«الساحرة المستديرة»... كرهها هتلر واستغلها موسوليني

الفرنسي ميكائيل كوريا يتناول نشأتها ومساراتها في «تاريخ شعبي لكرة القدم»

«الساحرة المستديرة»... كرهها هتلر واستغلها موسوليني
TT

«الساحرة المستديرة»... كرهها هتلر واستغلها موسوليني

«الساحرة المستديرة»... كرهها هتلر واستغلها موسوليني

عبر الأجزاء الخمسة التي يتكون منها كتابه «تاريخ شعبي لكرة القدم» يركز الكاتب الفرنسي ميكائيل كوريا على الدور السياسي لكرة القدم (الساحرة المستديرة) بوصفها اللعبة الشعبية الأولى في العالم، وكيف تم توظيفها كأداة لخدمة فاشية موسوليني، ونازية هتلر الذي ذاعت خلال فترة حكمه حالات تعذيب وقتل لاعبين كثيرين عقاباً لهم على مواقفهم السياسية. كان هتلر يكره كرة القدم، ويفضل الملاكمة، لكنَّ شعبية كرة القدم الكبيرة لدى الألمان أجبرت الفوهرر على استيعابها ودمجها في العقيدة الاشتراكية القومية، وعلى ملاعب ألمانيا كما في خارجها. كان يجب على لاعبي كرة القدم أن يكونوا السفراء الفخورين بالرايخ الثالث، وبعد نقش قمصانهم بشعارات النبالة النازية، توجب عليهم أن يؤدوا بشكل مثالي تحية هتلر والنشيد الوطني الجديد، وألغى الاتحاد الألماني نظام الاحتراف، لصالح «نقاء الهواية»، فاللاعبون الهواة أكثر نبالة في نظر النازيين، كما أنهم يخضعون بسهولة لسلطة هتلر.
ويحكي المؤلف، في كتابه الذي صدرت نسخته العربية عن دار «المرايا للثقافة والفنون» المصرية بترجمة الكاتب المصري محمد عبد الفتاح السباعي، عن الجذور التاريخية لنشأة كرة القدم منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وما قبل ذلك، كما يتتبع مساراتها إلى أن تطورت للشكل الحالي كصناعة كبرى، بدايةً من استغلالها من خلال أرباب الأعمال في بريطانيا زمن الثورة الصناعية لصرف طاقة الطبقة العمالية عن أي احتجاجات، ثم من طرف رجال الدين الذين كانوا يرونها أداة مثالية يمكنها الحفاظ على الشباب العامل من التدني الأخلاقي، حتى وصولها إلى لعبة تتدخل فيها السياسة أحياناً بوجهها القبيح، وتستغلها لتحقيق أغراض ومصالح معينة.
وعلى خطى النازية سار الجنرال فرانكو، حاكم إسبانيا، بممارساته، هو ورجاله، واتجه لدعم نادي ريال مدريد على حساب برشلونة، وهو الفريق الذي كان يكره الديكتاتور الإسباني بشدة. ويحكي المؤلف عمّا كان يدور في روسيا زمن ستالين، «1922 حتى 1952»، وكيف سعى البلاشفة للتحكم في كرة القدم، وتسييرها لتخدم مصالحهم، وذلك بعد أن رأى رجال السلطة هناك أنها صارت شغفاً سوفياتياً، لكنَّ محاولاتهم لم تفلح، ولم يستطع الحزب السيطرة عليها، فالجنون الشعبي تجاه نادي سبارتاك مثلاً، والتجاوزات العنيفة من مشجعيه كانت تُخفي حساً سياسياً، ففي بلد مثل الاتحاد السوفياتي السابق «كان نادي كرة القدم الذي تشجعه وتنتمي إليه خياراً تذهب إليه بنفسك، وبمحض إرادتك، وذلك في واحد من الأوقات النادرة التي تتمتع فيها بحرية الانضمام أو عدم الانضمام إلى مجتمع ما، والتعبير عن نفسك دون قيود». كان هناك الكثير من الفرق في موسكو، كل منها يمثل مجموعة اجتماعية، وكان معظم أنصار «سبارتاك» من الطبقات الدنيا، أما «نادي سسكا» فقد كان تابعاً للجيش الأحمر، هذا بخلاف «دينامو موسكو» الذي أنشأته وزارة الداخلية، وهكذا بدا المشهد يضم مختلف هيئات المجتمع السوفياتي، لكن في مجتمع ستاليني استبدادي يمنح القليل من الحريات الفردية، كانت كرة القدم تسمح لكل فرد بدعم فريقه المفضل، واختيار أبطاله، بعيداً عن أولئك الذين حددتهم أجهزة الدولة.
وقبل زمن ستالين بـ6 قرون تقريباً أصدر نيكولاس دي فارندوني، عمدة لندن، مرسوماً في أبريل (نيسان) عام 1314، باسم الملك إدوارد الثاني ملك إنجلترا، منع بموجبه، وتحت عقوبة السجن، «ممارسة كرة القدم في المدينة»، بدعوى حفظ السلام في غياب إدوارد الثاني الذي كان يخوض حرباً في اسكوتلندا، ومن أجل محاصرة الضوضاء التي تعمّ المدينة نتيجة لعب المباريات في الملاعب العامة، وتحسباً لما يمكن أن ينجم عن ذلك من شرور.
ويخصص كوريا فصلاً كاملاً للحديث عن كرة القدم النسائية في بريطانيا، وتحولها من الرفض الأخلاقي الصادر من المجتمع البطريركي الذي كان يرى في الشورتات التي كانت اللاعبات يرتدينها رمزاً للانحلال، إلى الرعاية القوية من جانب القادة الصناعيين، ثم الحكومة في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، ثم نكوصها مرة أخرى، والاتجاه لمنعها وتسريح اللاعبات لأن السياق الاجتماعي في مطلع القرن الماضي لم يكن يميل لصالح تحرر المرأة التي كان عليها الانتظار خمسين عاماً لإلغاء الحظر المفروض عليها بممارسة كرة القدم.
وفي الجزء الثالث يحكي الكتاب عن البرازيل التي كان المسؤولون عن الرياضة فيها ينظرون إلى اللاعبين أصحاب البشرة السمراء خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي على أنهم «أقل ذكاءً ممن سواهم، ويفتقرون إلى الروح القتالية اللازمة، والشعور بالمسؤولية الضرورية لأي مباراة جماعية».
ويذكر كوريا أن اللجنة الفنية التابعة لاتحاد الكرة البرازيلي استدعت في كأس العالم عام 1958 طبيباً نفسياً لاختيار اللاعبين المناسبين ذهنياً للمنافسة. وحكم عالم النفس جواو كارفالهايس، على بيليه بأنه «طفولي بشكل لا لبس فيه، يفتقر إلى الروح القتالية اللازمة، والشعور بالمسؤولية الضروري لأي مباراة جماعية»، وقال عن غارينشا إن «ذكاءه أقل من المتوسط، ولا ينبغي له المشاركة في مباريات تتسم بالضغط العالي بسبب افتقاره للشراسة المطلوبة»، وكان حكمه هذا مستنداً إلى أنهما من أصحاب البشرة السوداء، وجاء استجابةً لرأي المسؤولين عن الرياضة في البلاد، والذين كانوا يعانون من «صدمة ماراكانا» والتي ضربتهم في عُقر دارهم، ونتجت عن خسارتهم كأس العالم أمام الأوروغواي عام 1950، وأرجعوا سببها لحارس المرمى صاحب البشرة السمراء باربوسا، وحكموا عليه بالعيش منبوذاً في بلده، وبات رمزاً لسوء الطالع لدرجة أنهم منعوه من حضور أي مباراة أو تدريب للمنتخب البرازيلي، وصار النظام الكروي كله هناك غارقاً في جدل حول «بياض» لاعبيه.
هذه المفاهيم العنصرية أجبرت فينسنتي فيولا، المدير الفني للمنتخب، بمجرد وصولهم إلى السويد للمشاركة في كأس العالم عام 1958، على عدم إشراك بيليه وغارينشا في المباريات الأولى ضد النمسا ثم إنجلترا. ولكن بعد التعادل السلبي مع الإنجليز، وضعهما المدرب في التشكيل الأساسي في محاولة لهزيمة منتخب الاتحاد السوفياتي المخيف، وبسبب هذين اللاعبين تحول السيليساو إلى آلة لتسجيل الأهداف، حيث كان المدافع السوفياتي بوريس كوزنيتسوف ضحية لمراوغات غارينشا، بينما سجل بيليه هدف الفوز في ربع النهائي ضد ويلز قبل أن يوقّع على ثلاثية في نصف النهائي ضد فرنسا، وفي المباراة النهائية كانت المواجهة رمزية بين السويديين طوال القامة، شُقر البشرة، وبين البرازيليين الأصغر حجماً والأكثر قتامة وسواداً، وانتهى اللقاء بفوز البرازيل.
ويشرح كوريا كيف كانت الكرة وسيلة لمقاومة العنصرية، وصارت سلاحاً استخدمه الجزائريون للتخلص من المستعمر الفرنسي، ويحكي قصة مشاركة اللاعبين الجزائريين المحترفين في عدد من الأندية الفرنسية في حرب تحرير بلادهم. كما يتحدث عن أندية كرة القدم الفلسطينية، وكيف سعى الاحتلال الإسرائيلي لإغلاقها منذ البداية بعد أن استشعر المستوطنون في تل أبيب أنها يمكن أن تكون وسيلة لإعاقة عمليات المصادرة وإنشاء الوطن القومي، لكنَّ هذا الاضطهاد والحصار وتقييد الحركة الذي كان يتزايد مع دخول الدولة العبرية في مراحل تاريخية متقدمة كانت تقابله انتفاضات وثورات شعبية من الجانب الفلسطيني، يتصدرها دائماً لاعبو كرة القدم وغيرهم من الرياضيين.
ومن فلسطين في غرب آسيا، إلى أفريقيا جنوب الصحراء، كان الاحتلال الفرنسي هناك يرى أن أي انتصار يمكن أن تحققه فرق المستعمرات ضد مستعمريهم، سوف يكتسب أهمية خطيرة، ويتم استغلاله من جماهير السود ليكون دافعاً لهم على التمرد، لكنَّ ذلك الحرص لم يمنع فرق المستعمرات من الانتشار والازدياد، «ووضع قوات الاحتلال الفرنسي في موقف تسلل»، فارتفع عدد الأندية في منطقة غرب أفريقيا الفرنسية من 184 عام 1943 إلى 438 في عام 1957، وانعكست هذه الزيادة في فرق الكرة في صور كثيرة من المشاعر المناهضة للاستعمار، وأخذت مظاهرها وبدت واضحة في مرحلة الستينات مع تحقيق الاستقلال.
ويشير كوريا في الكتاب الذي صدرت نسخته الفرنسية عن دار نشر «لاديكوفيرت» إلى أن كرة القدم وُلدت معولمة، إذ حملها بحارة الإمبريالية الإنجليزية إلى شواطئ العالم. وفي البرازيل، تم تقديم الكرة رسمياً في 14 أبريل 1895، عندما نظم برازيلي من أصل بريطاني المباراة الأولى، والتي كانت مرتبطة بألعاب ترفيهية بين أطقم السفن الإنجليزية. وقد كان الأمر كذلك في الكثير من البلدان الأخرى، ومن بينها فرنسا، حيث أدى وصول كرة القدم عبر ميناء لوهافر في عام 1871 إلى تأسيس أول فريق فرنسي، من خلال نادي لوهافر الرياضي.
يُذكر أن ميكائيل كوريا يعمل في منصة «ميديا بارت» الإلكترونية، وسبق له العمل في جريدة «لوموند ديبلوماتيك»، بالإضافة إلى مساهمته في تأسيس مطبوعة «CQFD» المتخصصة في النقد الاجتماعي، أما المترجم محمد عبد الفتاح السباعي، فهو رئيس قسم الشؤون الخارجية بجريدة «الأخبار»، وترجم من قبل أربعة كتب عن الفرنسية، أبرزها كتاب «عنف وسياسة في الشرق الأوسط... من سايكس بيكو إلى الربيع العربي»، وكتاب «المثقفون والجنس والثورة... عاهرات وعزّاب في القرن التاسع عشر».



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).