فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

موهبتها العالية وتمردها المأساوي وفّرا لأسطورتها كل ما يساعدها على التحقق

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان
TT

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: الحب كحادث مرور قاتل بين الحرية والإذعان

ندر أن احتفى النقاد والدارسون والقراء بشاعرة من الشاعرات المعاصرات كما هو الحال مع الشاعرة الإيرانية المعروفة فروغ فرخزاد. فمنذ غيابها المأساوي في مطالع ستينات القرن الفائت لم تكفّ الأوساط الثقافية المعنية بقضايا الإبداع وشؤون الحداثة في جهات الأرض المتباعدة عن تلقف ذلك الصوت الشعري الفريد القادم من بلاد الخيام والفردوسي وحافظ الشيرازي، بقدر وافر ومتزايد من الحفاوة والإعلاء النقدي والإنساني، بالكاد تم توفُّره لرواد الحداثة الشعرية الإيرانية البارزين من أمثال أحمد شاملو ونيما يوشيج ونادر بور. بل إن اسم فرخزاد بدأ يكتسب عاماً إثر عام المزيد من التوهج الأخَّاذ الذي يساعد الأساطير على التحقق والنجوم على الخلود. وهو أمر لم يكن يحدث بالطبع لو لم تتهيأ له عناصر عدة، ليس الشعر على أهميته مكونها الوحيد، بل ثمة بينها ما يتصل بمسيرة الحياة الصعبة، وبقدر الأنوثة السيزيفي في المجتمعات البطريركية الذكورية، وبالموت الفاجع والمبكر الذي أوصل الأسطورة إلى ذروتها الأخيرة، تماماً كما حدث لسيلفيا بلاث، قرينة فروغ الأميركية التي تقاسمت معها النبوغ نفسه والمصير إياه.
عاشت فرخزاد طفولة مثخنة بالألم والحرمان العاطفي، كانت من الأسباب الأكثر عمقاً لمأساتها الحقيقية ولتبرمها بالحياة. وُلدت في طهران 1935 لأب عسكري صارم حاد الطباع وأم تقليدية خاضعة لإرادة الأب وسطوته. كانت الثالثة بين سبعة أشقاء، لم تحصل في طفولتها ولو على قدر قليل من الحنان يوفر لها توازنها النفسي والعاطفي. ولم تكن مشكلة العائلة مقتصرة على حاجة الأبناء إلى الحنان والحب، بل فاقمتها الهواجس الكابوسية للأم الخائفة على مصيرها، إثر اقتران زوجها بامرأة أخرى أكثر ثقافة وذكاء، ولجوئها المتكرر إلى الاعتداء عليها بالضرب.
«لا أعرف سبباً لسوء حالتي، أعرف أني أُصاب بالجنون. أحياناً إذا لم يتنبه أحد لي، أبقى دون طعام لثلاثة أيام. وقد لا أنام لليالٍ عدة إلا لأوقات قليلة مثخنة بالكوابيس. أرى أني شبعتُ من الحياة. الجميع ينظر لي بتحقير ويتراءى لي أن وجودي لا طائل منه، وأفكر أحياناً أنني لا أليق إلا بالموت». هذا ما كتبته فروغ في إحدى رسائلها إلى برويز