«ميتا» ووسائل الإعلام... بين المنافسة وتبادل المنفعة

«ميتا» ووسائل الإعلام... بين المنافسة وتبادل المنفعة

الاثنين - 18 جمادى الأولى 1444 هـ - 12 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16085]
السيناتورة آيمي كلوبوشار

في حلقة جديدة من حلقات الصراع بين شركة «ميتا»؛ مالكة منصة «فيسبوك»، ووسائل الإعلام التقليدية، هددت «ميتا» بحذف الأخبار عن منصتها الأكثر شهرة، في حال إقرار «الكونغرس» الأميركي قانوناً يسمح لوسائل الإعلام الأميركية بالتفاوض بشكل جماعي مع شركات التكنولوجيا الكبرى، الأمر الذي أثار تساؤلات حول شكل ومستقبل العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية، وهل هي علاقة منافسة وصراع، أم تبادل منفعة. لكن على ما يبدو أمكن تلافي تهديد «ميتا» بحذف الأخبار، ولو مؤقتاً، بعدما سحب «الكونغرس» مشروع القانون.
ما حصل هو أنه، خلال الأسبوع الماضي، تحدثت وسائل إعلام أميركية عن مشروع قانون يعتزم «الكونغرس» الأميركي إقراره، يسمح لوسائل الإعلام التقليدية بالتفاوض بشكل جماعي مع «ميتا» الشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام»، و«ألفابت» الشركة المالكة لـ«غوغل»، بشأن شروط وطريقة نشر المحتوى الإعلامي على منصات التواصل، ما يسمح لها بالحصول على عائدات مالية أكبر من نشر المحتوى الإخباري. لكن ما إن انتشرت أخبار القانون المُقترح، حتى هددت «ميتا»، في منتصف الأسبوع، صراحة بـ«حذف» الأخبار من منصتها حال تمريره. وقال آندي ستون، الناطق باسم «ميتا»، في تصريحات تداولتها وسائل الإعلام الأميركية، إنه «إذا مُرِّر هذا المشروع المعيب، من جانب الكونغرس، فإن الشركة ستكون مجبَرة على حذف الأخبار من منصتها».
وحقاً، يثير نشر الأخبار على منصات التواصل الاجتماعي تباينات في المواقف بين هذه المنصات ووسائل الإعلام. إذ تقول «ميتا» إن نشر الأخبار على منصتها يسهم في تحقيق مزيد من الزيارات للمواقع الإلكترونية المنتِجة لهذا المحتوى، في حين تقول وسائل الإعلام إن «الشركة صاحبة العلامة الزرقاء تنشر المحتوى الإعلامي مجاناً، من دون عوائد مادية حقيقية لمنتجيه».
رائف الغوري، اختصاصي تقنية المعلومات والمدرب الإعلامي السوري العامل في دولة الإمارات العربية المتحدة، قال، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن مردّ هذا الصراع إلى اللاالتوازن في الفوائد والعوائد بين أطرافه، وهم صُناع الأخبار من مؤسسات وشركات إعلامية، وناشرو الأخبار، أمثال منصات «فيسبوك» و«إنستغرام».
وتابع الغوري إن «مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي هم المفعول به في هذا الصراع، ولا سيما أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن المعلومات من مصادرها الأصلية، مكتفين بما تنشره منصات التواصل... وهو ما يرجح كفة فيسبوك، ويمنحها قوة أكبر في التحكم فيما يصل للجمهور من معلومات»، ومن ثم توقّع «الوصول إلى حلول وسط في هذا الصراع؛ لأنه لا يمكن لأحد أطرافه أن يأخذ دور الآخر».
من ناحية ثانية، ووفق تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الأميركية عن آيمي كلوبوشار، السيناتورة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، وهي أحد المشرّعين المسؤولين عن مشروع قانون المنافسة وحماية الصحافة، فإن مشروع القانون المُقترح «ضروري لمساعدة وسائل الإعلام المحلية والصغيرة على البقاء، في مواجهة هيمنة غوغل وفيسبوك».
