فيلم «فرح»... الخلاص لا يأتي إلا بقرار شخصي

تجسد ستيفاني عطا الله دور فتاة تعاني من مشكلات نفسية
تجسد ستيفاني عطا الله دور فتاة تعاني من مشكلات نفسية
TT

فيلم «فرح»... الخلاص لا يأتي إلا بقرار شخصي

تجسد ستيفاني عطا الله دور فتاة تعاني من مشكلات نفسية
تجسد ستيفاني عطا الله دور فتاة تعاني من مشكلات نفسية

صحيح أن اسم الفيلم «فرح»، ولكنه بعيد كل البعد عن المعاني الحقيقية لهذه الكلمة. فالفرح المجبول بالوجع والمكسور في العمق والمفقود ولو للحظات في الحياة، هو ما نتابعه في هذا الشريط السينمائي. ولكن المشاهد كما أبطاله يبقى حتى الدقائق العشر الأخيرة منه متشوقاً لمتابعته باحثاً عن الفرح. فيتلقى جرعة دسمة منه بعد جهد جهيد قبيل إسدال الستارة على أحداثه بدقائق. فموضوع الفيلم وأحداثه المتسارعة هي متعبة صحيح لأنها تدور في فلك حالة نفسية متأزمة. ولكن يتفرع منها في الوقت نفسه رسائل وعبر عديدة، تصلح لأن تؤلف كل واحدة منها فيلماً بحد ذاته.
تنطلق أحداث الشريط عندما تبدأ معاناة طالبة الطب لينا (ستيفاني عطا الله) مع كوابيس متكررة حادة. فتبدأ حياتها بالتداعي، ومن ثم تضطر للعودة إلى وطنها بطلب من والدها مجدي مشموشي. فتحصل على وصفة طبية لتناول مضاد الاكتئاب المثير للجدل «زابا»، المعروف في صورته غير الشرعية باسم «جوي»، لمساعدتها على التعافي. وبينما تأخذ كوابيس لينا منعطفاً سيئاً، يتضح الرابط بوالدتها «فرح»، فتقرر التخلي عن تناول الأدوية المهدئة. وتنطلق في رحلة لكشف شبكة من الأسرار العائلية التي ستقودها إلى الحقيقة المطلقة وتبلسم أوجاعها النفسية.
كتبت الفيلم حسيبة فريحة وأهدته إلى والدها كما جاء في نهاية الشريط. كما أنها شاركت في إخراجه إلى جانب كنتن أوكسلي. والفيلم من بطولة ستيفاني عطا الله، ومجدي مشموشي، وحسيبة فريحة، وجوزيان بولس، وأسعد رشدان، ووليد العلايلي وغيرهم.
منذ اللحظات الأولى للشريط يشتَمُّ المشاهد رائحة الغموض والاضطراب عند بطلة العمل لينا. ولا يلبث بعدها أن يبدأ في التعاطف مع حالتها النفسية بسبب ضياعها، فالوحدة التي تعيشها مع كوابيسها واضطراب تصرفاتها وصولاً إلى كيفية تعاطي والدها المنشغل دائماً عنها، تدفع إلى التفاعل لا شعورياً معها.
يتشابك الخيال والواقع بشكل كبير في الفيلم إلى حد قد يدفع بالمشاهد إلى طرح أسئلة كثيرة فيما لو لم يتابع الفيلم بدقة. فانطلاقاً من الكوابيس التي تصيب لينا تختلط الأمور ببعضها. فنرى شخصيات تظهر فجأة هنا وأخرى تغيب من دون سياق مبرر في النص، ما يشير إلى مدى أهمية اهتمام الإنسان بصحته النفسية. ويستخلص مشاهده عبرة رئيسية منه، تقولها البطلة على أبواب نهاية الفيلم: «لا أحد يخلصنا سوى أنفسنا».
