علماء الآثار يعودون إلى العراق على الرغم من كل مشكلاته

علماء الآثار يعودون إلى العراق على الرغم من كل مشكلاته
TT

علماء الآثار يعودون إلى العراق على الرغم من كل مشكلاته

علماء الآثار يعودون إلى العراق على الرغم من كل مشكلاته

لم يبق من قصور مدينة أور ومعابدها من حضارة بلاد الرافدين سوى أطلال، لكن زقورتها أو هرمها الضخم لا يزال يقف منذ آلاف السنين شامخا مهيمنا على الأراضي الصحراوية المنبسطة التي أصبحت الآن جنوب العراق.
عندما تصعد سلم الزقورة المبني من قوالب الطابوق أو الطوب إلى القمة التي تسفعها الريح تطالعك المقبرة الملكية التي اكتشفها قبل 90 سنة البريطاني ليونارد وولي الذي استخرج كنوزا تضارع ما اكتشف في مقبرة الفرعون توت عنخ آمون في مصر خلال عشرينات القرن العشرين.
ومنذ هذا الاكتشاف لم تشهد المنطقة نشاطا يذكر. لكن خبراء الآثار البريطانيين عادوا إلى المنطقة على الرغم من الوضع الأمني الصعب في العراق الذي كان سببا في بقائهم بعيدا عن واحدة من أقدم مدن العالم التي لم يعد يزورها سوى أصحاب القلوب الجريئة من السياح.
راحت جين مون وستيوارت كامبل ينفضان التراب الكثيف عن ملابسهما لدى عودتهما إلى أور في نهاية يوم عمل انقضى في الحفر بمستعمرة أصغر في تل خيبر على مسافة 20 كيلومترا من أور.
قالت جين التي عملت أول ما عملت في العراق عقب تخرجها في الجامعة منتصف السبعينات «لدينا فكرة ما عما وصلنا إليه. هو كبير الحجم جدا. ولا بد أن يكون مبنى عاما وربما يكون معبدا.. الخطوة التالية أن نفهم كيف يعمل».
وتقول جين التي تشترك في إدارة عمليات الحفر مع كامبل وزوجها روبرت كيليك إن «الهيكل المكتشف يرجع إلى أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد. وتشير بقايا فخارية إلى أن الموقع كان مأهولا قبل ألف سنة وربما ألفي سنة من ذلك التاريخ.
كان الأثري البريطاني وولي يدير مئات العمال لكي يخرج مدينة أور التي بنيت وأعيد بناؤها قبل آلاف السنين إلى النور معتمدا على خبرته ومعرفته بالهندسة المعمارية وفن صناعة الفخار.
أما الأثريون الذين يعملون في موقع تل خيبر الآن فيستخدمون 16 عاملا عراقيا فقط لكنهم يستخدمون أيضا صور الأقمار الصناعية والتحليل البيئي وعمليات المسح الأرضي وكلها أدوات كان وولي ليجد فيها متعة كبيرة لو أنها أتيحت له.
وعلى الرغم من أن هذه البقعة من العراق يسودها الهدوء النسبي فإن السلطات توفر للفريق البريطاني حراسا مسلحين للانتقال من أور إلى تل خيبر والعودة كل يوم.
وقالت جين «لا بد من حماية لنا أينما ذهبنا. لكن الأمر يستحق ذلك فهذا المكان خيالي».