وأردفت كلوبوشار، في بيانها، أن «السماح لشركات التكنولوجيا الكبرى بالسيطرة على القرارات السياسية في واشنطن لم يعد خياراً قابلاً للتطبيق عندما يتعلق الأمر بتعويضات الأخبار، أو حقوق المستهلك والخصوصية، أو سوق الإنترنت». وهنا يعلّق الغوري قائلاً إن «منصة فيسبوك تتحكم في نوعية الأخبار التي تصل للجمهور، عبر سياسة انتقائية تحكمها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، فضلاً عن تأثيرها على معتقدات وأفكار المستخدمين... وكل الاحتمالات قائمة في المستقبل، ولا سيما مع التطور التكنولوجي المتسارع، وتطور أساليب وأدوات الكتابة، واحتمال تغير الذائقة الثقافية والمعرفية للمستخدم».
من جانبه، قال دانييل كوفي، نائب رئيس تحالف صُناع الأخبار في الولايات المتحدة الأميركية، في بيان صحافي، إن «سحب مشروع القانون يرجع إلى حالة الشد والجذب السياسي في الكونغرس، بعدما عارض جمهوريون في الكونغرس إدراج تشريعات غير دفاعية في مشروع قانون دفاعي».
وأوضح أن سحب المشروع لم يكن اعتراضاً على بنوده؛ إذ لا يوجد خلاف على ضرورة مساعدة غرف الأخبار... بل سيستمر العمل لتمرير القانون في المستقبل، وإلا فإن الآثار ستكون مدمرة.
وحول الموضوع نفسه أرجع إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المصري اليوم» الخاصة في مصر، والمتخصص بالإعلام الرقمي، أسباب الصراع المستمر بين وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ما يسميه «الفجوة بين مصادر الدخل والإنفاق في المؤسسات الإعلامية». وأوضح الزلاقي، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل أزمة التمويل التي تعاني منها المؤسسات الإعلامية وتراجع توزيع الصحف، فإن هذه المؤسسات تعتمد بشكل كبير على عائدات الإعلانات التي تتحصل عليها من منصات التواصل الاجتماعي».
ولفت إلى أن «المشكلة أكبر في المنطقة العربية، ولا سيما مع ندرة تطبيق أنظمة الاشتراكات المدفوعة... ورغم ضآلة العائدات التي تحصل عليها وسائل الإعلام من منصات التواصل الاجتماعي، فإنها تظل مهمة في ظل انعدام عائدات أخرى».
ووفق الزلاقي، لا يعني سحب مشروع القانون (مؤقتاً) من الكونغرس انتهاء الموضوع، و«إيقاف المشروع يرجع لأسباب تتعلق بالصراع السياسي الحزبي... في حين أن الجدل بشأن العلاقة بين الناشرين ومنصات التواصل سيستمر، وكانت قد حدثت حالة مماثلة في أستراليا قبل نحو سنة. وبالفعل حقاً، أوقفت ميتا، في العام الماضي، نشر الأخبار على فيسبوك في أستراليا بعد إقرار السلطات هناك قانوناً مشابهاً، لكنها سرعان ما تراجعت بعدما تعرضت لانتقادات كبيرة. ويومذاك صرح ناطق باسم فيسبوك بأن مكاسب الشركة من الأخبار ضئيلة، إذ تشكل الأخبار أقل من 4 % من المحتوى الذي يراه الناس».
في سياق متصل، يرى الزلاقي أن «انتشار الأخبار الزائفة هو مكمن الخطورة حال وقف نشر المحتوى الذي تنتجه المؤسسات الإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي». وأضاف أن «هذه القضية تشكل محوراً أساسياً في ذهنية كل من يسعى لسنّ قوانين تحكم العلاقة بين الطرفين، حتى لو كان هناك إجحاف في اقتسام العوائد». وأكد من ثم أنه «على الرغم من أن العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام يُفترض أن تكون علاقة منفعة ومصالح متبادلة، فإن غياب التوازن في القوى يجعل لمنصات التواصل الاجتماعي اليد الطولى في التحكم بالعلاقة».
ختاماً، يدفع مراقبون بأن مكمن الصراع بين الطرفين هو أنه لا رغبة عند الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي في أن تكون ملزَمة قانوناً بالدفع لوسائل الإعلام، ولا سيما أن هذه المنصات تدخل بين الحين والآخر في شراكات طوعية مع المؤسسات الإعلامية، وتقدم مِنحاً لمنتجي المحتوى. وللعلم، وقّعت شركة «ميتا» عام 2019 عقوداً بعشرات الملايين مع مؤسسات إخبارية أميركية، كما وقّعت عقوداً مماثلة مع وسائل إعلام بريطانية عام 2020، غير أنها أعلنت، في أغسطس (آب) الماضي، عدم تجديد هذه التعاقدات بداعي تحويل الموارد بعيداً عن المنتجات الإخبارية، والاتجاه لدعم المحتوى الإبداعي.


أميركا إعلام الإعلام المجتمعي

اختيارات المحرر

فيديو