دراستان: الفول السوداني والأعشاب والتوابل تعزز صحة الأمعاء

دراستان: الفول السوداني والأعشاب والتوابل تعزز صحة الأمعاء
TT

دراستان: الفول السوداني والأعشاب والتوابل تعزز صحة الأمعاء

دراستان: الفول السوداني والأعشاب والتوابل تعزز صحة الأمعاء

أظهرت دراستان منفصلتان من جامعة ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة أن حفنة من الفول السوداني وقليلا من الأعشاب والتوابل يمكن أن تعزز أمعاءك بشكل صحي.
هناك تريليونات من الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في معدة وأمعاء الإنسان، وتضم مئات إلى آلاف الأنواع من البكتيريا والفيروسات والفطريات؛ وبشكل جماعي، تُعرف باسم «ميكروبيوم الأمعاء»، وأهميتها كبيرة جدًا لصحتنا، فيما يعتقد العلماء أنها عضو داعم.
وأن النظام الغذائي والتمارين الرياضية والأدوية ليست سوى بعض العوامل التي يمكن أن تؤثر على تكوين أمعاء الشخص، ما يعني أن مجتمع القناة الهضمية لكل فرد فريد من نوعه. فإذا لم يتم تغذية ميكروبيوم أمعائك بشكل مناسب، يمكن أن تتكاثر الميكروبات الضارة، بينما تواجه الميكروبات التكافلية المزيد من المشاكل في مهام مثل التعامل مع جهاز المناعة لدينا وتحطيم طعامنا.
ولا يزال العلماء يحاولون معرفة الميزات التي تميز مجتمعات الأمعاء الأكثر صحة، ولكن مع تقدم الأبحاث، بدأوا في الحصول على فكرة أفضل.
وفي ذلك، تشرح عالمة التغذية بيني إم كريس إثيرتون «أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين لديهم الكثير من الميكروبات المختلفة يتمتعون بصحة أفضل ونظام غذائي أفضل من أولئك الذين ليس لديهم الكثير من التنوع البكتيري. وبينما نفكر عمومًا في النظم الغذائية من حيث أساسياتها مثل الخضروات واللحوم، فإن قدرًا كبيرًا من الاختلاف في تفضيلاتنا الثقافية والشخصية ينبع من الطريقة التي نضيف بها بعض الأنواع إلى وجباتنا»، وذلك وفق ما نشر موقع «ساينس إليرت» العلمي المتخصص، نقلا عن بحث نشر بمجلة التغذية «Clinical Nutrition».
وتعد كريس إثيرتون وزملاؤها في ولاية بنسلفانيا من أوائل من درسوا تأثير الأعشاب والتوابل على تكوين الأمعاء البشرية. وقد ضمت دراستهم 54 شخصًا بالغًا معرضين لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في تجربة تغذية عشوائية مضبوطة لمدة أربعة أسابيع.
وأثناء التجربة، التزم الجميع بنفس القائمة العامة، التي تم تصميمها لتعكس النظام الغذائي الأميركي العادي. فقد طُلب من بعض المشاركين إضافة 0.5 غرام (حوالى 0.2 أونصة) من التوابل إلى وجباتهم، بينما طُلب من الآخرين إضافة 3.3 غرام أو 6.6 غرام.
واشتمل مزيج التوابل على القرفة والزنجبيل والكمون والكركم وإكليل الجبل والأوريغانو والريحان والزعتر.
وفي غضون ذلك، طُلب من مجموعة ضابطة عدم وضع أي من هذه التوابل على طعامهم.
وقد أظهرت عينات البراز المأخوذة قبل التجربة وبعدها أن الأنظمة الغذائية التي تحتوي على المزيد من التوابل تميل إلى إظهار تنوع بكتيري أكبر، وفق كريس؛ التي تبيّن «إنه شيء بسيط يمكن أن يفعله الناس... فالنظام الغذائي الأميركي العادي بعيد كل البعد عن المثالية، لذا أعتقد أنه يمكن للجميع الاستفادة من إضافة الأعشاب والتوابل. إنها أيضًا طريقة لتقليل الصوديوم في نظامك الغذائي، ولكن مع إضافة نكهة للأطعمة بطريقة تجعلها مستساغة ولذيذة!».
وفي هذا الاطار، فان النتائج الجديدة تدعم الأبحاث الحديثة التي تشير إلى أن الأعشاب والتوابل هي مادة حيوية طبيعية تغذي البكتيريا الصحية في أمعاء الإنسان. ففي عام 2019، وجدت دراسة تجريبية عشوائية أن كبسولة 5 غرامات من مزيج التوابل تحتوي على القرفة والأوريغانو والزنجبيل والفلفل الأسود والفلفل الحار خلال اسبوع أحدثت تغييرات في ميكروبيوم الأمعاء.
ومع ذلك، في الدراسة الأحدث، كان مزيج التوابل مختلفًا قليلاً؛ حيث تم دمجه مباشرةً في وجبات المشاركين اليومية؛ فأولئك الذين تناولوا وجبات بكميات متوسطة وعالية من التوابل، تعادل حوالى 3/4 ملعقة صغيرة يوميًا وحوالى 1 - 1/2 ملعقة صغيرة يوميًا، أظهروا وفرة أكبر من بكتيريا الأمعاء المسماة Ruminococcaceae. إذ توجد هذه الفصيلة من الميكروبات بشكل عام بأعداد أكبر لدى البالغين الأصحاء، على الرغم من أن دورها الدقيق في القناة الهضمية غير مؤكد.
كما أظهر المشاركون الذين تناولوا التوابل في الدراسة أيضًا أعدادًا أقل من الجزيئات المسببة للالتهابات في الأمعاء، ما يشير إلى وجود تأثير محتمل مضاد للالتهابات.
وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لمعرفة بالضبط أي التوابل تؤثر على ميكروبات الأمعاء ولماذا؟ ولكن هذا ليس المكمل الغذائي الوحيد الذي يبدو أنه يعزز بعض بكتيريا الأمعاء. فقد قامت تجربة ذات شواهد حديثة من ولاية بنسلفانيا أيضًا بالتحقيق أخيرًا بتأثير الفول السوداني على الكائنات الحية الدقيقة لأول مرة.
واستغرقت الدراسة ستة أسابيع وشملت 50 شخصًا بالغًا يتبعون نفس النظام الغذائي اليومي.
وفي نهاية كل يوم، بعد العشاء وقبل النوم، تناول المشاركون إما 28 غرامًا من الفول السوداني المحمص الجاف وغير المملح، أو تناولوا عينة صغيرة من الجبن والبسكويت.
وفي المجموعة التي تناولت وجبات خفيفة من المكسرات، كما هو الحال مع التوابل في الدراسة السابقة، كانت بكتيريا Ruminococcaceae أكثر وفرة بشكل ملحوظ في أمعاء المشاركين بنهاية الدراسة.
لا يزال هناك الكثير حول ميكروبيوم الأمعاء الذي لا يفهمه العلماء، ولكن في الوقت الحالي، من المحتمل ألا تضر إضافة القليل من التوابل إلى نظامك الغذائي؛ وقد تساعد أيضًا (إذا لم يكن هناك شيء آخر) إضافة بعض النكهة.