ويتطرق الفيلم إلى موضوعات مثيرة ومهمة من بينها الفساد والعقل التجاري السائدان عند أصحاب شركات الأدوية، وكذلك العلاقة غير السليمة بين الأهل وأولادهم التي قد تؤدي إلى نهايات خطيرة. فيما يعرج من ناحية أخرى على العلاجات النفسية المرتكزة على التجارة بالأدوية ذات الانعكاس السلبي على المريض.
وضمن مساحة يولد منها النور والأمل، يدلنا الفيلم على الطبيعة والهدوء والسكينة كأفضل طبيب معالج للإنسان. ومع شخصية الطبيبة النفسية التي تجسد دورها بياريت القطريب باتقان، نتعرف إلى من يمثل الخير في عالم يكثر فيه الشر وأصحابه.
يطغى أداء ستيفاني عطا الله على الفيلم برمته، ليس فقط لأنها بطلته بل لأنها تشرّبت الدور بنهم وقدمته على المستوى المطلوب. فهي استطاعت أن تنقل كل مشاعرها وأحاسيسها وحتى أوجاعها وكوابيسها إلى المشاهد بسلاسة الممثل المحترف فصدقّها.
وبرزت إجادتها للدور في لغة جسد صعبة اعتمدتها في صراخها الناتج عن حالات هستيرية، وفي نوبات عصبية تصاب بهما. وكذلك في ملامح وجهها المتعبة ونظراتها الفارغة وطبيعة مشيتها المنحنية والمثقلة بحالة نفسية معقدة.
أما مجدي مشموشي فنجح في تقديم صورة الأب اللامبالي ونقيضه، في مشاهد توزعت على الفيلم منذ بدايته إلى نهايته، فسرق اهتمام المشاهد وطبعه بحضوره المصقل بتجارب متراكمة. فيما استطاع أسعد رشدان في تقمص شخصية الطبيب الذي لم يحفظ قسم أبقراط (أبو الطب). فلم يصن مبدأ الإنسانية ولا المصداقية المتوجبة عليه خلال مزاولة عمله، فلحق بأهدافه المادية وقدمها على غيرها مرتدياً قناع طبيب العائلة المخلص والموثوق به.
ومن الوجوه التمثيلية الجديدة التي يقدمها الفيلم، يوسف بولس، الذي يجسد شخصية الصحافي الوهمي المولود من رحم هلوسات وكوابيس لينا. فيقدم أداء طبيعياً ومقنعاً ضمن مشاركة صاعدة له. ويتوقع لها البريق مع الوقت سيما أنه كان محاطاً بنجوم تمثيل من الصف الأول. حتى إن بعض الحضور خرجوا من الفيلم متسائلين عن مصير هذا الصحافي، وعن سبب غيابه عن بقية أحداث الفيلم، لأنه ترك أثراً عندهم، وليكتشفوا بعدها أنه ذهب إلى غير رجعة من كوابيسها بعدما شفيت منها.
حصد فيلم «فرح» الذي بدأ عرضه في صالات السينما اللبنانية، جوائز كثيرة في مهرجانات سينمائية مختلفة، من بينها جائزة خاصة بمناسبة الذكرى العاشرة لمهرجان «تشيلسي السينمائي» في الولايات المتحدة الأميركية، وفي مهرجان «الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط»، نال جائزة أفضل عمل أول، وكذلك جائزة محمود عبد العزيز لأفضل إخراج فني من نصيب موسى بيضون ونزار نصار، ليصبح عدد الجوائز التي حصل عليها العمل في مشواره، أربع جوائز بعد فوزه بجائزة أفضل فيلم روائي باختيار الجمهور ضمن فعاليات «مهرجان الفيلم اللبناني» في كندا.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟
TT

