الاحتمال العلمي كأساس للتفاهم الإنساني

الاحتمال العلمي كأساس للتفاهم الإنساني

الاثنين - 4 جمادى الأولى 1444 هـ - 28 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16071]
التسامح داخل الجماعة الثقافية يشمل الجماعة البشرية بأكملها عبوراً على الأديان والمذاهب المختلفة (غيتي)

يقتضي الحوار الناجح بين البشر المختلفين، ثقافياً ودينياً ومذهبياً، تغييراً جوهرياً في ذهنية أطرافه، من بنية استعلائية تدرك الحقيقة باعتبارها واحدة ومطلقة، أكثر ما تطمح إليه هو مجرد تسامح الذات مع آخرين تراهم خاطئين - قاصرين بالضرورة، تتعاطف فقط مع لحظات ضعفهم ومواطن قصورهم، إلى بنية تشاركية، تدرك الحقيقة باعتبارها نسبية ومتعددة، تنهض على أساس التفاهم بين ذوات متكافئة، لا يملك أي منها الحقيقة كاملة، بل يمتلك فقط تصوره الخاص عنها، ومن ثم يقبل تصور الذوات الأخرى لها، كي يقبلوا بدورهم تصوراته هو عنها. ومن حسن الطالع أن التحولات الكبرى التي طرأت على المعرفة العلمية نفسها، في أكثر مجالاتها دقة ومنهجية كالفيزياء، تخدم هذا الفهم التعددي، بفضل تراجع مقولة الحتمية العلمية، التي تولدت عن الفهم النيوتوني للكون، وأمعنت في طموحها لبلوغ اليقين. وفي المقابل، نمو منظور لا حتمي، ولد من رحم نظرية النسبية لأينشتاين، وما سبقتها من نظريات كبرى مثل الكم لماكس بلانك، التي كشفت عن الطبيعة النسبية للضوء، والعلاقة المخاتلة بين المادة والطاقة، أو تلاها من قبيل مبدأ اللاتحدد لدى فيرنر هايزنبرغ، الذي وشى بصعوبة القياس الصارم لسرعة ومكان الإلكترون في الوقت نفسه، مؤكداً على نسبية العلاقة بين المكان والزمان، وبالتالي نسبية المعرفة، وما تتسم به من مراوحة واحتمالية.

أفضى هذا التحول في الفيزياء (قلب الحقيقة العلمي) إلى سيادة الطابع النسبي وانحسار اليقين الدوغماطيقي عن بقية جوانبها؛ السياسية والاجتماعية والفكرية، ليصبح ممكناً للنزعة الفردية أن تنمو، وللشخص أن يمتلك تصوراته الخاصة دون تنازع مع غيره، فما يحوزه ليس إلا تجليات للحقيقة، لا الحقيقة نفسها، لأن الحقيقة المطلقة لا تتعدد، فإذا امتلكها هو حُرم منها الآخرون، أياً كانوا، وأصبح الجميع عدا شخص واحد - مذهب واحد - دين واحد، من أنصار الباطل أياً كان شكله، ففي العلم هو الخطأ، وفي الدين هو الكفر، وفي القيم هو الكذب، وفي السياسة هو الانحراف عبر العمالة أو الخيانة وغيرهما... إلخ. وهكذا أتاح مبدأ اللاحتمية في الفيزياء أساساً علمياً راسخاً لثقافة التسامح، فلم تعد هناك حاجة إلى استخدام القوة أو العنف لقمع شخص ما داخل الجماعة الثقافية، طالما كان المجال مفتوحاً أمام الجميع لصياغة تصوراتهم الخاصة والتعبير عنها، والمشاركة في تقرير مصائرهم، عبر حوار مفتوح دائماً بين ذوات واعية وصولاً لأكثر الحقائق موضوعية.

هذا المستوى من التسامح داخل الجماعة الثقافية، إذا ما أريد تعميمه كي يشمل الجماعة البشرية بأكملها، عبوراً على الأديان والمذاهب المختلفة، إنما يستلزم فهماً نسبياً موازياً لفكرة «الخلاص» التي تقع في مركز كل الأديان تقريباً، وتتحكم بنظرة كل منها إلى الآخر، وبالأحرى نظرة أتباع كل دين إلى أتباع الأديان الأخرى. يعنى مفهوم الخلاص لدى كل دين أنه يمتلك طريقاً خاصاً به إلى الكائن الأسمى - الإله، يستطيع من خلال السير فيه أن ينال عنايته ودعمه في الحياة، والحصول على غفرانه بعد الموت. ولعل الحضور المركزي لمفهوم الخلاص يبقى أمراً طبيعياً، لولاه ما أصبح الاعتقاد الديني راسخاً، لكن الخطر ينبع من آفة احتكار الخلاص، التي تبدأ سيرورتها باعتقاد دين ما، وأحياناً مذهب بذاته داخل هذا الدين، بامتلاكه وحده الطريق القويم إلى الله، وما عداه من طرق تقول بها الأديان والمذاهب المغايرة ليس إلا باطلاً، يراوح بين الكفر والزندقة والهرطقة والفسوق والعصيان. فإذا ما اعتقد أهل دين أو مذهب بأن لديهم رسالة خاصة في هداية البشرية، تعين عليهم فرض الطريق الوحيد الذي يملكونه وحدهم إلى الخلاص، ولنا أن نتصور آنذاك ما يمكن أن يترتب على ذلك الفهم من حروب عبثية ودماء بشرية يتم إهدارها على مذبح الدين - المذهب- الطائفة، في الطريق إلى امتلاك الخلاص - الحقيقة الإلهية، باعتباره الحقيقة الأسمى.

