حماس وإسرائيل تؤكدان وجود مباحثات حول رفات جنود أسرى

الجيش الإسرائيلي يوصي بفتح المعابر مع غزة وتحسين الاقتصاد

علي وهدان الذي فقد ساقيه وزوجته و11 من عائلته يمر على كرسي كهربائي بين ما خلفته الحرب الإسرائيلية العام الماضي من دمار في قرية بيت حانون (رويترز)
علي وهدان الذي فقد ساقيه وزوجته و11 من عائلته يمر على كرسي كهربائي بين ما خلفته الحرب الإسرائيلية العام الماضي من دمار في قرية بيت حانون (رويترز)
TT

حماس وإسرائيل تؤكدان وجود مباحثات حول رفات جنود أسرى

علي وهدان الذي فقد ساقيه وزوجته و11 من عائلته يمر على كرسي كهربائي بين ما خلفته الحرب الإسرائيلية العام الماضي من دمار في قرية بيت حانون (رويترز)
علي وهدان الذي فقد ساقيه وزوجته و11 من عائلته يمر على كرسي كهربائي بين ما خلفته الحرب الإسرائيلية العام الماضي من دمار في قرية بيت حانون (رويترز)

أوصى كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي، وزير الدفاع موشيه يعالون، بإعادة النظر في سياسة الحصار المفروض على قطاع غزة، بما يشمل إعادة فتح المعابر المغلقة وتحسين حركة الأفراد والبضائع.
وقالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إن كبار الضباط قدموا توصيات ليعالون بتغيير السياسة الأمنية في غزة، بما يشمل فتح مزيد من المعابر، والسماح بعبور آلاف الفلسطينيين من غزة إلى الخارج، عبر معبر بيت حانون (إيرز)، ومن هناك إلى الأردن عن طريق جسر الملك حسين (جسر اللنبي)، وزيادة كميات السلع الداخلة إلى القطاع، من خلال توسيع عمل معبر كارم أبو سالم، ومن خلال معبر المنطار (كارني)، الذي افتتح في 1994 وأغلق في 2011 وما يزال مغلقا، إضافة إلى منح الفلسطينيين المُقيمين في غزة، تراخيص عمل تمكنهم من الدخول للعمل في المناطق المُحيطة بغزة.
ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون في الجيش، أن مثل هذه السياسة من شأنها تحقيق الهدوء المطلوب في منطقة غزة، بما يحول دون وقوع معركة جديدة، أو على الأقل، يؤجلها فترة طويلة.
وقال مسؤول إسرائيلي، مؤكدا هذه التوصيات: «هناك علاقة قوية بين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في غزة وبين الواقع الأمني».
وينطلق قادة الجيش في اقتراحاتهم، من أن حماس تُركت بعد عام على انتهاء الحرب من دون إنجازات حقيقية، وهي معزولة سياسيا وعلاقاتها مع مصر متوترة.
وقالت «هآرتس»: «إنه لهذا السبب تحديدًا، يعتقد مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، أن بإمكان إسرائيل تحقيق تهدئة طويلة الأمد، من خلال تخفيف القيود الاقتصادية وبعض القيود على مرور الأفراد والبضائع من وإلى قطاع غزة». كما أن مثل هذه الخطوات «يمكن لها أن تساهم في الحد من الانتقادات الدولية لإسرائيل، بسبب الإغلاق المفروض على قطاع غزة، والمضي قدمًا لإصلاح الأضرار الناجمة عن قصف الجيش الإسرائيلي في العام الماضي».
ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي قوله: «ما دامت المشاكل الاقتصادية الأساسية موجودة في غزة، فإن احتمال تجدد الصراع العسكري يبقى قائمًا». وبحسب «هآرتس» فإن «أي تغيير في السياسة الحالية ضد غزة، سيعتمد على اتفاق ما بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقادة الأمن».
وجاءت توجهات قادة الجيش في الذكرى الأولى للحرب على غزة، وبما يدعم تقارير عن موافقة الجيش على هدنة طويلة مع حماس.
وكانت مصادر إسرائيلية أكدت الأسبوع الحالي، أن قيادة الجيش الإسرائيلي ومسؤولي الأجهزة الأمنية، يعتقدون أنه لا مانع من التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس على عقد هدنة طويلة قد تستمر لغاية 10 سنوات، وتحصل فيها الحركة على ميناء عائم.
وأضافت المصادر أن قادة الأمن في إسرائيل يرون أن الفرصة أصبحت مواتية الآن، لمثل هذا الاتفاق.
وثمة مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس لعقد اتفاق هدنة طويل الأمد في غزة، مقابل تخفيف الحصار، وتسريع عملية الإعمار، وإقامة ميناء بحري عائم مراقب من جهات دولية، وهو المقترح الذي ناقشه مبعوثون دوليون وعرب مع الطرفين.
ويتضح من تصريحات مسؤولين في حماس، أن المباحثات لا تدور حول تهدئة وحسب، وإنما تناقش كذلك، مصير رفات جنود إسرائيليين محتجزين لدى حماس.
ونقل عن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، أثناء لقائه صحافيين وإعلاميين في الدوحة مساء الثلاثاء، قوله إن إسرائيل طلبت من الحركة، عبر وسيط أوروبي، الإفراج عن جنديين وجثتين لديها منذ الحرب الأخيرة التي شنتها على قطاع غزة صيف العام الماضي، مضيفا: «إن حماس امتنعت عن تقديم أي رد على هذا الموضوع، وأبلغت الوسيط أنها لن تبدأ أي شكل من التفاوض بشأن ما لديها من أسرى إسرائيليين، وبشأن عددهم وأحوالهم، موتى كانوا أم أحياء، أو تقديم أي معلومة في هذا الخصوص، قبل أن تفرج إسرائيل عن أسرى (صفقة شاليط) الذين أعادت اعتقالهم».
ولم تفصح حماس منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة العام الماضي، عن الأعداد الحقيقة للجنود الإسرائيليين في حوزتها، وما إذا كان بينهم أحياء أو أن جميعهم جثث، لكنها أرسلت رسائل مبطنة أكثر من مرة، بأنها ستفاجئ الإسرائيليين.
وكانت وسائل إعلام مقربة من حركة حماس، أكدت وجود اتصالات غير مباشرة بين الحركة وإسرائيل، بخصوص إعادة رفات الجنديين اللذين قتلا أثناء المعارك خلال الحرب الأخيرة على غزة، وذلك مقابل الإفراج عن دفعة من الأسرى الفلسطينيين.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن إسرائيل ترفض الإفراج عن أسرى فلسطينيين، فيما تبدي استعدادها للإفراج عن جثث تحتجزها لفلسطينيين نفذوا عمليات مسلحة في الماضي وأثناء الحرب على غزة.
وأول من أمس، قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون، إن إسرائيل تحاول استعادة أشلاء اثنين من جنودها قتلا في قطاع غزة في الحرب الإسرائيلية الصيف الماضي. وأضاف يعالون لإذاعة الجيش الإسرائيلي: «أجزاء من رفات الملازم هدار غولدين والرقيب وأورون شاؤول، ما تزال بحوزة حماس في غزة، ونواصل جهودنا لدفنهما في إسرائيل»، من دون أن يدلي بمزيد من التفاصيل. وتابع يعالون «لا يوجد أدنى شك أن الجنديين الاثنين قتلا في المعركة».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.