فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

موهبتها العالية وتمردها المأساوي وفّرا لأسطورتها كل ما يساعدها على التحقق

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان
TT

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

ندر أن احتفى النقاد والدارسون والقراء بشاعرة من الشاعرات المعاصرات كما هو الحال مع الشاعرة الإيرانية المعروفة فروغ فرخزاد. فمنذ غيابها المأساوي في مطالع ستينات القرن الفائت لم تكفّ الأوساط الثقافية المعنية بقضايا الإبداع وشؤون الحداثة في جهات الأرض المتباعدة عن تلقف ذلك الصوت الشعري الفريد القادم من بلاد الخيام والفردوسي وحافظ الشيرازي، بقدر وافر ومتزايد من الحفاوة والإعلاء النقدي والإنساني، بالكاد تم توفُّره لرواد الحداثة الشعرية الإيرانية البارزين من أمثال أحمد شاملو ونيما يوشيج ونادر بور. بل إن اسم فرخزاد بدأ يكتسب عاماً إثر عام المزيد من التوهج الأخَّاذ الذي يساعد الأساطير على التحقق والنجوم على الخلود. وهو أمر لم يكن يحدث بالطبع لو لم تتهيأ له عناصر عدة، ليس الشعر على أهميته مكونها الوحيد، بل ثمة بينها ما يتصل بمسيرة الحياة الصعبة، وبقدر الأنوثة السيزيفي في المجتمعات البطريركية الذكورية، وبالموت الفاجع والمبكر الذي أوصل الأسطورة إلى ذروتها الأخيرة، تماماً كما حدث لسيلفيا بلاث، قرينة فروغ الأميركية التي تقاسمت معها النبوغ نفسه والمصير إياه.
عاشت فرخزاد طفولة مثخنة بالألم والحرمان العاطفي، كانت من الأسباب الأكثر عمقاً لمأساتها الحقيقية ولتبرمها بالحياة. وُلدت في طهران 1935 لأب عسكري صارم حاد الطباع وأم تقليدية خاضعة لإرادة الأب وسطوته. كانت الثالثة بين سبعة أشقاء، لم تحصل في طفولتها ولو على قدر قليل من الحنان يوفر لها توازنها النفسي والعاطفي. ولم تكن مشكلة العائلة مقتصرة على حاجة الأبناء إلى الحنان والحب، بل فاقمتها الهواجس الكابوسية للأم الخائفة على مصيرها، إثر اقتران زوجها بامرأة أخرى أكثر ثقافة وذكاء، ولجوئها المتكرر إلى الاعتداء عليها بالضرب.
«لا أعرف سبباً لسوء حالتي، أعرف أني أُصاب بالجنون. أحياناً إذا لم يتنبه أحد لي، أبقى دون طعام لثلاثة أيام. وقد لا أنام لليالٍ عدة إلا لأوقات قليلة مثخنة بالكوابيس. أرى أني شبعتُ من الحياة. الجميع ينظر لي بتحقير ويتراءى لي أن وجودي لا طائل منه، وأفكر أحياناً أنني لا أليق إلا بالموت». هذا ما كتبته فروغ في إحدى رسائلها إلى برويز شابور قبل أسابيع معدودة