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

رشَّة صغيرة تُبرز نكهة الطبق ومكوناته، إلا أنه من الناحية الصحية يُخفي الملح جانباً مقلقاً وفق الأطباء وخبراء التغذية؛ إذ يرتبط الإفراط في تناوله بارتفاع ضغط الدم ومضاعفات صحية تؤثر في القلب والأوعية الدموية، لا سيما لدى أصحاب الأمراض المزمنة.

الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة

تقول إخصائية التغذية الدكتورة بسنت أحمد: «رغم التحذيرات الطبية المتزايدة، لا يزال الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة لا تبدو شديدة الملوحة».

وتتابع: «ومن ذلك المخبوزات، والصلصات الجاهزة، واللحوم المصنعة، والشوربات المعلبة، والوجبات السريعة»، وتضيف: «لذلك فإن الحل لا يكمن فقط في إبعاد (المملحة) عن المائدة، بل في إعادة اكتشاف مكونات طبيعية تمنح الأطباق النكهة الكاملة دون الإضرار بالصحة».

الأعشاب الطازجة تضيف شخصية حقيقية للطعام

وتلفت إلى أن «الملح يظل عنصراً ضرورياً للجسم عند تناوله باعتدال؛ لاحتوائه على الصوديوم والكلوريد اللذين يلعبان دوراً مهماً في توازن السوائل ووظائف الأعصاب والعضلات». وتتابع: «لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن، وهو ما يتحقق عبر التدرج في تقليل الملح، والاعتماد على مكونات طبيعية تعزز النكهة بطريقة أكثر تنوعاً وثراءً».

وبينما يظن البعض أن تقليل الملح يعني التخلي عن النكهة، يؤكد خبراء الطهي أن هناك بدائل طبيعية قادرة على منح الطعام مذاقاً غنياً ومتنوعاً دون الاعتماد المفرط على الصوديوم. ويقول الشيف المصري علي عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إن «الطعام المتوازن لا يعتمد على الملح وحده، بل على تناغم النكهات بين الحموضة، والأعشاب، والتوابل، والمكونات الطازجة، وهذه العناصر قادرة على إبراز مذاق الطبق بصورة أكثر أناقة وعمقاً».الحموضة... السر الأقرب إلى تأثير الملح

من أكثر البدائل التي يعتمدها الطهاة المحترفون لإبراز النكهات، المكونات الحمضية مثل الخل وعصير الليمون؛ فالحموضة تمتلك تأثيراً قريباً من تأثير الملح في إيقاظ المذاق وإضفاء الحيوية على الطبق.

بدائل للملح تفتح المجال لنكهات أكثر تنوعا وأناقة على المائدة من شيف علي عبد الحميد (الشرق الأوسط)

ويعد خل البلسميك وخل التفاح من الخيارات المفضلة في هذا المجال، لما يتمتعان به من مذاق متوازن يجمع بين الحلاوة الخفيفة والحموضة الناعمة، ويمكن استخدامهما في تتبيلات السلطات، وتتبيل اللحوم والأسماك، أو إضافتهما إلى الشوربات واليخنات لمنحها عمقاً إضافياً.

ويشير عبد الحميد إلى أن «غلي خل البلسميك على نار هادئة يمنحه كثافة ونكهة مركزة تصلح لوضعها فوق الخضراوات المشوية أو شرائح الطماطم الطازجة؛ وهو ما يخلق مذاقاً غنياً يقلل الحاجة إلى الملح». ويتابع: «أما الحمضيات، وفي مقدمتها الليمون و(برش الليمون) والبرتقال، من أكثر العناصر قدرة على إنعاش النكهات في أطباق مثل السمك والخضار مثل البروكلي والسبانخ المطهوة لأنه يخفف المذاق المر في بعضها».

الأعشاب الطازجة... نكهات متوسطية منعشة

تلعب الأعشاب العطرية دوراً أساسياً في المطابخ العالمية لروائحها الذكية، ولقدرتها كذلك على بناء طبقات معقدة من النكهات تغني عن الإفراط في استخدام الملح، على حد قوله. ويأتي الريحان في مقدمة هذه الأعشاب، بفضل مذاقه الذي يجمع بين الحلاوة الخفيفة والدفء العطري؛ مما يجعله مثالياً مع صلصات الطماطم والمعكرونة والبيتزا والشوربات، كما أنه ينسجم بشكل مفاجئ مع بعض الفواكه الصيفية مثل الفراولة والبطيخ.

أما الشبت فيتميز بنكهة منعشة تحمل لمسات قريبة من الكرفس والشمر؛ وهو ما يجعله مناسباً لأطباق السمك والبطاطا والسلطات الباردة، كذلك تمنح أعشاب مثل الأوريغانو وإكليل الجبل والبقدونس أبعاداً مختلفة للأطباق، وتضفي عليها طابعاً أقرب إلى مطابخ البحر المتوسط. ويرى عبد الحميد أن «الأعشاب الطازجة تضيف مذاقاً لذيذاً للطعام، وتجعل الطبق أكثر توازناً وتعقيداً دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الملح».