مقالات ذات صلة

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

يوميات الشرق البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك المشروبات الغازية والمُحلّاة تُعد من أبرز العوامل التي قد تؤثر في خصوبة الرجال (بيكسلز)

أطعمة تضرّ خصوبة الرجال… تعرّف عليها

تُعدّ مشكلة العقم من التحدّيات الصحية الشائعة على مستوى العالم، إذ يُعاني منها نحو 15 في المائة من الأزواج.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مسكنات الألم تُعد من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم (أرشيفية-أ.ف.ب)

اكتشف تأثير مُسكنات الألم على الكلى

تُعد مسكنات الألم من الأدوية الأكثر استخداماً في العالم، ومع ذلك فإن استخدامها قد يحمل في طياته مخاطر صحية غير مرئية، خصوصاً على الكلى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعدّ مرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات الأيض من أكثر الأمراض انتشاراً (رويترز)

1.8 مليار شخص مهددون بالإصابة بأمراض الكبد الأيضية بحلول 2050

أشارت دراسة حديثة إلى أن أمراض الكبد الأيضية ستؤثر على 1.8 مليار شخص حول العالم بحلول عام 2050؛ نتيجة لارتفاع معدلات السمنة والسكري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك بعض العادات الصباحية قد تؤثر على مدى امتصاص الأدوية (أ.ب)

4 عادات صباحية قد تقلل من فاعلية أدويتك

بعض العادات الصباحية قد تؤثر على مدى امتصاص الأدوية أو حتى على فاعليتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
TT

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور. ورغم أن منتجات الألبان تُعرف بأنها المصدر الأساسي للكالسيوم، فإن هناك مجموعة من الأطعمة الأخرى غير المتوقعة التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقوية العظام والحفاظ على كثافتها والحد من خطر الكسور، وذلك حسب موقع كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية.