من ارتباطها الزوجي به. ويمكن لنا أن نتبين بوضوح السبب الذي دفع بالفتاة المراهقة لأن ترى في الزواج وسيلتها الوحيدة للفرار من وطأة القهر الأبوي التي أوصلتها غير مرة إلى حافة الانتحار. وفي رسالة أخرى إلى برويز تقر فرخزاد بأنها لشدة إهمالها من العائلة، كما لعدم اعتناء أمها بها، كانت ترتعش من الغضب والحقد، وتودّ لو خنقت الجميع بمخالبها.
ورغم كل ما عانته فرخزاد من عنت الأب وتسلطه فإن سيرتها الشخصية لا تُظهر لنا اعتراض الأب على كتابتها للشعر، ولا على نزوعها التجديدي، حين أطلعته على نصوصها الحداثية المبكرة وهي لا تزال في مرحلة دراستها الثانوية. وكذلك كان حالها مع برويز الذي اقترنت به وهي لم تكد تبلغ من العمر ستة عشر عاماً. لكن ما لم يستطع أن يحتمله الزوج رغم كونه شاعراً، هو الجرأة البالغة التي أظهرتها زوجته الشاعرة عبر قصيدتها «الخطيئة»، الناضحة بالبوح العاطفي المكشوف والرغبة الجسدية التي لم يسبق لشاعرة إيرانية أن تجرأت على كتابة ما يشابهها، في بلاد محافظة ظلت تؤمن لقرون عدة بشعار «لا تمنح زوجتك القلم، بل خذ القلم بنفسك» حسب الكاتب نظامي كنجوي. وما زاد الطين بلة هو ما تناقلته الأوساط الإيرانية الثقافية آنذاك عن مغامرة عاطفية جمعت بين الكاتب ناصر خدايار رئيس تحرير مجلة «روشفنكر»، وبين فرخزاد التي كتبت له ذات مرة «أنت من جعلتني شاعرة أيها الرجل».
ومع أن مجموعتها الشعرية الأولى «الأسيرة» قد وُجهت بردود فعل شاجبة وأخرى مؤيدة، فقد انتزعت فروغ لنفسها شهرة واسعة في الأوساط الثقافية الإيرانية، وباتت تجربته الرائدة محط اهتمام الكثير من القراء والمتابعين والمشتغلين بنقد الشعر. إلا أن الكلفة الناجمة عن ذلك كانت باهظة جداً بالنسبة للزوجة الشابة التي لم تكد تنفصل عن زوجها برويز حتى تم إبعادها عن ابنها الوحيد كاميار، بداعي نزقها وعلاقاتها الغرامية المتعددة وعدم أهليتها للأمومة. ومع ذلك فإن في الرسائل التي بعثت بها إلى زوجها بعد الطلاق ما يترك المرء حائراً إزاء قول فروغ لشابور: «أعرف أنني كائن ناقص، وأنني لا أملك ما تملكه الفتيات الأخريات، وأنني ارتكبت في طفولتي خطيئة فاسدة. ومع أن لك الحق في إبعادي إلا أنك لم تفعل، ولم تطعنّي أبداً». هذه الاعترافات بالذات هي التي دفعت البعض إلى التساؤل عن طبيعة ذلك النقصان وتلك الخطيئة، دون أن يجد أحد الإجابة الشافية عن ذلك. وإذ اعترفت فروغ لإحدى صديقاتها بالمأزق الذي تكابده، عبر قولها: «لا يمكن للمرأة أن تكون أماً جيدة وزوجة جيدة وشاعرة جيدة في الوقت ذاته، بل عليها أن تختار واحدة من هذه المهمات». لم تلبث أن جازفت بكل هدايا الحياة وأعطياتها من أجل أن تربح اثنتين: الشعر والحرية.