أصول الحضارة
وبعد أكثر من عشر سنوات على الحرب التي أطاحت بحكم صدام حسين يحتاج الزوار الأجانب تصريحا رسميا خصوصا ورفقة مسلحة للمرور عبر نقاط التفتيش التي أقامها الجيش للسيطرة على مداخل أور ومخارجها.
والموقع نقطة جذب محتملة للسياح في قلب بلاد ما بين النهرين حيث بدأت حياة الاستقرار في مراكز عمرانية وبدأت الكتابة وسلطة الدولة المركزية لكن لا يأتي إليه سوى أعداد بسيطة. وتقبع سيارات الغولف الكهربائية التي يفترض أن تنقل الزوار من دون حراك في ظل الزقورة.
وخارج حدود الموقع الأثري تقع قاعدة طليل الجوية التي تعرضت للقصف ثم احتلتها القوات الأميركية. وعلى مقربة تقع بلدة الناصرية التي اجتاحتها القوات الغازية في طريقها إلى بغداد عام 2003. ونجت مدينة أور من الحرب من دون أضرار تذكر.
وفيما عدا إقليم كردستان في شمال العراق فإن الفريق البريطاني وفريقا إيطاليا يحفر في مدينة بابلية في أبو طبيرة على مسافة 19 كيلومترا من أور هما الفريقان الدوليان الوحيدان اللذان يقومان بأعمال حفر في العراق.
وقالت جين التي كانت تغطي رأسها بغطاء أبيض يقيها حرارة الشمس والغبار «هذا الجزء من جنوب العراق بابل القديمة بل وسومر وأكاد من قبلها هو على الأرجح أهم موقع في العالم من زاوية أصول الحضارة».
وأضافت «لم تحدث عمليات حفر مهمة هنا منذ الأربعينات. وبسبب كل مشكلات السنوات القليلة الماضية لم يعمل أحد هنا. ورأينا أن وقت العودة حان».
وفي أيام مجدها كانت مدينة أور مركزا للتجارة من بلاد بعيدة مثل أفغانستان والهند وتركيا وعمان ومصر. وفي الماضي البعيد انحسر ساحل الخليج جنوبا وغير نهر الفرات مجراه لتصبح المدينة بعيدة عن البحر وتنقطع صلتها بالنهر الذي كان يغذي قنوات الري الممتدة حتى تل خيبر وما وراءه.

بيروقراطية مفرطة
كتب الأثري وولي في كتابه «أور السومارية» يقول إنه «تطلع شرقا من الزقورة باحثا عن بساتين النخيل على ضفة النهر فلم ير سوى رمالا قاحلة لا زرع فيها في كل الاتجاهات».
وقد تخفي الصحراء في باطنها ثروة العراق من النفط لكنها ليست صالحة للزراعة اليوم. وحتى إذا تم توصيل مياه نهر الفرات إليها فقد دمرت الملوحة التربة.
ومع ذلك فقد كانت الزراعة منذ آلاف السنين عماد الدول المتطورة التي نشأت في مدن مثل أور والممالك القوية التي كانت هذه المدن تندمج فيها في بعض الأحيان.
ويقول كامبل «كان مفتاح جانب كبير من عمل المجتمع يتمثل في الزراعة والتركيز والسيطرة على هذا الفائض لإعالة الكهنة وعمال المعبد والعاملين في التسلسل الهرمي بصفة عامة والجيوش والمنتجين المتخصصين للأدوات المعدنية والفخار وغير ذلك مما كان يجعل الاقتصاد كاملا».
ويقول عن أور في أوجها إنها في الفترة بين عامي 2600 و2500 قبل الميلاد «كانت مجتمعا بيروقراطيا بشكل هائل»، وهو وصف يصلح للعراق الحديث. وكانت سجلات مكتوبة تستخدم لمتابعة حركة انتقال البضائع وللتواصل عبر مسافات طويلة.
ويستخدم الفريق البريطاني أسلوب التحليل الكيماوي للفخار بحثا عن أي معلومات عن الأطعمة والمشروبات بالإضافة إلى التكنولوجيا المستخدمة في إنتاجها. وتفيد مثل هذه الأساليب في تتبع أصول الأحجار والمعادن والأخشاب المستوردة إلى منطقة كانت تفتقر بطبيعتها إلى مثل هذه المواد.
وقالت جين «نحن ندرس المواد البيئية وشذرات صغيرة من العظام والبذور لمحاولة إعادة تصور الاقتصاد ومعرفة ما كان الناس يزرعونه وكيف كانوا يزرعونه».

القتل في بلاد ما بين النهرين

كان الأثري وولي يركز على الكشف عن المباني لا على التحليل الجزئي. هذا واكتشف حليا وخناجر وقيثارات وغيرها من القطع الفنية المصنوعة من الذهب والفضة والبرونز واللازورد والعقيق وكلها من الأشياء التي حازت اهتماما عاما كبيرا.
وكان مصدر كثير من هذه القطع 16 مقبرة ملكية اكتشف فيها حفر الموت التي تتضمن رفات خدم قتلوا فيما يبدو لمرافقة ملوكهم وملكاتهم في العالم الآخر. وفي إحدى هذه الحفر رقدت جثث 68 امرأة وست رجال مرصوصة بعناية فائقة.
وبناء على مشاهداتها هناك ألفت كريستي روايتها «جريمة قتل بين النهرين» عام 1935 وكان الباحث الأثري فيها يشبه وولي وكانت ضحية الجريمة امرأة فاتنة ومتعجرفة في آن واحد وكانت تشبه زوجته الصعبة كاثرين.
وسئل كامبل عما إذا كانت امرأة تطمح أن تكون من كتاب الروايات البوليسية قد زارت الموقع في أور فقال «لم يحدث حتى الآن. لكن إذا حدث ذلك فقد يكون مصدر كفالة (مالية) أيضا».
ويدعم مشروع منطقة أور كل من مجلس الدولة العراقية للآثار والتراث والمعهد البريطاني لدراسة العراق وجامعة مانشستر بالإضافة إلى تبرعات خاصة.
وكانت أعمال الحفر التي أجراها وولي حصلت برعاية المتحف البريطاني ومتحف جامعة فيلادلفيا حيث يعرض الكثير من اكتشافاته.
وكانت غرترود بل الباحثة الأثرية والإدارية البريطانية في العصر الاستعماري التي أسست المتحف العراقي في العشرينات وأصبحت رئيسة لقطاع الآثار قد ضمنت بقاء الكثير من أفضل القطع الأثرية المكتشفة في العراق الذي ساعدت في رسم حدوده.
ويقضي قانون للآثار يرجع إلى عام 1932 بأن يسلم الأثريون الأجانب كل ما يكتشفونه للمتحف الوطني العراقي.
وقالت جين «نحن نأخذ عينات علمية لدراستها. أما القطع الفعلية فتبقى حيث تنتمي.. في العراق».



«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
TT

«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)

غالباً ما يُصوَّر الحب كواحدة من أجمل تجارب الحياة؛ فالوقوع في الحب يُنظر إليه على أنه تجربة ساحرة ومغيِّرة للحياة، سواء في الأفلام الرومانسية أو الروايات الأكثر مبيعاً. ومع ذلك، فإن فكرة الحب قد تُثير القلق أو الذعر أو النفور لدى بعض الأفراد. يُطلق على هذا الخوف الشديد اسم رهاب الحب، وهو الخوف من الوقوع في الحب أو تكوين علاقات عاطفية قوية.

ما هو رهاب الحب؟

يمكن ترجمة المعنى الحرفي لكلمة رهاب الحب (فيلوفوبيا) إلى مزيج من كلمتين يونانيتين: «فيلو» وتعني الحب، و«فوبوس» وتعني الخوف. على الرغم من أنه لا يُصنّف رسمياً ضمن أي اضطراب نفسي محدد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، إلا أن رهاب الحب يُعرف عموماً كشكل من أشكال الرهاب المحدد أو اضطراب القلق. لا يقتصر الأمر على شعور المصابين ببعض التوتر حول العلاقات، بل قد يتملكهم خوف طاغٍ عند التفكير في التقرب العاطفي من شخص ما. وقد يدفعهم هذا الخوف إلى تجنب العلاقات تماماً، أو إلى تدمير علاقات سليمة كانوا يعيشونها بالفعل.

علامات وأعراض رهاب الحب

يمكن التعرف على رهاب الحب من خلال التفاعلات العاطفية والعقلية والجسدية، وتشمل الأعراض الشائعة:

- قلقاً شديداً عند التفكير في الارتباط العاطفي

- تجنب العلاقات العاطفية قدر الإمكان

- خوفاً من الضعف أو الانفتاح العاطفي

- خفقان القلب السريع، أو التعرق، أو صعوبة التنفس عند الشعور بالحب

- التدقيق المفرط في العلاقات بحثاً عن أسباب للرحيل

وفي الحالات الحادة، قد يُصاب الأشخاص بنوبات هلع. وغالباً ما ترتبط هذه الاستجابات بأشكال أخرى من اضطرابات القلق، مثل اضطراب القلق الاجتماعي، حيث يثير التفاعل مع الآخرين خوفاً شديداً.

ما الذي يجعل المرء يخشى الوقوع في الحب؟

رهاب الحب ليس حالة غير مبررة، فقد يكون ناتجاً عن عدة عوامل نفسية وعاطفية، منها:

1. صدمة أو ألم عاطفي سابق

التجارب مثل الانفصال المؤلم، أو الخيانة الزوجية، أو الطلاق، أو الهجر قد تترك آثاراً نفسية طويلة الأمد. عندما يربط المرء الحب بمعاناة عاطفية، فإن دماغه قد يبدأ في التعامل مع العلاقات الجديدة كتهديد محتمل.

2. تجارب الطفولة

وفقاً لنظرية التعلق، تحدد علاقات الطفل بمقدمي الرعاية في المراحل المبكرة كيفية تكوينه للعلاقات في مرحلة البلوغ؛ فقد تؤدي أنماط التعلق غير الآمنة، خصوصاً الأنماط التجنبية أو القلقة، إلى صعوبة تكوين روابط وثيقة لاحقاً.

3. الخوف من الرفض

قد يدفع الخوف من عدم الانتماء أو التعرض للهجر الأشخاص إلى تجنّب الحب تماماً. في هذه الحالة، يُنظر إلى عدم الحب على أنه أكثر أماناً من مواجهة احتمال التعرض للأذى العاطفي.

4. فقدان السيطرة

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر، وهو أمر قد يكون مربكاً أو مخيفاً للأشخاص الذين يقدّرون الاستقلال العاطفي والسيطرة على حياتهم العاطفية.

مواجهة رهاب الحب

عموماً، لا يقتصر الخوف من العلاقات العاطفية على مجرد الخوف من المواعدة، بل يتعداه إلى الخوف من التقارب العاطفي العميق. ورغم أن كثيرين قد يخشون الالتزام، فإن الحب يظل أحد المصادر المهمة للنمو الشخصي والترابط والرضا النفسي. من خلال فهم الذات والتشجيع والدعم، وحتى اللجوء إلى الاستشارة النفسية المتخصصة، يمكن تعليم الأفراد أن إظهار الضعف ليس أمراً سلبياً، بل هو سبيل لبناء علاقات قيّمة ومستدامة.


«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
TT

«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)

بشَعره الفضي المسترسل، وملامح وجهه الأوروبية، يسير خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان، مدير برامج صندوق الآغا خان للثقافة، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، بخطوات واثقة بين أهل المدينة السورية الكبرى، ملقياً عليهم السلام بلهجة سورية واضحة.

يُلقّب المهندس المعماري الفرنسي، الذي درس تاريخ الفن والعمارة في مدرسة متحف اللوفر بباريس، في سوريا بـ«الحاج تييري» أو «تييري الحلبي»، لطول فترة عمله وإقامته في سوريا، التي تزيد على 40 عاماً، أمضاها متنقلاً بين المعالم الأثرية الشهيرة في البلاد، مرمماً ومشرفاً ومراقباً.

جاء تييري إلى حلب للمرة الأولى عام 1983 مدرساً في جامعتها، وساعد مديرية الآثار في ترميم جزء من القصر الأيوبي في قلعة حلب، قبل أن يُطلب منه في تسعينات القرن الماضي إعداد دراسة كاملة لترميم وإعادة اكتشاف القلعة التاريخية.

خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان (الشرق الأوسط)

يقول تييري لـ«الشرق الأوسط» إن القلعة، قبل الألفية الجديدة، كانت مطمورة بالتراب، وكانت أجزاء منها غير معروفة ومهملة، لدرجة أن الكابلات الكهربائية التي كانت تغذي أنحاء المدينة كانت تمر عبرها.