وتوضح الدكتورة ماليكا مارشال، اختصاصية التغذية الأميركية، أن تنويع النظام الغذائي لا يهدف فقط إلى المتعة، بل يمكن أن يشمل أطعمة ذات فوائد صحية واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بصحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة البرقوق المجفف، الذي يُستخدم عادة لتحسين الهضم، إلا أن الأبحاث تشير إلى دوره المحتمل في دعم العظام أيضاً.

فقد أظهرت نتائج أبحاث أن تناول 5 إلى 6 حبات من البرقوق يومياً لدى النساء بعد انقطاع الطمث يساعد في الحفاظ على كثافة المعادن في عظام الورك، مما قد يساهم في تقليل خطر الكسور. كما يُعتقد أن البرقوق يساعد في خفض المواد الالتهابية المرتبطة بتآكل العظام، وهو أمر مهم بشكل خاص بعد انقطاع الطمث، حيث تفقد النساء كثافة العظام بشكل أسرع نتيجة انخفاض هرمون الإستروجين الذي يلعب دوراً في حمايتها، مما يزيد من خطر الإصابة بمرض يجعل العظام ضعيفة وهشة.

وبالإضافة إلى فوائده المحتملة في الوقاية من هشاشة العظام، يحتوي البرقوق على مجموعة من العناصر الغذائية المفيدة للصحة العامة، إلى جانب وجود أطعمة أخرى غير متوقعة تقدم فوائد مماثلة للعظام. وتعتمد أغلب الأطعمة المفيدة للعظام على عنصر الكالسيوم، وهو المكوّن الأساسي للعظام، ويعمل بشكل أفضل عند اقترانه بفيتامين «د» الذي يساعد الجسم على امتصاصه.

ومن المصادر المعروفة للكالسيوم، منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، كما تُدعّم بعض حبوب الإفطار والعصائر بالكالسيوم. وتشير مارشال إلى أنه من الطبيعي أن تمر العظام بعملية مستمرة من البناء والهدم تُعرف بإعادة التشكيل، حيث تطلق العظام الكالسيوم إلى الدم للقيام بوظائف حيوية مثل تخثر الدم وانقباض العضلات، بينما يتم تعويض هذا الفاقد من خلال الغذاء.

وتبلغ كثافة العظام ذروتها لدى النساء في سن الثلاثين تقريباً، ثم تستقر لفترة قبل أن تبدأ بالانخفاض بعد انقطاع الطمث، حين يصبح فقدان العظام أسرع من قدرة الجسم على تعويضه. وتشمل المصادر المعروفة للكالسيوم منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، إلى جانب بعض حبوب الإفطار والعصائر المدعمة بالكالسيوم.

لكن إلى جانب هذه المصادر التقليدية، توجد أطعمة أخرى قد لا يعرفها الكثيرون رغم غناها بالكالسيوم ودورها في دعم صحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة التين المجفف؛ إذ تحتوي حبتان منه على نحو 65 ملغ من الكالسيوم، ويمكن تناوله بإضافته إلى الشوفان أو العصائر أو حتى مع الجبن كوجبة خفيفة.

كما يُعد السلمون المعلب خياراً غذائياً مهماً؛ إذ تحتوي الحصة الواحدة (نحو 3 أونصات) على نحو 180 ملغ من الكالسيوم، ويعود ذلك إلى احتوائه على عظام صغيرة صالحة للأكل تزيد من قيمته الغذائية. وفي السياق نفسه، يُعتبر الحليب النباتي مثل حليب اللوز أو الصويا أو الأرز من البدائل الشائعة، وغالباً ما يكون مدعّماً بالكالسيوم ليصل إلى مستويات قريبة من الحليب الحيواني، مما يجعله مناسباً لمن لا يستهلكون منتجات الألبان.

