فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

موهبتها العالية وتمردها المأساوي وفّرا لأسطورتها كل ما يساعدها على التحقق

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان
TT

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

ندر أن احتفى النقاد والدارسون والقراء بشاعرة من الشاعرات المعاصرات كما هو الحال مع الشاعرة الإيرانية المعروفة فروغ فرخزاد. فمنذ غيابها المأساوي في مطالع ستينات القرن الفائت لم تكفّ الأوساط الثقافية المعنية بقضايا الإبداع وشؤون الحداثة في جهات الأرض المتباعدة عن تلقف ذلك الصوت الشعري الفريد القادم من بلاد الخيام والفردوسي وحافظ الشيرازي، بقدر وافر ومتزايد من الحفاوة والإعلاء النقدي والإنساني، بالكاد تم توفُّره لرواد الحداثة الشعرية الإيرانية البارزين من أمثال أحمد شاملو ونيما يوشيج ونادر بور. بل إن اسم فرخزاد بدأ يكتسب عاماً إثر عام المزيد من التوهج الأخَّاذ الذي يساعد الأساطير على التحقق والنجوم على الخلود. وهو أمر لم يكن يحدث بالطبع لو لم تتهيأ له عناصر عدة، ليس الشعر على أهميته مكونها الوحيد، بل ثمة بينها ما يتصل بمسيرة الحياة الصعبة، وبقدر الأنوثة السيزيفي في المجتمعات البطريركية الذكورية، وبالموت الفاجع والمبكر الذي أوصل الأسطورة إلى ذروتها الأخيرة، تماماً كما حدث لسيلفيا بلاث، قرينة فروغ الأميركية التي تقاسمت معها النبوغ نفسه والمصير إياه.
عاشت فرخزاد طفولة مثخنة بالألم والحرمان العاطفي، كانت من الأسباب الأكثر عمقاً لمأساتها الحقيقية ولتبرمها بالحياة. وُلدت في طهران 1935 لأب عسكري صارم حاد الطباع وأم تقليدية خاضعة لإرادة الأب وسطوته. كانت الثالثة بين سبعة أشقاء، لم تحصل في طفولتها ولو على قدر قليل من الحنان يوفر لها توازنها النفسي والعاطفي. ولم تكن مشكلة العائلة مقتصرة على حاجة الأبناء إلى الحنان والحب، بل فاقمتها الهواجس الكابوسية للأم الخائفة على مصيرها، إثر اقتران زوجها بامرأة أخرى أكثر ثقافة وذكاء، ولجوئها المتكرر إلى الاعتداء عليها بالضرب.
«لا أعرف سبباً لسوء حالتي، أعرف أني أُصاب بالجنون. أحياناً إذا لم يتنبه أحد لي، أبقى دون طعام لثلاثة أيام. وقد لا أنام لليالٍ عدة إلا لأوقات قليلة مثخنة بالكوابيس. أرى أني شبعتُ من الحياة. الجميع ينظر لي بتحقير ويتراءى لي أن وجودي لا طائل منه، وأفكر أحياناً أنني لا أليق إلا بالموت». هذا ما كتبته فروغ في إحدى رسائلها إلى برويز شابور قبل أسابيع معدودة