يقودنا الفهم النسبي للخلاص إلى تجاوز أفق التسامح إلى فضاء التفاهم، والفارق بينهما كبير، رغم التشابه الظاهري، فالأول - التسامح، الذي ينطلق من النصوص الدينية بالأساس، وخصوصاً في تقاليد الدين الإبراهيمي وشرائعه المختلفة، لم يمنع الصدامات الكبرى والحروب الدامية بينها وفي داخلها. فثمة صراعات دارت داخل بين المذاهب المختلفة في الشريعة الواحدة، أبرزها الحروب الدينية بين الكاثوليكية والبروتستانتية داخل المسيحية، والفتن المذهبية والطائفية التي لم تتوقف طوال التاريخ داخل الإسلام بدءاً من فتنة الخوارج القديمة، وصولاً إلى الفتنة «الداعشية» الراهنة. وفي المقابل، ثمة صراعات دارت بين الأديان الثلاثة نفسها، خصوصاً بين اليهودية والمسيحية في بدايات العصر المسيحي، ثم بين المسيحية والإسلام جل القرون السالفة، خصوصاً حروب الفتوحات الإسلامية، وحروب التبشير المسيحية (الصليبية)، وصولاً إلى الحروب الاستعمارية في القرنين الماضيين. السر في فشل مفهوم التسامح كونه مفهوماً مؤقتاً ورجراجاً، يتطلب شخصيات مثالية قادرة على التعاطف مع الخطأ والنقص. فثمة طريق واحد للخلاص، يملكه دين أو مذهب، لكن يمكن التغاضي مع كفر (زندقة) (هرطقة) الآخرين حيثما وجد حاكم (فاعل) مستنير، خليفة أو إمبراطوراً أو فقيهاً أو حبراً أو قساً، فإذا تبعه حاكم (فاعل) آخر لا يرى ذلك، اتجه فوراً إلى حصار الزندقة وتصفية الكفر، والتبشير بمفهومه الخاص للخلاص، وجدنا أنفسنا للتو في قلب الجيم. وهكذا، طالما استمر فهمنا الأحادي للحقيقة يعتقد في وجود الصواب الكامل هنا والخطأ الكامل هناك.

أما الثاني (التفاهم) فيقوم على تعددية الحقيقة، وليس أحاديتها، ولا ينطلق من استعلاء باطني على الآخرين يتفضل بالتعاطي مع نقاط ضعفهم وقصورهم، بل من مجرد اختلافه معهم، إيماناً بأنهم يملكون قدراً من الحقيقة مثلما يملك هو. وربما أدرك باطناً أن القدر الذي يملكه من الحقيقة يفوق ما يملكه الآخرون منها، ولهذا يبقى على معتقده (إيمانه) الاسمي كما هو. غير أن الأمر يصبح محصوراً في «الأكبر من» أو «الأصغر من»، وذلك هو معنى نسبية الحقيقة. ولم يعد، في المقابل، الخطأ الصريح هناك، والصواب الكامل هنا، أو العكس. وهكذا يحتوى مفهوم التفاهم على تسامح أصيل ودائم ينطلق من تعددية جوانب الحقيقة، ومن تواضع عميق، وإيمان صادق بنسبيتها، وتوزع أقدار مختلفة من الخير والفضيلة على كثير الأديان والمذاهب. ويخلو، في المقابل، من الاستعلاء، ولا يبقى خاضعاً للصدفة، سواء السعيدة التي تأتي بحاكم مستنير، ذي ضمير إنساني، أو التعيسة التي تأتي بحاكم سفاح مغامر، ميال إلى إراقة الدماء.

أما الميزة الكبرى لمفهوم التفاهم فكونه يمثل خلاصاً شاملاً للإنسان. ففي التسامح ثمة تعويل على مفهوم خلاص ميتافيزيقي مؤجل، يتعين على المؤمن انتظاره، وقد لا يأتي في نظر غير المؤمن، بينما يحيل الحياة على الأرض إلى نار حارقة وقودها الناس والعمران والمدنية البائسة، وكأنما السعي إلى الخلاص هروباً من نار الآخرة المؤجلة يقتضي استدعاء النار تلك إلى دنيانا العاجلة، وهو ما يسيء إلى صورة الأديان جميعاً، ويبديها وكأنها ضد الحياة والعمران والتمدن. وأما التفاهم فيحفظ للمؤمن حقه في السعي إلى الخلاص الميتافيزيقي الذي يلهمه، وفي الوقت نفسه يصون لغير المؤمن حقه في السعي إلى الخلاص الواقعي (الدنيوي) من ربقة العنف والعبث، فجلها شر إنساني مقيت، ينتمي إلى عالم الشيطان وليس إلى ملكوت الإله.

* باحث مصري


اختيارات المحرر

فيديو