أما التوفو، فهو من المصادر الغنية بالكالسيوم، ويوفر ما يصل إلى 430 ملغ في الحصة الواحدة، خصوصاً الأنواع المدعّمة، كما يُعتبر اللوز وزبدة اللوز من الخيارات المفيدة لصحة العظام؛ إذ يمدان الجسم بالكالسيوم إلى جانب فوائد إضافية لصحة القلب.

وتُعد الفاصوليا البيضاء المعلبة أيضاً مصدراً جيداً للكالسيوم، حيث تحتوي على نحو 190 ملغ لكل كوب، إضافة إلى كونها غنية بالبروتين، مما يجعلها خياراً غذائياً متكاملاً يدعم صحة العظام والجسم معاً.


«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
TT

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

تفتح مبادرة «احكيلي» أبواب «بيت بيروت»، فتمنح هذا المبنى المُثقل بالذاكرة وظيفةً تبدو اليوم ألصَقَ بالحياة اليومية للناس، وأوسَعَ حاجةً إليها في مدينة تضيق فيها المساحات العامة المشتركة. هكذا يعود المكان عند «تقاطع السوديكو» إلى الناس، وهو المتحف أو المَعْلم الشاهد على الحرب الأهلية اللبنانية، ليُشكّل مساحة يمكن أن يلتقي فيها المقيمون والنازحون، والأطفال والأمهات، ويجدوا شيئاً من الانفتاح والطمأنينة وسط القلق.

مكان يترك للناس أن يجلسوا... ويكونوا (بيت بيروت)

تقول منسِّقة مبادرة «احكيلي»، نور نصر، لـ«الشرق الأوسط» إنّ التمسّك بالأماكن التي تجمع الناس بات ضرورة، «خصوصاً حين تصبح المدينة أقلّ قدرةً على توفير فضاءات عامة تحتضن أهلها». ومن هنا يكتسب فتح «بيت بيروت» للترفيه عن النازحين معناه الأبعد من قرار تنظيمي أو ثقافي. تصفه نصر بأنه «طريقة لنكون حاضرين من أجل المجتمع، خصوصاً من أجل الذين يعيشون في الأحياء المحيطة ومراكز الإيواء القريبة، عبر توفير مساحة يمكن للناس أن يُمضوا فيها وقتاً ويشعروا بالانفتاح والتواصل».

يحمل المبنى عبئاً رمزياً لا يمكن فصله عن تاريخه... يقف على تماسّ مع ذاكرة الانقسام؛ إذ كان يوماً على «خطّ التماس»، وصار لسنوات طويلة تجسيداً مكانياً للفصل بين الناس. استعادته إلى المجال العام، بعد عقود من النضال والعمل على استرداده، منحته معنى آخر. توضح نصر أنّ فتح أبوابه في هذا التوقيت «لفتة مقصودة، فنستعيد هذا الحيّز للعموم ونحافظ عليه مكاناً يستطيع الناس أن يجتمعوا فيه، حتى عندما يبدو كلّ ما حولهم غير مؤكّد».

برنامج يومي يفتح مساحات صغيرة للحياة (بيت بيروت)

العودة لم تأتِ على هيئة برنامج موضوع سلفاً، ولم تُبنَ انطلاقاً من تصوّر جامد لِما يحتاج إليه الأطفال والشباب في الحرب والنزوح. أُقفلت الأبواب أمام الجمهور خلال الأسبوعين الأولين من اشتعال الحرب؛ إنما الإقفال لم يكن انسحاباً من الدور... كان فسحة للإصغاء والتشاور. جمعت «احكيلي» شركاء وممارسين، وأصغت إلى خبرات العاملين مع الأطفال والمجتمعات في أزمنة النزاع، مُحاولةً فهم ما الذي يمكن تقديمه «بمسؤولية ومعنى»، كما تقول نصر.

من هذا الإصغاء خرجت ملامح الفضاء الجديد. تحوَّلت الطبقة الأرضية ما يُشبه غرفة معيشة مفتوحة. ثمة زوايا للقراءة، وألعاب، ومحطات إبداعية تتيح للأطفال والعائلات تمرير الوقت على سجيتهم وبالوتيرة التي تناسبهم. وإلى جانب هذا الحضور الحُرّ، بدأت تتشكَّل أنشطة يومية تضمّ ورشاتٍ إبداعية، وجلساتِ سرد حكائي، وعروضَ أفلام، إلى جانب ورشات للشباب تُعنى بالتفكير النقدي والحركة. لا تريد «احكيلي» من هذه الأنشطة أن تضيف عبئاً على مَن يعيشون القلق، ولا أن تُحاكيَهم ببرنامج فوقي يفرض عليهم ما ينبغي أن يشعروا به؛ إنما مساحات تسمح بالخيال والتعبير والتواصل من دون إغراق أو ضغط.

حلقة حكاية... ومساحة أمان (بيت بيروت)

وتشرح نصر أنّ هذا البرنامج «يستمرّ في التطوّر» ويتشكّل «يوماً بيوم، استناداً إلى الحاجات والاستجابات والاقتراحات التي يقدّمها الأطفال والأمهات اللاتي ينضممن إلينا». يصبح العمل مشتركاً لجهتَي التنفيذ والمعنى حين يُبنى جماعياً مع الشركاء ويسترشد بخبراتهم، كما بأصوات الذين يشاركون فيه.

تبدو علاقة «بيت بيروت» بالذاكرة جزءاً أساسياً من هذا المسار. تراها نصر عمليةً مستمرّة في التشكُّل عبر التجربة؛ مما يمنح الحاضر وزناً استثنائياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب. فحين تُختَبر تجربة النزوح من «زاوية الخسارة أو الرفض أو الإقصاء» وحدها، فإنها قد تترك أثرها العميق في طريقة ارتباطهم بالمدينة وبالآخرين لاحقاً. أما حين تتخلّل هذه المرحلة أيضاً «لحظاتُ ترحيب وأَحْيِزَةٌ مشتركة وتجاربُ عناية وتضامن»، فإنّ الذاكرة يمكن أن تُصاغ على نحو مختلف وتحمل شيئاً أوثق إنسانيةً واتصالاً.

بذلك لا يبدو خلق مساحة آمنة داخل «بيت بيروت» منفصلاً عن حفظ الذاكرة. المكان الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء». وتقول نصر إنّ الفريق يتعمَّد خَلْق فرص للتفاعل بين المجتمعات النازحة وسكّان بيروت، حتى «يصبح هذا الفضاء فضاءَ تواصل؛ لا انفصال».

اللحظة وهي ترفض أن تُشبه ما حولها (بيت بيروت)

يمتدّ التوجُّه إلى العلاقة مع المحيط المباشر للمبنى. المبادرة، وفق نصر، «متجذِّرة جداً في إعادة وصل (بيت بيروت) بمحيطه المباشر». بدأت الخطوات بالتواصل مع الشركاء والممارسين، ثم بزيارة مراكز الإيواء القريبة، ولقاء المُنسّقين فيها، وفتح نقاش بشأن الحاجات والتوقّعات والإمكانات. بعد ذلك، استُقبل الجمهور مجدّداً في «بيت بيروت»، مع تكييف ما يُقدَّم تبعاً لحاجات مَن يعيشون تجربة النزوح ورغباتهم. ومع أنّ تقييم الأثر لا يزال مبكراً، فإنّ نصر تؤكّد أنّ المبادرة تنطلق من نيّة أساسية لدى «احكيلي»؛ هي «خَلْق لحظات من التواصل والتجربة المشتركة».

هكذا؛ يغدو «بيت بيروت» أكثر من فضاء ثقافي... يصير مكاناً يمكن للناس أن يجتمعوا فيه ويتأمّلوا ويتواصلوا وسط عدم اليقين. تصير الورشاتُ والحكايات والأفلام والزوايا المفتوحة وسائلَ لإعادة ترميم الإحساس بالرعاية وبإمكانية أن يُرحَّب بمَن يشعر أن العالم أُغلِق في وجهه. ولا يكتفي المبنى بحمل ذاكرة المدينة، فيشارك أيضاً في كتابة الذاكرة التي تتشكّل الآن. ذاكرة أليمة، لكنها تحمل معها أثراً من التضامن واللقاء والعناية المشتركة.


«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
TT

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

بألوان تشعّ بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث «إلى أين؟» المقام في غاليري «ضي» حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي.