البابريكا والتوابل... دفء يُثري المذاق

تشمل بدائل الملح أيضاً مجموعة واسعة من التوابل القادرة على منح الطعام عمقاً ودفئاً ونكهات متعددة الطبقات. وتُعد البابريكا من أبرز هذه الخيارات، سواء بنسختها الحلوة أو الحارة أو المدخنة؛ فهي تضفي لوناً جذاباً ومذاقاً غنياً يناسب اليخنات والمخللات وأطباق البيض والخضراوات المشوية.

يقول عبد الحميد: «تمنح توابل مثل الكمون، والكزبرة، والهيل، والقرفة، وجوزة الطيب دفئاً إضافياً للأطباق وطابعاً أكثر ثراءً للأطعمة؛ إذ تمنح كل منها شخصية مختلفة للطبق وتساعد على تقليل الحاجة إلى الملح».

الثوم والبصل... أساس النكهة العميقة

يُنظر إلى الثوم والبصل بوصفهما من أهم أسرار الطهي في المطابخ الشرقية والعالمية؛ فكلاهما يمنح الطعام مذاقاً غنياً ومركباً، ويقلل الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من الملح وفق عبد الحميد، ويقول: «يتميز الثوم بقدرته على منح الصلصات والشوربات والمقليات نكهة قوية ومحببة، سواء استُخدم طازجاً أو مشوياً».

أما مسحوق البصل أو البصل المجفف، فيوفر نكهة أكثر تركيزاً من البصل الطازج مع لمسة خفيفة من الحلاوة، ويمكن إضافته إلى الحساء، واليخنات، والصلصات، وأطباق القلي السريع لمنحها مذاقاً متكاملاً دون الحاجة إلى الكثير من الملح. ويشير إلى أن «الاعتماد على الثوم والبصل في بناء النكهة يجعل الطعام أكثر دفئاً وغنى، ويمنح المكونات الأخرى فرصة للتألق».

الخميرة الغذائية... مذاق يشبه طعم الجبن

من البدائل الحديثة التي بدأت تجد طريقها إلى المطابخ الصحية، الخميرة الغذائية، وهي رقائق أو مسحوق يتميز بمذاق قريب من الجبن المعتق. وتستخدم عادةً مع المعكرونة، والفشار، والحبوب، والصلصات؛ حيث تضيف نكهة لذيذة وعميقة دون احتوائها على منتجات الألبان أو نسب مرتفعة من الصوديوم. وبات كثير من الطهاة يفضلون استخدامها إرضاءً لمحبي الخيارات النباتية لأنها تمنح الطعام مذاقاً أكثر ثراءً، حسب الشيف المصري.


إشادة أميركية تلقي الضوء على تغير موقف الكنيسة المصرية من زيارة القدس

القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر شكر البابا تواضروس على استئناف الحج إلى القدس (السفارة الأميركية بالقاهرة)
القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر شكر البابا تواضروس على استئناف الحج إلى القدس (السفارة الأميركية بالقاهرة)
TT

إشادة أميركية تلقي الضوء على تغير موقف الكنيسة المصرية من زيارة القدس

القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر شكر البابا تواضروس على استئناف الحج إلى القدس (السفارة الأميركية بالقاهرة)
القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر شكر البابا تواضروس على استئناف الحج إلى القدس (السفارة الأميركية بالقاهرة)

ألقى ترحيب السفارة الأميركية، في القاهرة، باستئناف رحلات حج الأقباط المصريين إلى القدس الضوء على تغّير موقف الكنيسة المصرية التي كانت ترفضها قبل عقود، لكن الآن تتبنى مواقف أكثر انفتاحاً على تنظيم الرحلات.

وقال المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمصر، القمص موسى إبراهيم، إن «الكنيسة لا تمنع زيارة القدس سواء للحج أو للسياحة»، ولكنه شدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على «أنه لا يوجد تنسيق من أي نوع مع الكنيسة بشأن هذه الرحلات، وأنها حرية شخصية لكل من يريد».

وقبل أيام، وجّه القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر روبرت سيلفرمان الشكر إلى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، البابا تواضروس الثاني، على استئناف رحلات الحج إلى القدس، خلال لقاء جرى بينهما تطرق أيضاً إلى الروابط القوية التي تجمع الولايات المتحدة ومصر، وفقاً لبيان صادر عن السفارة الأميركية بالقاهرة، الأربعاء.