شابور قبل أسابيع معدودة من ارتباطها الزوجي به. ويمكن لنا أن نتبين بوضوح السبب الذي دفع بالفتاة المراهقة لأن ترى في الزواج وسيلتها الوحيدة للفرار من وطأة القهر الأبوي التي أوصلتها غير مرة إلى حافة الانتحار. وفي رسالة أخرى إلى برويز تقر فرخزاد بأنها لشدة إهمالها من العائلة، كما لعدم اعتناء أمها بها، كانت ترتعش من الغضب والحقد، وتودّ لو خنقت الجميع بمخالبها.
ورغم كل ما عانته فرخزاد من عنت الأب وتسلطه فإن سيرتها الشخصية لا تُظهر لنا اعتراض الأب على كتابتها للشعر، ولا على نزوعها التجديدي، حين أطلعته على نصوصها الحداثية المبكرة وهي لا تزال في مرحلة دراستها الثانوية. وكذلك كان حالها مع برويز الذي اقترنت به وهي لم تكد تبلغ من العمر ستة عشر عاماً. لكن ما لم يستطع أن يحتمله الزوج رغم كونه شاعراً، هو الجرأة البالغة التي أظهرتها زوجته الشاعرة عبر قصيدتها «الخطيئة»، الناضحة بالبوح العاطفي المكشوف والرغبة الجسدية التي لم يسبق لشاعرة إيرانية أن تجرأت على كتابة ما يشابهها، في بلاد محافظة ظلت تؤمن لقرون عدة بشعار «لا تمنح زوجتك القلم، بل خذ القلم بنفسك» حسب الكاتب نظامي كنجوي. وما زاد الطين بلة هو ما تناقلته الأوساط الإيرانية الثقافية آنذاك عن مغامرة عاطفية جمعت بين الكاتب ناصر خدايار رئيس تحرير مجلة «روشفنكر»، وبين فرخزاد التي كتبت له ذات مرة «أنت من جعلتني شاعرة أيها الرجل».
ومع أن مجموعتها الشعرية الأولى «الأسيرة» قد وُجهت بردود فعل شاجبة وأخرى مؤيدة، فقد انتزعت فروغ لنفسها شهرة واسعة في الأوساط الثقافية الإيرانية، وباتت تجربته الرائدة محط اهتمام الكثير من القراء والمتابعين والمشتغلين بنقد الشعر. إلا أن الكلفة الناجمة عن ذلك كانت باهظة جداً بالنسبة للزوجة الشابة التي لم تكد تنفصل عن زوجها برويز حتى تم إبعادها عن ابنها الوحيد كاميار، بداعي نزقها وعلاقاتها الغرامية المتعددة وعدم أهليتها للأمومة. ومع ذلك فإن في الرسائل التي بعثت بها إلى زوجها بعد الطلاق ما يترك المرء حائراً إزاء قول فروغ لشابور: «أعرف أنني كائن ناقص، وأنني لا أملك ما تملكه الفتيات الأخريات، وأنني ارتكبت في طفولتي خطيئة فاسدة. ومع أن لك الحق في إبعادي إلا أنك لم تفعل، ولم تطعنّي أبداً». هذه الاعترافات بالذات هي التي دفعت البعض إلى التساؤل عن طبيعة ذلك النقصان وتلك الخطيئة، دون أن يجد أحد الإجابة الشافية عن ذلك. وإذ اعترفت فروغ لإحدى صديقاتها بالمأزق الذي تكابده، عبر قولها: «لا يمكن للمرأة أن تكون أماً جيدة وزوجة جيدة وشاعرة جيدة في الوقت ذاته، بل عليها أن تختار واحدة من هذه المهمات». لم تلبث أن جازفت بكل هدايا الحياة وأعطياتها من أجل أن تربح اثنتين: الشعر والحرية.