ويضم المعرض نحو 55 لوحة تتنوع بين رصد مشاهد من الحياة اليومية في النوبة وبين الرحلات في النيل عبر مركب يحمل طابعاً مصرياً قديماً، لتقدم لنا مزيجاً زمنياً مدهشاً عبر أعمالها الفنية التي تنتقل عبر الزمان مع تثبيت عامل المكان، لتقدم لنا نموذجاً للامتداد الحضاري الذي تمثله بلاد النوبة بعاداتها وتقاليديها وأجوائها الساحرة للحياة في مصر القديمة.

وتقول رندا إسماعيل إنها اختارت اسم المعرض «إلى أين؟» ليس على سبيل التساؤل ولكن لمحاولة رصد حالة نولد فيها ونمضي بها في رحلة لا تتوقف، وسعي لا يهدأ، دون طريق واضح أو وصول مؤكد، لكننا نمضي والأمل في قلوبنا نور لا ينطفئ.

اللوحات تحتفي بالنيل والحياة في النوبة (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض تضيف الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «سعيت للتعبير عن حالة التساؤل (إلى أين؟) من خلال المركب المصري القديم، وهي ثيمة موجودة في كل لوحة، رمزاً للنجاة، أو رمزاً للأمل الذي ينير لنا الطريق للوجهة التي نريدها، في بعض اللوحات يمكننا أن نجد المركب يسير في النيل، وفي بعضها الآخر قد نجد المركب طائراً في السماء أو وسط البيوت. دائماً هو في حالة حركة متغيرة؛ يأخذ الناس إلى مكان آخر لا نعرفه، لكنْ هناك أمل دائماً في أن يكون المكان الذي يتجه إلى المركب أفضل»، وفق تعبير الفنانة.

حياة كاملة يحملها المركب (الشرق الأوسط)

في بعض اللوحات تحمل اللوحات أشخاصاً يرتدون الأزياء النوبية التقليدية، وفي بعضها الآخر تحمل الزرع والنخيل، أو تحمل منازل وبيوتاً وتمشي بها. أحياناً يصبح المركب وسيلة للصيد، وأحياناً أخرى وسيلة للتنقل والترحال أو الاحتفالات المبهجة، أو ربما يتحول إلى وعاء لتقديم القرابين على طريقة المصريين القدماء.

المركب الفرعوني يبدو طائراً في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

توضح رندا إسماعيل أن هذا المعرض استغرق منها عاماً كاملاً تقريباً ترسم فيه من خلال الثيمة الرئيسية التي وجدتها معبّرة عن فكرتها، وهي رمزية المركب، والسؤال الذي يمثله هذا المركب، وتابعت: «اعتمدت على الألوان الهادئة المستوحاة من ألوان الطبيعة المصرية، سواء لون النيل أو الملابس أو السماء، أو الناس الطيبين الذين أرسمهم دائماً في لوحاتي».

وأشارت إلى اللوحة الرئيسية الكبرى في المعرض «الماستر بيس»، مؤكدةً أنها تحمل فلسفة أخرى حول من يحبسون أنفسهم في إطار محدود أو داخل «فقاعة الحياة اليومية» وتم رسمهم بألوان فاتحة جداً تكاد لا تبين، وفوقهم إذا خرجوا برؤوسهم من هذه الفقاعة سيجدون عالماً آخر متلألئاً، وهو مكان أفضل بكثير مما يعيشون فيه لكنهم يجب أن يتخذوا قراراً.

ومن ضمن الأعمال التي يضمها المعرض لوحة «دائرة الحياة – circle of life» التي تضم صيادين في مراكبهم يصطادون السمك وفي الأسفل توجد حركة بيع وشراء للسمك، كأنهم في دائرة سعي متواصلة.

لوحة دائرة الحياة تعبَّر عن فلسفة خاصة (الشرق الأوسط)

يعدّ هذا المعرض الفردي العاشر للفنانة رندا إسماعيل التي تفرغت للفن منذ عام 2004، وهي حاصلة على بكالوريوس العمارة من جامعة عين شمس، وتستلهم في أعمالها دائماً عمق الهوية المصرية وتفاصيلها الممتدة عبر الزمن بالإضافة إلى دفء اللحظة الإنسانية المتجسدة في الملامح البشرية، كما تعكس أعمالها نبض الحياة اليومية بما تتضمنه من مشاعر وتحديات.