النفط الأفريقي... هل ينهي «مأزق» بايدن ويغير سياساته تجاه أزمات القارة؟

قبيل قمة واشنطن الأسبوع المقبل

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

النفط الأفريقي... هل ينهي «مأزق» بايدن ويغير سياساته تجاه أزمات القارة؟

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

ضاعفت أزمة الطاقة العالمية، والتقارير التي تشير إلى تنامي احتياطيات النفط والغاز المؤكدة بالقارة الأفريقية، من أهمية «قمة قادة أفريقيا والولايات المتحدة» التي تنعقد في العاصمة الأميركية، واشنطن، في الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وسط توقعات لمراقبين بأن يكون النفط الأفريقي «أحد البدائل» التي تضعها الإدارة الأميركية نصب أعينها للتخفيف من وطأة «مأزق الطاقة» الذي تعيشه إدارة الرئيس جو بايدن، وأدت إلى تصاعد وتيرة الانتقادات الداخلية لاستراتيجيتها في التعاطي مع الأزمة.
وبحسب الخارجية الأميركية، فإنه من المرتقب أن يشارك معظم قادة الدول الأفريقية في القمة، بعدما أكد 45 رئيس دولة وحكومة أفريقية حضورهم، مما يجعل من القمة واحدة من أكثر المناسبات «كثافة» في الحضور رفيع المستوى.
ومع تصاعد أزمة الطاقة العالمية، توجهت الأنظار إلى مشروعات النفط والغاز في أفريقيا، بصفتها «الملاذ الآمن» لتوفير الإمدادات وأداء دور في تنويع مصادر إمدادات أوروبا بعيداً عن الوقود الروسي، الذي فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات مشددة على تداوله، وكان آخرها تحديد سقف لأسعار الشراء، وهو ما رفضته موسكو بشدة.

استثمارات عالمية

وتدرس شركات الطاقة العالمية الكبرى استثمارات بقيمة إجمالية قدرها 100 مليار دولار في مشروعات النفط والغاز في أفريقيا، وفقاً لحسابات وكالة «رويترز» المستندة إلى تقديرات الشركات العامة والخاصة.
وبلغت الواردات الأميركية من دول غرب أفريقيا، في المقام الأول عن طريق عمليات الساحل الشرقي، 11.6 مليون برميل على الأقل في الربع الثاني، كما أظهرت بيانات الجمارك وتتبع السفن الأميركية، أن تلك الواردات هي الأعلى منذ الربع الثالث لعام 2019.
وتوقع مجلس المعلومات القومي الأميركي، أن تعتمد الولايات المتحدة على نحو 20 في المائة من احتياجاتها النفطية من أفريقيا خلال العقد المقبل، ستوفر دول غرب أفريقيا 15 في المائة منها، إلا أن ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة الاعتبارات الفنية، وعدم الاستقرار الأمني، يجعل النفط الأفريقي «أعلى كُلفة» من نظيره الذي تنتجه دول الخليج العربي.
وتعول الولايات المتحدة على إمكانية الإسهام في مساعدة الدول الأفريقية على زيادة إنتاجها من النفط والغاز، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى ارتفاع الاحتياطيات المؤكدة؛ إذ تبلغ احتياطيات النفط الخام، وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أكثر من 80 مليار برميل؛ أي ما نسبته 8 في المائة من الاحتياطي العالمي الخام، وتتركز هذه الاحتياطيات في نيجيريا (نحو 70 في المائة)، وليبيا، وغينيا الاستوائية.
كما يمتلك ما يقرب من نصف الدول الأفريقية، البالغ عددها 55 دولة، احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي؛ إذ تمتلك القارة مجتمعة نحو 9 في المائة من إجمالي احتياطيات الغاز في العالم، وتنتج 17 دولة الغاز حالياً.

ملف الطاقة

ويعتقد السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن «هناك العديد من القضايا التي يمكن أن تطرحها الولايات المتحدة خلال القمة على القادة الأفارقة، وبالتأكيد سيكون ملف التعاون الاقتصادي، وعلى وجه الخصوص ملف الطاقة، حاضراً بقوة، فالولايات المتحدة شأنها شأن كل الدول الصناعية تواجه مشكلة حقيقية في توفير احتياجاتها من الطاقة، وبالتالي فإنها تبحث عن بدائل على المدى القصير والمتوسط لتأمين تلك الاحتياجات، ويمكن لأفريقيا أن تكون بديلاً مناسباً في هذا الصدد».
ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك العديد من التقارير الغربية الحديثة التي أشارت إلى أنه «يمكن لإمدادات النفط والغاز في أفريقيا مجتمعة أن تحل محل ما يصل إلى خُمس صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بحلول عام 2030، إلا أن التمويل لا يزال هو أكبر التحديات التي تواجه التنمية المتجددة والنفطية على حد سواء في القارة السمراء، وهو ما يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دوراً مهماً فيه من خلال شركات الطاقة العملاقة لديها، التي تستطيع أن تسهم في توفير البنية التحتية اللازمة لطرح الإنتاج الأفريقي من الطاقة لتستفيد منه الأسواق العالمية، وفي مقدمتها السوق الأميركية».
وتواجه الإدارة الأميركية انتقادات داخلية متصاعدة خلال الآونة الأخيرة، بسبب «فشلها في السيطرة على أسعار البنزين»، وبدأت لجنة الرقابة والإصلاح في مجلس النواب الأميركي تحقيقاً واسع النطاق في سياسات إدارة بايدن بشأن الطاقة، واتهم عضو اللجنة، «الجمهوري» جيمس كومر، في وقت سابق، بايدن بإساءة استخدام احتياطي النفط الاستراتيجي، ورفع التكاليف على العائلات الأميركية.

