الداخلية المصرية: «انتحاري» نفذ عملية طابا ونواجه تحديات إرهابية صعبة

مقتل خمسة متشددين في سيناء.. و«بيت المقدس» تتبنى تفجير حافلة السياح

وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين  في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
TT

الداخلية المصرية: «انتحاري» نفذ عملية طابا ونواجه تحديات إرهابية صعبة

وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين  في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)
وزير السياحة المصري هشام زعزوع يقدم ورودا إلى أحد المصابين الكوريين في حادث تفجير الحافلة السياحية بمستشفى شرم الشيخ الدولي أمس (أ.ب)

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية اللواء هاني عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «المعلومات الأولية لحادث تفجير حافلة السياح، والذي وقع في طابا أول من أمس، تشير إلى وجود شخص انتحاري فجر نفسه داخل الحافلة»، مؤكدا أن بلاده «تواجه تحديات إرهابية صعبة في الآونة الأخيرة».
وكان أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة سياح كوريين، قتلوا خلال الانفجار، الذي نتج عنه تهشم الحافلة أيضا. وفي بيان نشر على مواقع الإنترنت أمس، ولم يجر التأكد من صحته، أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن التفجير، كما «أمهلت السائحين في مصر أربعة أيام للخروج بأمان وإلا سيجري استهدافهم».
وأبدى مسؤولون مصريون ودوليون إدانات واسعة للحادث، في وقت قالت الحكومة الكورية الجنوبية أمس إنها «ستتعاون مع نظيرتها المصرية والمجتمع الدولي لمعرفة ملابسات التفجير».
وأوضح اللواء عبد اللطيف أن المعلومات المتوفرة حتى الآن ترجح قيام انتحاري بالتفجير، وأنه في الأغلب شاب عمره في أواسط العشرينات. وأنه «دخل الحافلة السياحية أثناء توجه السائق إلى مخزن الحقائب بالحافلة، حيث استغل غياب السائق عن مقعده ولحظة فتح الباب وصعد للحافلة لتنفيذ جريمته، وبينما حاول السائق منعه، فجر نفسه في الجزء الأمامي بجانب مقعد السائق، مما قلل من عدد الضحايا».
وأوضح المتحدث في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أنه «جرى العثور على أشلاء آدمية وبقايا ملابس في موقع الحادث، حيث تجري المباحث المصرية تحقيقاتها الآن للوصول إلى الملابسات النهائية للتفجير والمتهمين فيه».
وشهدت مصر في الآونة الأخيرة، ومنذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، العديد من التفجيرات والعمليات المسلحة التي استهدفت عناصر من الجيش والشرطة. واتهمت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراءها، كما أعلنتها «جماعة إرهابية».
وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن تفجير طابا، قائلة إنها سوف تستمر في استهداف المنشآت الاقتصادية والسياحية والعسكرية. وقالت الجماعة في بيان نشر على حساب باسمها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أمس: «جرى استهداف الحافلة في طابا وتفجيرها، وسنظل نستهدف قاداتهم واقتصادهم»، في إشارة إلى السلطات الحالية والمصريين المعارضين لجماعة الإخوان.
وأمهلت الجماعة السائحين في مصر أربعة أيام لمغادرة البلاد وإلا سيجري استهدافهم. وقال البيان: «إلى جميع السائحين بمصر، كما أمهلنا الشرطة 72 ساعة وبعدها جرى استهدافهم، نمهل السائحين بمصر أربعة أيام للخروج بأمان؛ وإلا لا تلوموا إلا أنفسكم».
وكانت «بيت المقدس» تبنت عددا من العمليات الإرهابية التي وقعت بمصر، ومنها تفجير خطوط الغاز المصري في سيناء، وعمليات اختطاف وقتل لجنود الجيش والشرطة هناك.
وعلق المتحدث باسم وزارة الداخلية المصرية على بيان «بيت المقدس» قائلا: «لم نتحقق منه بعد، لكننا نأخذ مثل هذه الأمور مأخذ الجد، ونعمل بجدية للقضاء على كل الجماعات الإرهابية المسلحة في سيناء وخارجها»، مضيفا أن «هذه الجماعات الإرهابية تعمل على تدمير السياحة المصرية، خاصة بعد النجاحات الأمنية الأخيرة التي كللت بعودة النشاط السياحي لمعدلاته الطبيعية بعد قيام كثير من دول العالم برفع قراراتها بحظر السفر إلى مصر».
وشدد اللواء عبد اللطيف على أن «مصر تواجه حاليا تحديات وتهديدات إرهابية صعبة في الداخل والخارج، وأنهم يتوقعون حدوث مثل هذه التفجيرات». وأضاف: «نحقق يوما بعد الأخر نجاحات كبيرة في مكافحته، والعالم كله يدرك أبعاد المعركة التي تواجهها مصر حاليا».
وكانت وزارة الصحة المصرية أعلنت أمس ارتفاع عدد المصابين جراء تفجير طابا إلى 16 مصابا بإصابات مختلفة ما زالوا تحت العلاج بمستشفى شرم الشيخ الدولي، منهم 13 كوريا وثلاثة مصريين، مشيرة إلى أن عدد الوفيات النهائي بلغ أربع حالات، منهم ثلاثة مواطنين كوريين ومصري واحد.
وزارت وزيرة الصحة الدكتورة مها الرَّبَّاط أمس المستشفى للاطمئنان على حالة المصابين وتوفير العناية الطبية اللازمة لهم، والتقت نائب السفير الكوري لدى القاهرة وهشام زعزوع وزير السياحة، واللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء، وجرى الاتفاق على كافة الإجراءات اللازمة لسفر المصابين وذويهم إلى بلادهم بعد انتهاء علاجهم وكذلك سفر الضحايا.
وفي إطار الجهود الأمنية لتعقب منفذي الهجوم، قال مصدر أمني بوزارة الداخلية إن «القوات المسلحة بالتعاون مع قوات الشرطة شنت أمس حملة أمنية واسعة في عدة مناطق بمحافظة شمال سيناء، أسفرت عن القبض على 18 من العناصر التكفيرية شديدة الخطورة».
كما أعلن العقيد أحمد علي، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، أن «قوات الجيش الثاني تمكنت أمس من مداهمة عدد من البؤر الإرهابية بمدن بئر العبد والشيخ زويد ورفح، وأسفرت الحملة عن مقتل خمسة من العناصر التكفيرية الخطرة التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، والقبض على ثلاثة آخرين، بالإضافة إلى حرق 34 عشة تستخدمها العناصر التكفيرية كقاعدة انطلاق لتنفيذ هجماتها الإرهابية ضد عناصر الجيش والشرطة».
وأضاف المتحدث في بيان له أمس أنه «جرى حرق وتدمير ثلاث دراجات نارية، وعربتين دون لوحات معدنية، تستخدمها العناصر الإرهابية في تنفيذ هجماتها». ونوه إلى قيام قوات حرس الحدود بمدينة رفح بالتنسيق مع عناصر الهيئة الهندسية من ضبط وتدمير 21 نفقا على الحدود مع غزة، ليصبح إجمالي ما جرى تدميره من الأنفاق حتى الآن 1275 نفقا.
وأعقب حادث طابا إدانات واسعة لمسؤولين مصريين ودوليين. حيث أكدت دار الإفتاء المصرية أن التعرض للسائحين بالقتل أو الأذى «منكر عظيم وذنب جسيم؛ لتعارضه مع مقتضى تأميننا لهم الذي ضمناه لهم بسماحنا لهم بدخول بلادنا بالطرق الشرعية، وكذلك الحال في التعرض لغير المسلمين في بلادهم بالعمليات الانتحارية أو التفجيرية فإنه حرام لا مرية فيه أيضا».
من جهتها، قالت الحكومة الكورية الجنوبية: «نشعر بالاستياء والصدمة البالغة جراء عملية التفجير». مؤكدة في بيان أمس: «سنشارك في مساعي المجتمع الدولي للقضاء على العمليات الإرهابية بصورة إيجابية، على أساس مبدأ أن العمليات الإرهابية هي من الجرائم ضد الإنسانية ولا مبرر لها ولا بد من استئصالها بأي حال من الأحوال». كما أكدت أنها «ستتعاون مع الحكومة المصرية والمجتمع الدولي من أجل معرفة ملابسات الحادثة ودوافعها».
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الهجوم الإرهابي. وأعرب عن خالص تعازيه لأسر الضحايا وحكومتي مصر وجمهورية كوريا، داعيا إلى تقديم الجناة إلى ساحة العدالة.
كما استنكر الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي الحادث، مؤكدا في بيان أمس أن «هذا العمل الخسيس يهدف إلى ضرب السياحة المصرية، وتقويض فرص تعافي الاقتصاد». بينما نصحت فرنسا رعاياها في مصر بـ«اتباع البيانات والإجراءات الأمنية المدرجة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.