمعا سكنيا هناك ما زالت بلا كهرباء وأن 37 أخرى بلا كهرباء جزئيا.
ووصل منسق مساعدات الأمم المتحدة مارتن غريفيث إلى أوكرانيا الاثنين ليقف بنفسه على «تأثير الاستجابة الإنسانية والتحديات الجديدة التي نشأت مع تزايد الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية وسط درجات حرارة شديدة البرودة في الشتاء»، حسبما قال مكتبه.
وفي تحديثها اليومي للوضع العسكري، قالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن قواتها صدت هجمات روسية على أربع تجمعات سكنية في منطقة دونيتسك الشرقية وعلى ثماني تجمعات في منطقة لوجانسك المجاورة.
وواصلت روسيا هجماتها على باخموت، التي أصبحت الآن في حالة خراب إلى حد بعيد، وعلى أفدييفكا وليمان وشنت هجومين صاروخيين على البنية التحتية المدنية في كوستيانتينيفكا، وجميعها في منطقة دونيتسك، وهي واحدة من أربع مناطق تزعم موسكو أنها ضمتها من أوكرانيا بعد «استفتاءات» وصفتها كييف بأنها غير قانونية.
وقالت أوكرانيا إن القوات الروسية تكبدت خسائر فادحة على الجبهة الشرقية في قتال عنيف أدى أيضا إلى خسائر كبيرة في صفوف قواتها.
من جهة أخرى، نفذت القوات الروسية أكثر من 60 هجوما بأنظمة إطلاق الصواريخ استهدفت البنية التحتية المدنية في خيرسون، المدينة الجنوبية التي حررتها القوات الأوكرانية الشهر الماضي، والقوات الأوكرانية المتمركزة هناك، بحسب هيئة الأركان العامة. وقالت إن روسيا قصفت أيضا تجمعات سكنية على امتداد خط جبهة زابوريجيا في جنوب وسط أوكرانيا، بينما قصفت القوات الأوكرانية نقاط سيطرة روسية ومخازن ذخيرة وأهدافا أخرى. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من روايات ساحة المعركة.

بوتين لن يعقد مؤتمره الصحافي

في سياق متصل، أعلن الكرملين الاثنين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يعقد مؤتمره الصحافي التقليدي في نهاية العام، وسط الانتكاسات العسكرية المتراكمة في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف في إفادة صحافية عبر الهاتف «بحلول بداية العام الجديد لن يكون هناك» مؤتمر صحافي للرئيس، مشيراً إلى أنّ بوتين يتحدّث إلى الصحافة في مناسبات أخرى، خصوصاً خلال رحلاته إلى الخارج. وكان يتمّ تنظيم لقاء فلاديمير بوتين الكبير مع الصحافة كل عام منذ العام 2001، باستثناء الفترة بين العامين 2008 و2012، عندما كان رئيساً للوزراء.
ويستمر هذا المؤتمر الصحافي السنوي الذي يجمع مئات الصحافيين الروس والأجانب، لعدّة ساعات، حيث يرد الرئيس الروسي مباشرة على الأسئلة المرتبطة بكلّ المواضيع، إن كانت دبلوماسية أو تلك المتعلّقة بحياة الروس اليومية.
ويأتي القرار بعدم تنظيم مؤتمر صحافي في نهاية العام، في الوقت الذي تواجه فيه روسيا انتكاسات عسكرية متتالية في إطار الهجوم الذي تشنّه على أوكرانيا، وبينما أصدرت مرسوماً بتعبئة جزئية لهذا الهدف في سبتمبر (أيلول).



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...