منافسون أقوياء لواشنطن

كما تواجه الولايات المتحدة منافسين أقوياء على الساحة الأفريقية، سواء من حلفاء واشنطن كالدول الأوروبية المتعطشة للطاقة، أو حتى من خصومها كالصين وروسيا.
ويبدو أن تعطش أوروبا المتجدد للغاز سيساعد في دفع الإنتاج الأفريقي إلى ذروة إنتاج تقارب 500 مليار متر مكعب بحلول أواخر 2030، وفقاً لشركة أبحاث واستشارات الطاقة «ريستاد إنرجي»، مقارنة بـ260 مليار متر مكعب في عام 2022.
ووقعت تنزانيا خلال العام الحالي اتفاقية إطارية للغاز الطبيعي المسال مع شركة الطاقة النرويجية «إكوينور»، وشركة النفط الأنجلو هولندية «شل» التي تسرع تطوير محطة تصدير بقيمة 30 مليار دولار. كما تستهدف شركة النفط الفرنسية «توتال إنرجي» استئناف مشروع للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق بقيمة 20 مليار دولار هذا العام.
في المقابل، أعلنت شركة «الصين الوطنية للنفط البحري» (كنوك)، أن استثماراتها في قطاع النفط النيجيري بلغت 16 مليار دولار، وباتت بكين على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية الشريك التجاري «الأول» لأفريقيا.
وأعلنت واشنطن في أغسطس (آب) الماضي «وثيقة توجيهية جديدة» تتضمن «إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوب الصحراء لمواجهة الوجود الروسي والصيني ومكافحة الإرهاب».
ويرى الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «القضية الأولى التي ستركز عليها الولايات المتحدة في القمة الأميركية - الأفريقية المرتقبة ستكون مواجهة اتساع النفوذ الصيني». ويضيف السيد لـ«الشرق الأوسط»، أن الصين تتمتع بمزايا تجعلها «تتفوق على الولايات المتحدة في أفريقيا، وتمثل مصدر إزعاج حقيقياً للإدارات الأميركية، فبكين تقدم مساعدات غير مشروطة لدول القارة، ولا تفرض متطلبات تتعلق بحقوق الإنسان أو تمكين القطاع الخاص، ولا تتدخل في غايات التنمية مثلما تفعل الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الصين خياراً مفضلاً لدى الدول الأفريقية».
ويرى السيد أن «واشنطن إذا أرادت أن تستفيد من علاقاتها مع أفريقيا، فعليها أن تغير من نهجها في المجال السياسي والاقتصادي على حد سواء، وأن تعمل على تقديم مساعدات حقيقية للدول الأفريقية تتجاوز ما تقدمه الصين، لكن الواقع يؤكد أن واشنطن في موقف صعب، وأن التمدد الصيني والروسي في أفريقيا بات أمراً واقعاً يفرض نفسه على كل الحسابات السياسية والاقتصادية».


مقالات ذات صلة

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

الاقتصاد محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أشخاص يتجولون بمنطقة تسوق في طوكيو (رويترز)

بنك اليابان: الضغوط تزداد على معدلات التضخم الأساسي نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف الين

قال بنك اليابان الاثنين إن معدل التضخم الأساسي في اليابان قد يواجه ضغوطاً تصاعدية أقوى من ذي قبل نتيجة ارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة الين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أشخاص يقفون في طابور أثناء انتظارهم لتزويد دراجاتهم النارية بالوقود في كولومبو (رويترز)

سريلانكا ترفع أسعار الكهرباء مع ازدياد تكاليف الطاقة بسبب الحرب

أعلنت سريلانكا يوم الاثنين عن رفع أسعار الكهرباء، بزيادة 7.2 في المائة لمعظم المنازل و8.7 في المائة للقطاعات الصناعية.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد خفضت أستراليا الضرائب على البنزين والديزل إلى النصف وألغت ضريبة كانت مفروضة على المركبات الثقيلة لمواجهة تداعيات حرب إيران (رويترز)

أستراليا تخفض ضرائب الوقود لتعويض ارتفاع أسعار النفط

خفضت أستراليا الضرائب على البنزين والديزل إلى النصف، وألغت ضريبة كانت مفروضة على المركبات الثقيلة؛ لمواجهة الآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار الوقود.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)

«معهد البترول الأميركي»: الحل الوحيد لارتفاع أسعار النفط إعادة فتح مضيق هرمز

قال مايك سومرز، الرئيس والمدير التنفيذي لـ«المعهد الأميركي للبترول»، إن «الحل الوحيد الحقيقي» لارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب مع إيران هو إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».