بعد عودتها من إيطاليا التي قصدتها الشاعرة المحبطة نشداناً للراحة وتخففاً من وطأة العلاقة الصعبة مع محيطها العائلي والاجتماعي، عملت فروغ عام 1958 في إحدى المجلات المحلية المصورة لفترة من الوقت، قبل أن تلتقي عبر أصدقاء مشتركين إبراهيم كلستان، الكاتب والمخرج السينمائي البارز الذي انتقلت للعمل معه كموظفة أرشيف، قبل أن يعصف حبها له بقلبها ولغتها وكيانها برمته. ومع أن فرزانة ميلالي تتحدث عن ذلك اللقاء قائلة: «كانت الفروق واضحة بين الرئيس والمرؤوس، فأحدهما في السادسة والثلاثين والآخر في الرابعة والعشرين. الأول متزوج ولديه طفلان، والآخر امرأة مطلقة ومحرومة من رؤية ابنها. أحدهما له تاريخ سياسي عريق كمسؤول في حزب (تودة) اليساري، وثري في الوقت ذاته، أما هي ففقيرة الحال ولم تستطع العيش بقلمها كبقية الشعراء»، إلا أن هذه الفروق المذكورة لم تصمد طويلاً أمام ذلك السهم الجارح الذي أصاب به كيوبيد قلبَي الفنان المتوقد ذكاءً والشاعرة الجميلة، وترك في مسيرة حياتهما آثاراً عميقة، من الصعب أن تُمحى.
وإذا كان الحب الغامر الذي عصف بالطرفين يعود بالدرجة الأولى إلى الكيمياء المتبادلة والانجذاب، كما هو شأن الحب في العادة، فإن أمرين آخرين أسهما دون شك في دفع العلاقة بينهما إلى مناطق أكثر رسوخاً وعمقاً، يتمثل أولهما في الشغف المفرط بالفن والإبداع، فيما الآخر متصل برفضهما المشترك للتحجر الفكري والتقاليد المحافظة، ونزوعهما العميق إلى كسر حلقة المحرمات. على أن نظرة متأنية إلى واقع الأمور لا بد أن تقودنا إلى استنتاج أن حديث كاتبة السيرة عن الفروق «الموضوعية» بين الطرفين لم يكن بالأمر العبثي، بل بدت تمثلاته واضحة على أرض الواقع المعيش. فكلستان المنخرط بقوة في النضال ضد النظام الحاكم، لم يكن مستعداً لأن يمنح حبه لفروغ حياته بكاملها، كما أن نزوعه العقلاني يؤكده عدم تخليه عن حياته الأسرية، حيث كان متزوجاً من مريم شيرازي وله منها ولدان.
أما فرخزاد فقد عصف حبها لكلستان بكيانها برمته وبكل جوانب حياتها، تاركة خلفها كل شيء باستثناء الشعر، وألقت بنفسها في الأتون المتلاطم لنيران الوله العاطفي والرغبات الحسية المشبوبة. ومن قلب هذا الأتون خرجت بعض أجمل قصائد الشعر الفارسي وأكثرها جرأة وجدة واتصالاً بالشغاف، حيث نقرأ نصوصاً من مثل:

«آه أيها الممتزج بروحي
يا من خلطني بشوق الشعر
أنا المرآة التي تمتلئ بنظرة عينيك
وإذا ما نظر الموت إليَّ تسودّ مرآتي
أنا عاشقة الغيوم الضائعة
عاشقة النهارات الماطرة
عاشقة كلّ ما يحمل اسمك
ورغم عطشي أمتصّ دم لحظاتك الحارقة»

وليست القصائد وحدها هي السبيل الوحيد للوقوف على تتيمها بكلستان، بل إن ذلك التتيم يظهر في عشرات الرسائل التي بعثت بها إليه أثناء السفر أو البعاد، حيث النصوص جميعها مستهلة بعبارات من مثل «شاهي العزيز فديتك» أو «عزيز القلب والروح». تتوزع النصوص على شؤون شتى تتعلق بالثقافة والفكر والفن وتفاصيل الحياة اليومية، وتعاود فروغ الإعلان عن عشقها الثابت لبطلها المعشوق فتخاطبه بالقول: «لو لم أجدك في هذه الدنيا لَمتّ، أو قتلت نفسي. أن أكون معك يعني أنني أغرق في بئر سحيقة وأصلُ إلى مركز الأرض». ومع ذلك فإن الحب الذي حملته الشاعرة لكلستان، لم يقنعها بفكرة الزواج منه كي لا تؤول نيران غرامهما المشتعل إلى كومة من الرماد، كما تؤكد بوران شقيقة فروغ الكبرى. وليس بعيداً عن الصحة ما رواه بعض المقربين عن إجهاضها للجنين الذي حملت به منه، خصوصاً أنها صرّحت غير مرة بأن انقطاعها للشعر لم يُتح لها القيام بدورها كأم. ورغم تبنيها للطفل حسين منصوري بسبب الشبه المفرط بينه وبين ابنها كاميار، فإنها لم تتمكن من إعطائه ما يلزمه من الرعاية والحنان الأموميين.
في الجانب الآخر من الصورة يبدو إبراهيم كلستان من النوع الأكثر تحفظاً في الإفصاح عن مشاعره تجاه صاحبة «لنؤمن ببداية موسم البرد». ومع أن الدلائل تشير إلى وقوع كلستان في غرام الشاعرة التي عهد إليها بالكثير من المهام والأدوار في إطار عمله السينمائي، فإن المقابلة المطولة التي أجرتها معه فرزانة ميلالي بعد وفاة فروغ تكشف عن الطبيعة «المعقلنة» لشخصيته وقدرته على ضبط مشاعره وتقنين الإفصاح عنها. حتى إنه في رده على سؤال يتعلق بحالة تكاملٍ ما بينه وبين فروغ، لا يتردد في القول: «لا لم أرَ شيئاً فيها يكملني»، إضافةً لحديثه عن غيرتها المفرطة، بخاصة من زوجته، وكذلك محاولتها الانتحار. وفي رده على سؤال آخر حول الأثر الذي تركته فيه حبيبته الراحلة يجيب: «لم يكن لديها شيء لتعطيني إياه سوى الحب».
والأرجح أن ما صرح به كلستان ليس سوى التفاف موارب على الحقيقة، مردُّه وفق ما أعتقد أناه الشخصية المتعالية، أو كبرياء ذكورية لم يستطع أن يطمسها التزامه اليساري الثوري، فيما كانت مشاعره العميقة إزاء فرخزاد تفصح عن نفسها عبر الكثير من المواقف والبراهين. فحب فروغ له أخذ نوعاً من الطابع الاستشرافي، حيث تخاطبه قائلة: «تعالَ لنحفر قبراً ونهيل التراب على أنفسنا وننام بصمت إلى نهاية العالم، كي لا يفصلنا شيء». كان قدر كلستان أن ينقلها بنفسه إلى المستشفى إثر حادثة السير المروعة التي أودت بحياتها في مطالع 1967. وأن يشتري قبرها من ماله الخاص ويشرف بنفسه على مواراتها التراب، قبل أن يغادر وطنه الأم، مشيحاً بوجهه عن مسرح حبه المأساوي، وجدران التخلف والعصبية والجهل التي أحاطت به من كل جانب.
أما فروغ فروخزاد فقد تضافر شعرها المتوهج مع حياتها القصيرة العاصفة المفعمة بروح التمرد في تحويلها لأيقونة حقيقية، ورمز فريد لانتهاك المحظورات والدعوة إلى التحرر. ولم يكن مصدر آلامها الرئيسي ناجماً عن عنف السلطة الذكورية فحسب، بل عن تواطؤ الضحية مع الجلاد، وتسويغها المحير لما يطالها من العنف، معبرة عن سخطها: «إن من يطأطئ رأسه راضياً بأن يُصفع، ليس لديه حق الصراخ أبداً: أريد الحرية». وإذا كان كتابها الشعري «وحده الصوت يبقى» أشبه بوصية شخصية تحث فيها نساء بلادها على مقارعة الظلم والتهميش والاستبداد الذكوري، فإن آلاف الأصوات التي خرجت مؤخراً للمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين، بدت بمثابة استجابة متأخرة لصرخة فرخزاد بالمرأة المعنّفة:

«ذاك الذي خُلق من يدك
أنت من فضَح رجحانه وأفضليته
يا امرأة تَحرّكي
فالعالم في انتظارك وإلى جانبك».



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.