وأكد القمص موسى إبراهيم أن «الكنيسة لا تمنع زيارة القدس؛ لأن هذا كان طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي كرر الطلب مرتين من داخل المقر البابوي في مصر على مدى السنوات الماضية والذي يرى أن زيارة القدس أمر واجب لدعم الفلسطينيين»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «موقف الكنيسة من دعم القضية الفلسطينية والفلسطينيين واضح وثابت، وتضامنها معلن ومتكرر في كل وقت».

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد دعا البابا تواضروس، خلال لقاء جمعهما بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 لزيارة القدس، قائلاً: «إن مثل هذه الزيارات بمنزلة دفعة قوية للشعب الفلسطيني»، وهي الدعوة التي تكررت في لقاءات لاحقة.

وبعد أول دعوة تلقاها البابا تواضروس، توجه رفقة وفد كنسي رفيع إلى القدس، في نوفمبر من عام 2015، وكانت الأولى من نوعها منذ عقود، وقالت الكنيسة المصرية آنذاك إنها «بهدف المشاركة في مراسم تشييع الأنبا إبراهام، مطران القدس والشرق الأدنى، لمكانته في الكنيسة المقدسة، وتنفيذاً لوصية المطران الراحل».

وأمام الجدل الذي أحدثته تلك الزيارة، وقتها، أصدرت الكنيسة بياناً أكدت فيه «أن موقفها من زيارة القدس ثابت لم ولن يتغير، وهو أنه لا زيارة للقدس إلا مع جموع المصريين يداً بيد، مشددة على أن البابا تواضروس لم يدخل المدينة بتأشيرة إسرائيلية، وهو ما يؤكد رفض الكنيسة فكرة التطبيع».

لكن المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر قال في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إنه «إذا كانت زيارة القدس واجبة لأغراض دينية وروحية فهي واجبة لدعم اقتصاد الفلسطينيين، والتأكيد على هويتها العربية».

ونوه إلى أنه في «الوقت الحالي أو في أي وقت حين تكون الأوضاع في القدس غير مستقرة بسبب الاضطرابات لا يتمكن أحد من السفر، وهذا أمر منطقي»، مشدداً على أنه «لم يعد أحد من المسيحيين يطلب رأي الكنيسة في زيارة القدس أو الحج إليها أياً كان الغرض وهي حرية شخصية، لكن الكنيسة لا تمنع ذلك».

البابا تواضروس الثاني (صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر)

وكان البابا شنودة الثالث، السابق لتواضروس، يتبنى موقفاً يرفض سفر الأقباط إلى القدس اعتراضاً على إعلان إسرائيل للقدس «عاصمة موحدة وأبدية» لها عام 1980، ولحين استعادة دير السلطان الذي كان تابعاً للكنيسة المصرية قبل أن يسيطر عليه رهبان من الكنيسة الإثيوبية بمساعدة السلطات الإسرائيلية.

وبالفعل، فإن البابا شنودة الذي ترأس الكنيسة المصرية لمدة 41 عاماً بين عامي 1971 و2012، لم يزر القدس ولا من سبقه البابا كيرلس الذي تولى المنصب منذ عام 1959 وحتى 1971.

ولكن بعد عام 2011 تحدثت تقارير متعددة عن قيام الآلاف من الأقباط المصريين بزيارة القدس، وكانت هناك أصوات دائمة تؤكد أن الحظر لم يمنع الزيارات، وأن الكنيسة لا يمكنها معاقبة أي قبطي يقوم بالزيارة بغرض السياحة أو أداء الشعائر الدينية، حتى إن البابا تواضروس صرح من قبل بأن المنع لم يعد مجدياً.

وفي رأي الكاتب الصحافي والباحث الدكتور سامح فوزي، أن هذا «يمثل تحولاً كنسياً من عهد بابوي إلى عهد آخر، حيث إن البابا شنودة عاصر الكثير من الصراعات والأحداث بين العرب وإسرائيل، وله كتاباته وموقفه الأكثر تشدداً في هذا الأمر، ولكن من الواضح أن النهج البابوي في عهد البابا تواضروس أصبح يترك هذه الأمور لتقدير كل شخص وحريته؛ حيث إن حرية السفر والتنقل منصوص عليها في الدستور».

وتابع لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إنه «صحيح أن الكنيسة وقت البابا شنودة أو في أوقات سابقة كانت تؤكد رفض السفر للقدس، ولكن الممارسة الواقعية أن هذا لم يمنع الناس من السفر، ولكن الجديد حالياً أنه لن تكون هناك تبعات كنسية أو ما يمكن وصفه بعقاب ما ضد من يسافر».

وأكد أنه مع ذلك «فالكنيسة في عهد البابا تواضروس لم تدعُ الأقباط للسفر إلى القدس، ولم يصدر عنها من قبل ما يفيد ذلك، ولم يصدر كذلك توجه مغاير عن المجمع المقدس عما كان سائداً من قبل، وكون الكنيسة لا تمانع لا يعني أنها تدعو للسفر فهذه حرية شخصية، وموقف الكنيسة في رأيي إزاء التطبيع يتماشى دوماً مع سياسات الدولة المصرية والمؤسسات الإسلامية، والنبض الشعبي، ولا أتصور أن يخرج عنه».


«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق
مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق
TT

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق
مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012. والحقيقة أن «الدحو» لم تُحَوَّل أو تترجم إلى فيلم كما يَدَّعي عنوانُ المقالة، لذا لن يكترث أحد (صحافي أو بودكاستي) ليطلبَ من مؤلفها التعليق على فيلم لم يظهر إلى الوجود بعد، وقد لا يظهر. كما أن لا أحد يستطيع الجزم بأن فيلم «الدحو» لن يصبحَ حقيقة ذات يوم؛ فيلم تستقبله دور السينما في مدننا وفي مدن في بلدان أخرى. فعلى الرغم من تأكيد بن بخيت نفسه، وإصراره على أن «الرواية كُتبت لتقرأ فقط» - مختتماً بهذه الجملة مقالته المنشورة في (عكاظ، 2026-4-21) بعنوان «هوس تحويل الرواية إلى سينما أو مسلسل تلفزيوني» - فليس هنالك ما يمنع قانونياً دار جداول من بيع حقوق ملكية الرواية إلى منتج سينمائي ينوي ترجمتها إلى فيلم. لن تقف جملة بن بخيت حينئذ أمام انتقال روايته فيلماً إلى الشاشة بعد أن تمحو الاتفاقية بين «جداول» والطرف الثاني المجهول وقت كتابة المقالة تلك الجملة، القفلة، التي أغلق بها الباب أمام أي استثناء محتمل.

الروائي السعودي عبد الله بن بخيت

«قفلة» سينمائية

يثير بن بخيت في مقالته جملة من القضايا المهمة المتعلقة بتحويل الرواية إلى فيلم، بيد أنها قضايا ومسائل استهلكت بحثاً ونقاشاً في مجال دراسات التكييف (Adaptation Studies)، مما دفع باحثين ونقاداً منهم د. روبرت ب. ري إلى الدعوة إلى انتشال دراسات التكييف من الركود الرائن عليها. ومن المواضيع التي يتكرر تناولها مسألة الأمانة/الوفاء للنص المصدر، وإعلاء منزلة النص الأدبي على الفيلم، والمقارنة بين الرواية/النص المصدر والفيلم، وبين تجربة تلقي كليهما. وفي مقالة بن بخيت ترجح، على نحو لا يثير الاستغراب، كفة الرواية في المقارنة كما يبدو واضحاً في الاقتباسات التالية: «والأهم أن جوهر الرواية يقوم على خلق مستمر بين طرفين لا ثالث لهما. إبداع مشترك بين الكاتب والقارئ» فــ«كل قارئ للرواية سوف يشاهد المرأة الجميلة في النص الروائي حسب رؤيته للجمال وثقافته وتجربته»، أما «العمل السينمائي سيكسر هذا الخلق المستمر للجمال في الرواية ويرسيه على جمال الممثلة التي اختارها، فكل مَن يشاهد الفيلم سيرى نفس المرأة سواء إن كان في الرياض أو طوكيو»، «عندما تشاهد فيلماً سينمائياً قام على رواية سبق أن قرأتها سوف تصدم، فكل الشخصيات والأماكن والأزمنة التي رأيتها في الرواية ليسوا هؤلاء الذين تراهم على الشاشة. في الرواية أسهمت في خلق الشخصيات، أنت الذي تخيل الأمكنة والأزمنة والأجواء».

الكتاب دائماً أفضل من الفيلم

ليس بن بخيت وحده من يُصْدمْ، أو المسرود له الذي يقص عليه بضمير المخاطب حكاية «الهوس» الذي انتشر واستشرى في البلاد وبين العباد. الصدمة، وكذلك خيبة الأمل أو التوقعات، تحدثان، في كل مرة، لكل من يذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم مبني على رواية، متأبطاً توقعه أو حلمه في تطابق الفيلم مع النص المصدر. ثم يغادر المكان وهو يتحلطم (يغمغم): «الكتاب دائماً أفضل من الفيلم».

بالجملة السابقة صدَّرت د. ليندا كوستانزو كاهير الفصل الأول في كتابها الموسوم بــــ«الأدب في فيلم: نظرية ومقاربات تطبيقية، 2006». وكتبت مُعَلِّقَة عليها أن هذه الفرضية تعبر عن انحياز شخصي، بدرجة أكبر من كونها رأياً نقدياً، فكل فيلم مبني على مصدر أدبي يُعَدُّ عملاً ثانوياً، وبالتالي يكون ذا قيمة ثانوية أيضاً. ولأن الأدب يحتل مَوقِعاً أعلى من الفيلم في التراتبية الثقافية، يؤثر هذا على تأثير الأفلام المبنية على كتب، ما يؤدي إلى إصابة المشاهد بالخيبة (أو الصدمة) عندما لا يطابق الفيلم ما قرأه، غير واعٍ لحقيقة أن القراءة نفسها ترجمة؛ حيث يترجم القارئ الكلمات إلى صورٍ مُشَكِّلاً بذلك انطباعات واضحة عن العالم التخييلي في النص (رواية أو قصة).

ترجمة وليس تكييفاً

وتُنَظِّرُ د. كاهير أن أول خطوة في استكشاف ميزات الأفلام المبنية على نصوص أدبية تتمثلُ في اعتبارها (الأفلام) ترجمات للمواد المصدر، وفي فهم الفرق بين «التكييف» و«الترجمة». فالتكييف يعني إجراء تغيير في بنية ووظيفة كينونة عند نقلها إلى بيئة جديدة من أجل بقائها وتكاثرها، بينما تعني الترجمة نقل نص من لغة إلى لغة أخرى. الترجمة عملية لغوية ينتج عنها نص جديد تماماً، كينونة مختلفة مادياً، تربطها علاقة قوية بالمصدر، لكنها مستقلة تماماً عنه في نفس الوقت. وتكتب د. ليندا هتشيون في كتابها «نظرية التكييف» أن تحويل النص الأدبي إلى فيلم هو تكرار ولكن من دون استنساخ. ولأنه كذلك فالتغيير حتمي، حتى من دون تحديث واعٍ أو تغيير في المكان والزمان. ومع التغيير يأتي تعديل موازٍ في التكافؤ السياسي وفي معنى القصص. وباختصار مخلٍّ جداً لمقالة د. روبرت ستام في «ما وراء الوفاء: حوارية التكثيف»، يرفض ستام مفهوم الوفاء/الأمانة للنص (الأصل) كمعيار لتقييم الترجمة السينمائية للنص السردي. ويرى أن كثيراً من النقاش حول تحويل الرواية إلى فيلم يعيد كتابة تفوق الفن الأدبي المسلم به على الفيلم، فرضية تستند إلى عدد من التحيزات: seniority/الأقدمية، فرضية أن الفنون الأقدم هي بالضرورة أفضل الفنون؛ iconophobia/رهاب الصور، يعني التحيز المتجذر ثقافياً بأن الفنون البصرية في مرتبة أدنى من الفنون اللفظية؛ logophilia /حب الكلمات، التمجيد المعاكس للكلمة المقدسة في النصوص الدينية. ويرى ستام أن لغة نقد تكييف الفيلم أخلاقية، ممتلئة بكلمات مثل الخيانة، والتشويه والانتهاك والتدنيس، مؤكداً استحالة الوفاء/الإخلاص للنص (الأصل) الذي يطالب به بعض الباحثين في مجال دراسات التكييف التقليدية. ويسميه «كايميرا الوفاء/ the chimera of fidelity» - وكايميرا حيوان خرافي، وتعني مجازاً وهماً، أو أمنية مستحيلة، أو فكرة غير قابلة للتحقق.

الآراء الحقائق

المأخذ على مقالة بن بخيت ليس فيما يطرحه من آراء ووجهات نظر، ولكن على طريقته في طرحها التي تتسم بالقطعية والإطلاقية، فهو لا يطرح آراءه مقيدة ومؤطرة بكلمات مثل أعتقد وأرى، وأظن، إنما يطلقها كحقائق مطلقة، محصنة بجدران صلدة لا ينفذ منها الخطأ أو الشك إليها. كما يلمس في كتابته أن «الوحيد الذي يستطيع أن يقرر أن هذه الرواية تصلح للسينما هو المخرج السينمائي، هو من سيرى في هذا النص جماليات سينمائية يمكن التقاطها وإعادة تعميرها بالكاميرات والممثلين وما سوف تراه في النص السينمائي وهي العلاقة بما كنت تقرأه في الرواية».

هذا ليس صحيحاً تماماً ولا يحدث دائماً. حقيقة لا تتطلب معرفتها أن يكون المرء على صلة بصناعة السينما سواء من قريب أو بعيد. ففي كثير من الأحيان، أو في معظمها، تُرَشَّحُ أو تُختَارُ الرواية التي يُنْوَى الاشتغال على صنعها فيلماً، ويكون المخرج آخر مَن يعلم، أو حتى قبل اختياره لتولي إخراج الفيلم. الاختيار مهمة ينهض بأدائها أفراد عدة أو مجموعات، المخرج ليس منهم بالضرورة: منتجون، واستوديوهات، ومؤلفون حين يروجون رواياتهم، ووكلاء أدبيون، ودراماتورجية، وكشّافة كتب، أو أصدقاء.

ترشيح رواية للسينما مهمة ينهض بأدائها أفراد عدة أو مجموعات، المخرج ليس منهم بالضرورة

سينمائية الجملة الأخيرة

أما جملته الأخيرة «الرواية كُتبت لتُقرأ فقط»، فإنها تنهي المقالة نهاية سينمائية، تسد الطريق أمام أي رأي آخر مناقض أو مختلف، كالـ«قفلة/ closure» في الأفلام الهوليوودية الكلاسيكية، القفلة التي لفتت انتباه الناقدات النسويات، وحضرت في كتاباتهن وناقشن دلالاتها الاجتماعية والجندرية وعلاقتها بتمثيلات وأدوار المرأة في الفيلم الهوليوودي السردي الكلاسيكي. ينبغي التنويه بأن الإغلاق خاص بالرواية الأدبية، أو الواقعية حسب تسميتها في مسابقة «جائزة القلم الذهبي»، التي يرى بن بخيت أن مجرد الحديث عن تحويلها إلى عمل سينمائي دليل على «عدم فهم لطبيعة الفنين المختلفين والأخطر هو التقليل من قيمة الرواية كجنس أدبي عظيم».

أورهان باموق وكازو إيشيغورو

خلاف ما يعتقد بن بخيت، أعتقد أن هنالك الكثير من كُتّاب الرواية الأدبية الذين لا يرون في ترجمة رواياتهم إلى أفلام، أو مسلسلات، تقليلاً من قيمتها. للتدليل على ذلك، أذكر روائيين نوبليين اثنين تأكد ترحيبهما وفرحهما لتحويل أعمالهما إلى أفلام ومسلسلات. الأول الروائي أورهان باموق. شارك باموق في كتابة سيناريو مسلسل «متحف البراءة» المبني على روايته بذات العنوان، واختار المخرجة زينب غوناي، وشارك بشخصيته الحقيقية في الحلقتين الأولى والتاسعة. والثاني الروائي كازو إيشيغورو مؤلف الروايتين اللتين حُوِّلَتا إلى فيلمين بنفس عنوانيهما «بقايا اليوم» و«لا تدعني أذهب أبداً». ذكر إيشيغورو في حديث لصحيفة «ذا غارديان» أنه يميل إلى الترجمات السينمائية غير الوفية للنصوص. وشبّه رواياته بالأساطير أو الحكايات الخرافية القديمة. ويعتبر إعادة تأويلها فُرَصَ جلسات حول النار، تُروى خلالها القصص وتُعاد صياغتها وتُنقل إلى أجيال جديدة. يفهم من كلام إيشيغورو أن تحويل أي نص سردي إلى فيلم يمنحه حياة أخرى!

*كاتب وناقد سعودي