ومع الانتهاء من أعمال الحفريات وإكمال ترميم مساجد وقصور القلعة، دُشِّن مسار سياحي لزيارة معالمها للمرة الأولى مع بداية الألفية الجديدة، وأُجريت تنقيبات أثرية أسفرت عن اكتشافات مميزة، من بينها طبقة سفلية عبارة عن خندق محفور في الصخر بعمق 42 متراً، يتضمن ممرات سرية تؤدي إلى البرج الشمالي المتقدم في القلعة.

وخلال العصور الماضية، كُتب على هذه القلعة، التي تعتلي تلة صخرية وسط المدينة، أن تُهدم ثم تنهض من جديد؛ فقد تعرضت للهدم على يد المغول ثم بُنيت مجدداً، كما تعرضت أجزاء منها للضرر خلال الحرب بين جيش الرئيس السوري السابق بشار الأسد والمعارضة المسلحة، وأكمل الزلزال المدمر عام 2023 ما تبقى من أضرار.

تييري غراندان يحظى بشهرة في دوائر الآثار السورية (الشرق الأوسط)

وبعد توقف الاشتباكات، طلبت منظمة «اليونيسكو» من صندوق الآغا خان للثقافة تقييم الأضرار التي لحقت بقلعة حلب. وعقب عودته إلى حلب لإنجاز هذه المهمة عام 2016، صُدم المهندس الفرنسي من حجم الدمار الذي لحق بالمدينة القديمة وبعض أجزاء القلعة، وقال: «من الصعب جداً إعادة بناء الخانات والحمامات والبيوت الأثرية النادرة التي دُمّرت في سوريا خلال الحرب».

ويضيف تييري: «رغم أن القلعة بُنيت للدفاع وخوض الحروب في العصور القديمة، فإنها تقف اليوم صامدة تؤرخ للحكام الذين مروا من هنا، وللعصور البيزنطية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، إذ تتضمن مباني وشواهد من كل هذه العصور».

قلعة حلب التاريخية (الشرق الأوسط)

وفي الجهة المقابلة للمسجد الأيوبي تقع أطلال «ثكنة إبراهيم باشا»، التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو عام 1848م، والتي حُوّلت في عام 2008 إلى متحف صغير يضم عناصر زخرفية مميزة ونادرة اكتُشفت خلال أعمال التنقيب في القلعة، إضافة إلى مركز للزوار يشرح الأهمية التاريخية والأثرية للمنطقة. لكن نصف هذا المبنى الكبير تعرض للتدمير خلال الحرب، ثم دمّر الزلزال النصف الآخر عام 2023.

ويعرب تييري عن حزنه الشديد لفقدان هذا المبنى، ويعدّه «خسارة كبيرة»، مشدداً على أهمية شرح تاريخ القلعة للزوار، ويرى في ذلك «واجباً ثقافياً تجاه الأجيال الجديدة».

ويسعى خُبراء الترميم إلى إنقاذ مئذنة الجامع الأيوبي في القلعة، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1212م، عبر تدعيمها بدعائم حديدية لمنع اتساع الشروخ التي أحدثها زلزال 2023.

من أكبر قلاع العالم

تُعد قلعة حلب من أقدم وأكبر القلاع في العالم، ويعود استخدام التلة القائمة عليها إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. وقد سكنتها حضارات كثيرة، منها الآراميون والآشوريون واليونانيون والبيزنطيون والعرب. وفي العصر الإسلامي بنى سيف الدولة الحمداني الحصن واستخدمه مركزاً عسكرياً في القرن الـ10 الميلادي، في حين يعود الفضل في بناء الشكل الحالي للقلعة والتحصينات الضخمة إلى الملك الظاهر غازي (ابن صلاح الدين الأيوبي) في القرن الـ12 الميلادي.

قلعة حلب رمز من رموز التاريخ الوطني السوري (الشرق الأوسط)

وفي العصور اللاحقة خضعت القلعة لحكم المماليك ثم العثمانيين، وهي اليوم مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو». ومن أبرز معالمها البوابة الضخمة، وهي جسر قنطري مهيب يؤدي إلى مدخل محصن، وقاعة العرش، وهي تحفة معمارية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي. كما تضم مسجدين: الجامع الكبير وجامع إبراهيم الخليل، إضافة إلى معبد حدد الذي يعود إلى آلاف السنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» إقبالاً لافتاً من التلاميذ والأهالي على زيارة القلعة، التي تُعد الرمز الأهم لحلب خاصة ولسوريا عموماً. وتعج ساحتها بالباعة والمصورين الفوتوغرافيين والمقاهي، رغم الدمار الهائل الذي يحيط بها من جهة المدينة القديمة والسوق.