من ارتباطها الزوجي به. ويمكن لنا أن نتبين بوضوح السبب الذي دفع بالفتاة المراهقة لأن ترى في الزواج وسيلتها الوحيدة للفرار من وطأة القهر الأبوي التي أوصلتها غير مرة إلى حافة الانتحار. وفي رسالة أخرى إلى برويز تقر فرخزاد بأنها لشدة إهمالها من العائلة، كما لعدم اعتناء أمها بها، كانت ترتعش من الغضب والحقد، وتودّ لو خنقت الجميع بمخالبها.
ورغم كل ما عانته فرخزاد من عنت الأب وتسلطه فإن سيرتها الشخصية لا تُظهر لنا اعتراض الأب على كتابتها للشعر، ولا على نزوعها التجديدي، حين أطلعته على نصوصها الحداثية المبكرة وهي لا تزال في مرحلة دراستها الثانوية. وكذلك كان حالها مع برويز الذي اقترنت به وهي لم تكد تبلغ من العمر ستة عشر عاماً. لكن ما لم يستطع أن يحتمله الزوج رغم كونه شاعراً، هو الجرأة البالغة التي أظهرتها زوجته الشاعرة عبر قصيدتها «الخطيئة»، الناضحة بالبوح العاطفي المكشوف والرغبة الجسدية التي لم يسبق لشاعرة إيرانية أن تجرأت على كتابة ما يشابهها، في بلاد محافظة ظلت تؤمن لقرون عدة بشعار «لا تمنح زوجتك القلم، بل خذ القلم بنفسك» حسب الكاتب نظامي كنجوي. وما زاد الطين بلة هو ما تناقلته الأوساط الإيرانية الثقافية آنذاك عن مغامرة عاطفية جمعت بين الكاتب ناصر خدايار رئيس تحرير مجلة «روشفنكر»، وبين فرخزاد التي كتبت له ذات مرة «أنت من جعلتني شاعرة أيها الرجل».
ومع أن مجموعتها الشعرية الأولى «الأسيرة» قد وُجهت بردود فعل شاجبة وأخرى مؤيدة، فقد انتزعت فروغ لنفسها شهرة واسعة في الأوساط الثقافية الإيرانية، وباتت تجربته الرائدة محط اهتمام الكثير من القراء والمتابعين والمشتغلين بنقد الشعر. إلا أن الكلفة الناجمة عن ذلك كانت باهظة جداً بالنسبة للزوجة الشابة التي لم تكد تنفصل عن زوجها برويز حتى تم إبعادها عن ابنها الوحيد كاميار، بداعي نزقها وعلاقاتها الغرامية المتعددة وعدم أهليتها للأمومة. ومع ذلك فإن في الرسائل التي بعثت بها إلى زوجها بعد الطلاق ما يترك المرء حائراً إزاء قول فروغ لشابور: «أعرف أنني كائن ناقص، وأنني لا أملك ما تملكه الفتيات الأخريات، وأنني ارتكبت في طفولتي خطيئة فاسدة. ومع أن لك الحق في إبعادي إلا أنك لم تفعل، ولم تطعنّي أبداً». هذه الاعترافات بالذات هي التي دفعت البعض إلى التساؤل عن طبيعة ذلك النقصان وتلك الخطيئة، دون أن يجد أحد الإجابة الشافية عن ذلك. وإذ اعترفت فروغ لإحدى صديقاتها بالمأزق الذي تكابده، عبر قولها: «لا يمكن للمرأة أن تكون أماً جيدة وزوجة جيدة وشاعرة جيدة في الوقت ذاته، بل عليها أن تختار واحدة من هذه المهمات». لم تلبث أن جازفت بكل هدايا الحياة وأعطياتها من أجل أن تربح اثنتين: الشعر والحرية.