بعد عودتها من إيطاليا التي قصدتها الشاعرة المحبطة نشداناً للراحة وتخففاً من وطأة العلاقة الصعبة مع محيطها العائلي والاجتماعي، عملت فروغ عام 1958 في إحدى المجلات المحلية المصورة لفترة من الوقت، قبل أن تلتقي عبر أصدقاء مشتركين إبراهيم كلستان، الكاتب والمخرج السينمائي البارز الذي انتقلت للعمل معه كموظفة أرشيف، قبل أن يعصف حبها له بقلبها ولغتها وكيانها برمته. ومع أن فرزانة ميلالي تتحدث عن ذلك اللقاء قائلة: «كانت الفروق واضحة بين الرئيس والمرؤوس، فأحدهما في السادسة والثلاثين والآخر في الرابعة والعشرين. الأول متزوج ولديه طفلان، والآخر امرأة مطلقة ومحرومة من رؤية ابنها. أحدهما له تاريخ سياسي عريق كمسؤول في حزب (تودة) اليساري، وثري في الوقت ذاته، أما هي ففقيرة الحال ولم تستطع العيش بقلمها كبقية الشعراء»، إلا أن هذه الفروق المذكورة لم تصمد طويلاً أمام ذلك السهم الجارح الذي أصاب به كيوبيد قلبَي الفنان المتوقد ذكاءً والشاعرة الجميلة، وترك في مسيرة حياتهما آثاراً عميقة، من الصعب أن تُمحى.
وإذا كان الحب الغامر الذي عصف بالطرفين يعود بالدرجة الأولى إلى الكيمياء المتبادلة والانجذاب، كما هو شأن الحب في العادة، فإن أمرين آخرين أسهما دون شك في دفع العلاقة بينهما إلى مناطق أكثر رسوخاً وعمقاً، يتمثل أولهما في الشغف المفرط بالفن والإبداع، فيما الآخر متصل برفضهما المشترك للتحجر الفكري والتقاليد المحافظة، ونزوعهما العميق إلى كسر حلقة المحرمات. على أن نظرة متأنية إلى واقع الأمور لا بد أن تقودنا إلى استنتاج أن حديث كاتبة السيرة عن الفروق «الموضوعية» بين الطرفين لم يكن بالأمر العبثي، بل بدت تمثلاته واضحة على أرض الواقع المعيش. فكلستان المنخرط بقوة في النضال ضد النظام الحاكم، لم يكن مستعداً لأن يمنح حبه لفروغ حياته بكاملها، كما أن نزوعه العقلاني يؤكده عدم تخليه عن حياته الأسرية، حيث كان متزوجاً من مريم شيرازي وله منها ولدان.
أما فرخزاد فقد عصف حبها لكلستان بكيانها برمته وبكل جوانب حياتها، تاركة خلفها كل شيء باستثناء الشعر، وألقت بنفسها في الأتون المتلاطم لنيران الوله العاطفي والرغبات الحسية المشبوبة. ومن قلب هذا الأتون خرجت بعض أجمل قصائد الشعر الفارسي وأكثرها جرأة وجدة واتصالاً بالشغاف، حيث نقرأ نصوصاً من مثل:

«آه أيها الممتزج بروحي
يا من خلطني بشوق الشعر
أنا المرآة التي تمتلئ بنظرة عينيك
وإذا ما نظر الموت إليَّ تسودّ مرآتي
أنا عاشقة الغيوم الضائعة
عاشقة النهارات الماطرة
عاشقة كلّ ما يحمل اسمك
ورغم عطشي أمتصّ دم لحظاتك الحارقة»

وليست القصائد وحدها هي السبيل الوحيد للوقوف على تتيمها بكلستان، بل إن ذلك التتيم يظهر في عشرات الرسائل التي بعثت بها إليه أثناء السفر أو البعاد، حيث النصوص جميعها مستهلة بعبارات من مثل «شاهي العزيز فديتك» أو «عزيز القلب والروح». تتوزع النصوص على شؤون شتى تتعلق بالثقافة والفكر والفن وتفاصيل الحياة اليومية، وتعاود فروغ الإعلان عن عشقها الثابت لبطلها المعشوق فتخاطبه بالقول: «لو لم أجدك في هذه الدنيا لَمتّ، أو قتلت نفسي. أن أكون معك يعني أنني أغرق في بئر سحيقة وأصلُ إلى مركز الأرض». ومع ذلك فإن الحب الذي حملته الشاعرة لكلستان، لم يقنعها بفكرة الزواج منه كي لا تؤول نيران غرامهما المشتعل إلى كومة من الرماد، كما تؤكد بوران شقيقة فروغ الكبرى. وليس بعيداً عن الصحة ما رواه بعض المقربين عن إجهاضها للجنين الذي حملت به منه، خصوصاً أنها صرّحت غير مرة بأن انقطاعها للشعر لم يُتح لها القيام بدورها كأم. ورغم تبنيها للطفل حسين منصوري بسبب الشبه المفرط بينه وبين ابنها كاميار، فإنها لم تتمكن من إعطائه ما يلزمه من الرعاية والحنان الأموميين.
في الجانب الآخر من الصورة يبدو إبراهيم كلستان من النوع الأكثر تحفظاً في الإفصاح عن مشاعره تجاه صاحبة «لنؤمن ببداية موسم البرد». ومع أن الدلائل تشير إلى وقوع كلستان في غرام الشاعرة التي عهد إليها بالكثير من المهام والأدوار في إطار عمله السينمائي، فإن المقابلة المطولة التي أجرتها معه فرزانة ميلالي بعد وفاة فروغ تكشف عن الطبيعة «المعقلنة» لشخصيته وقدرته على ضبط مشاعره وتقنين الإفصاح عنها. حتى إنه في رده على سؤال يتعلق بحالة تكاملٍ ما بينه وبين فروغ، لا يتردد في القول: «لا لم أرَ شيئاً فيها يكملني»، إضافةً لحديثه عن غيرتها المفرطة، بخاصة من زوجته، وكذلك محاولتها الانتحار. وفي رده على سؤال آخر حول الأثر الذي تركته فيه حبيبته الراحلة يجيب: «لم يكن لديها شيء لتعطيني إياه سوى الحب».
والأرجح أن ما صرح به كلستان ليس سوى التفاف موارب على الحقيقة، مردُّه وفق ما أعتقد أناه الشخصية المتعالية، أو كبرياء ذكورية لم يستطع أن يطمسها التزامه اليساري الثوري، فيما كانت مشاعره العميقة إزاء فرخزاد تفصح عن نفسها عبر الكثير من المواقف والبراهين. فحب فروغ له أخذ نوعاً من الطابع الاستشرافي، حيث تخاطبه قائلة: «تعالَ لنحفر قبراً ونهيل التراب على أنفسنا وننام بصمت إلى نهاية العالم، كي لا يفصلنا شيء». كان قدر كلستان أن ينقلها بنفسه إلى المستشفى إثر حادثة السير المروعة التي أودت بحياتها في مطالع 1967. وأن يشتري قبرها من ماله الخاص ويشرف بنفسه على مواراتها التراب، قبل أن يغادر وطنه الأم، مشيحاً بوجهه عن مسرح حبه المأساوي، وجدران التخلف والعصبية والجهل التي أحاطت به من كل جانب.
أما فروغ فروخزاد فقد تضافر شعرها المتوهج مع حياتها القصيرة العاصفة المفعمة بروح التمرد في تحويلها لأيقونة حقيقية، ورمز فريد لانتهاك المحظورات والدعوة إلى التحرر. ولم يكن مصدر آلامها الرئيسي ناجماً عن عنف السلطة الذكورية فحسب، بل عن تواطؤ الضحية مع الجلاد، وتسويغها المحير لما يطالها من العنف، معبرة عن سخطها: «إن من يطأطئ رأسه راضياً بأن يُصفع، ليس لديه حق الصراخ أبداً: أريد الحرية». وإذا كان كتابها الشعري «وحده الصوت يبقى» أشبه بوصية شخصية تحث فيها نساء بلادها على مقارعة الظلم والتهميش والاستبداد الذكوري، فإن آلاف الأصوات التي خرجت مؤخراً للمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين، بدت بمثابة استجابة متأخرة لصرخة فرخزاد بالمرأة المعنّفة:

«ذاك الذي خُلق من يدك
أنت من فضَح رجحانه وأفضليته
يا امرأة تَحرّكي
فالعالم في انتظارك وإلى جانبك».



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».