حكاية غرام بحلب

ويشرح المهندس الفرنسي، الذي قرر ترك جميع المؤسسات والعمل حصرياً مع صندوق الآغا خان للثقافة إيماناً برسالته، أسباب تعلقه بحلب، قائلاً إنه اعتاد منذ طفولته زيارة المواقع الأثرية والمتاحف برفقة والديه، وانتقل إليه هذا الشغف خلال دراسته وبعد تخرجه. وزار مدناً سورية سائحاً عام 1980، من بينها دمشق وحمص وحماة، وانتهى به المطاف في حلب، حيث أقام في فندق البارون الشهير، الذي كان يُعد الفندق المعروف الوحيد في المدينة في ثمانينات القرن الماضي.

شارك غراندان في ترميم قلعة حلب واستكشافها (الشرق الأوسط)

ويؤكد تييري أنه لاحظ تجانساً لافتاً بين السكان والتراث، وشارك في مشروعات ترميم وتخطيط، وتزوج إحدى سيدات المدينة، وأجاد اللهجة العربية، خصوصاً السورية. وظل في حلب سنوات طويلة حتى اندلاع الحرب عام 2011، ما اضطره إلى المغادرة، ثم عاد إليها عام 2017 لمباشرة ترميم سوق حلب وقلعتها، إلى جانب إشرافه على مشروعات ترميم أخرى في مناطق متفرقة من سوريا.

ويتذكر المهندس المعماري الفرنسي لقاءه في ديوان محافظة حلب عندما قدمه نائب المحافظ مخاطباً الحضور بـ«تييري الحلبي»، مؤكداً أن بعض أصدقائه يلقبونه بـ«الحاج تييري» لشدة اندماجه في المدينة وأوساطها.


احتيال تذاكر «اللوفر»... نهب 10 ملايين يورو وتوقيف 9 متهمين

سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
TT

احتيال تذاكر «اللوفر»... نهب 10 ملايين يورو وتوقيف 9 متهمين

سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)
سياح يقفون أمام اللوفر في باريس (أ.ف.ب)

ألقت الشرطة الفرنسية القبض على 9 أشخاص في إطار التحقيق في شبكة واسعة للاحتيال بتذاكر الدخول إلى متحف «اللوفر» في باريس. وتأتي هذه القضية لتضيف فضيحة جديدة إلى سلسلة السرقات والإضرابات وحوادث تسرّب المياه التي طالت مقتنيات المتحف، الذي يُوصف بأنه الأكبر والأشهر في العالم.

وحسب المعلومات الأولية، فإن الأموال التي ضُبطت حتى الآن تجاوزت 957 ألف يورو نقداً، إضافة إلى 476 ألف يورو في حسابات مصرفية. ومن بين الموقوفين اثنان من العاملين في «اللوفر» ودليل سياحي، إلى جانب شخص متهم بإدارة المجموعة.

واتبعت العصابة، التي تضم دليلين سياحيين صينيين، أسلوباً احتيالياً قائماً على إعادة استخدام تذكرة الدخول الواحدة إلى المتحف مرات عدة. وكانت الشبكة تستغل دخول أكثر من 20 مجموعة سياحية يومياً. ويُقدَّر مجموع ما جناه المحتالان وشركاؤهما خلال السنوات الماضية بنحو 10 ملايين يورو، قبل كشف الشبكة وتحديد أفرادها بفضل التنصت على الهواتف. وأظهرت التحقيقات أن جزءاً من تلك الأموال استُثمر في شراء عقارات في باريس ودبي.

ويواجه المتهمون تهماً تتعلق بالاحتيال المنظم، والتزوير، وتبييض الأموال، والفساد الإداري، واختلاس المال العام.