بعد عودتها من إيطاليا التي قصدتها الشاعرة المحبطة نشداناً للراحة وتخففاً من وطأة العلاقة الصعبة مع محيطها العائلي والاجتماعي، عملت فروغ عام 1958 في إحدى المجلات المحلية المصورة لفترة من الوقت، قبل أن تلتقي عبر أصدقاء مشتركين إبراهيم كلستان، الكاتب والمخرج السينمائي البارز الذي انتقلت للعمل معه كموظفة أرشيف، قبل أن يعصف حبها له بقلبها ولغتها وكيانها برمته. ومع أن فرزانة ميلالي تتحدث عن ذلك اللقاء قائلة: «كانت الفروق واضحة بين الرئيس والمرؤوس، فأحدهما في السادسة والثلاثين والآخر في الرابعة والعشرين. الأول متزوج ولديه طفلان، والآخر امرأة مطلقة ومحرومة من رؤية ابنها. أحدهما له تاريخ سياسي عريق كمسؤول في حزب (تودة) اليساري، وثري في الوقت ذاته، أما هي ففقيرة الحال ولم تستطع العيش بقلمها كبقية الشعراء»، إلا أن هذه الفروق المذكورة لم تصمد طويلاً أمام ذلك السهم الجارح الذي أصاب به كيوبيد قلبَي الفنان المتوقد ذكاءً والشاعرة الجميلة، وترك في مسيرة حياتهما آثاراً عميقة، من الصعب أن تُمحى.
وإذا كان الحب الغامر الذي عصف بالطرفين يعود بالدرجة الأولى إلى الكيمياء المتبادلة والانجذاب، كما هو شأن الحب في العادة، فإن أمرين آخرين أسهما دون شك في دفع العلاقة بينهما إلى مناطق أكثر رسوخاً وعمقاً، يتمثل أولهما في الشغف المفرط بالفن والإبداع، فيما الآخر متصل برفضهما المشترك للتحجر الفكري والتقاليد المحافظة، ونزوعهما العميق إلى كسر حلقة المحرمات. على أن نظرة متأنية إلى واقع الأمور لا بد أن تقودنا إلى استنتاج أن حديث كاتبة السيرة عن الفروق «الموضوعية» بين الطرفين لم يكن بالأمر العبثي، بل بدت تمثلاته واضحة على أرض الواقع المعيش. فكلستان المنخرط بقوة في النضال ضد النظام الحاكم، لم يكن مستعداً لأن يمنح حبه لفروغ حياته بكاملها، كما أن نزوعه العقلاني يؤكده عدم تخليه عن حياته الأسرية، حيث كان متزوجاً من مريم شيرازي وله منها ولدان.
أما فرخزاد فقد عصف حبها لكلستان بكيانها برمته وبكل جوانب حياتها، تاركة خلفها كل شيء باستثناء الشعر، وألقت بنفسها في الأتون المتلاطم لنيران الوله العاطفي والرغبات الحسية المشبوبة. ومن قلب هذا الأتون خرجت بعض أجمل قصائد الشعر الفارسي وأكثرها جرأة وجدة واتصالاً بالشغاف، حيث نقرأ نصوصاً من مثل:

«آه أيها الممتزج بروحي
يا من خلطني بشوق الشعر
أنا المرآة التي تمتلئ بنظرة عينيك
وإذا ما نظر الموت إليَّ تسودّ مرآتي
أنا عاشقة الغيوم الضائعة
عاشقة النهارات الماطرة
عاشقة كلّ ما يحمل اسمك
ورغم عطشي أمتصّ دم لحظاتك الحارقة»

وليست القصائد وحدها هي السبيل الوحيد للوقوف على تتيمها بكلستان، بل إن ذلك التتيم يظهر في عشرات الرسائل التي بعثت بها إليه أثناء السفر أو البعاد، حيث النصوص جميعها مستهلة بعبارات من مثل «شاهي العزيز فديتك» أو «عزيز القلب والروح». تتوزع النصوص على شؤون شتى تتعلق بالثقافة والفكر والفن وتفاصيل الحياة اليومية، وتعاود فروغ الإعلان عن عشقها الثابت لبطلها المعشوق فتخاطبه بالقول: «لو لم أجدك في هذه الدنيا لَمتّ، أو قتلت نفسي. أن أكون معك يعني أنني أغرق في بئر سحيقة وأصلُ إلى مركز الأرض». ومع ذلك فإن الحب الذي حملته الشاعرة لكلستان، لم يقنعها بفكرة الزواج منه كي لا تؤول نيران غرامهما المشتعل إلى كومة من الرماد، كما تؤكد بوران شقيقة فروغ الكبرى. وليس بعيداً عن الصحة ما رواه بعض المقربين عن إجهاضها للجنين الذي حملت به منه، خصوصاً أنها صرّحت غير مرة بأن انقطاعها للشعر لم يُتح لها القيام بدورها كأم. ورغم تبنيها للطفل حسين منصوري بسبب الشبه المفرط بينه وبين ابنها كاميار، فإنها لم تتمكن من إعطائه ما يلزمه من الرعاية والحنان الأموميين.
في الجانب الآخر من الصورة يبدو إبراهيم كلستان من النوع الأكثر تحفظاً في الإفصاح عن مشاعره تجاه صاحبة «لنؤمن ببداية موسم البرد». ومع أن الدلائل تشير إلى وقوع كلستان في غرام الشاعرة التي عهد إليها بالكثير من المهام والأدوار في إطار عمله السينمائي، فإن المقابلة المطولة التي أجرتها معه فرزانة ميلالي بعد وفاة فروغ تكشف عن الطبيعة «المعقلنة» لشخصيته وقدرته على ضبط مشاعره وتقنين الإفصاح عنها. حتى إنه في رده على سؤال يتعلق بحالة تكاملٍ ما بينه وبين فروغ، لا يتردد في القول: «لا لم أرَ شيئاً فيها يكملني»، إضافةً لحديثه عن غيرتها المفرطة، بخاصة من زوجته، وكذلك محاولتها الانتحار. وفي رده على سؤال آخر حول الأثر الذي تركته فيه حبيبته الراحلة يجيب: «لم يكن لديها شيء لتعطيني إياه سوى الحب».
والأرجح أن ما صرح به كلستان ليس سوى التفاف موارب على الحقيقة، مردُّه وفق ما أعتقد أناه الشخصية المتعالية، أو كبرياء ذكورية لم يستطع أن يطمسها التزامه اليساري الثوري، فيما كانت مشاعره العميقة إزاء فرخزاد تفصح عن نفسها عبر الكثير من المواقف والبراهين. فحب فروغ له أخذ نوعاً من الطابع الاستشرافي، حيث تخاطبه قائلة: «تعالَ لنحفر قبراً ونهيل التراب على أنفسنا وننام بصمت إلى نهاية العالم، كي لا يفصلنا شيء». كان قدر كلستان أن ينقلها بنفسه إلى المستشفى إثر حادثة السير المروعة التي أودت بحياتها في مطالع 1967. وأن يشتري قبرها من ماله الخاص ويشرف بنفسه على مواراتها التراب، قبل أن يغادر وطنه الأم، مشيحاً بوجهه عن مسرح حبه المأساوي، وجدران التخلف والعصبية والجهل التي أحاطت به من كل جانب.
أما فروغ فروخزاد فقد تضافر شعرها المتوهج مع حياتها القصيرة العاصفة المفعمة بروح التمرد في تحويلها لأيقونة حقيقية، ورمز فريد لانتهاك المحظورات والدعوة إلى التحرر. ولم يكن مصدر آلامها الرئيسي ناجماً عن عنف السلطة الذكورية فحسب، بل عن تواطؤ الضحية مع الجلاد، وتسويغها المحير لما يطالها من العنف، معبرة عن سخطها: «إن من يطأطئ رأسه راضياً بأن يُصفع، ليس لديه حق الصراخ أبداً: أريد الحرية». وإذا كان كتابها الشعري «وحده الصوت يبقى» أشبه بوصية شخصية تحث فيها نساء بلادها على مقارعة الظلم والتهميش والاستبداد الذكوري، فإن آلاف الأصوات التي خرجت مؤخراً للمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين، بدت بمثابة استجابة متأخرة لصرخة فرخزاد بالمرأة المعنّفة:

«ذاك الذي خُلق من يدك
أنت من فضَح رجحانه وأفضليته
يا امرأة تَحرّكي
فالعالم في انتظارك وإلى جانبك».



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة