اليوم العالمي لـ«شجرة الزيتون»... ذكريات سعيدة تنازع «الحاضر المؤلم»

تغيرات المناخ نالت من إنتاجها

من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
TT

اليوم العالمي لـ«شجرة الزيتون»... ذكريات سعيدة تنازع «الحاضر المؤلم»

من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)
من محبي شجرة الزيتون الذين يستقبلون يومها العالمي بذكريات الماضي وتحديات الحاضر (المصدر: رابطة محبي شجر الزيتون باليونان «mia elia»)

احتفل العالم يوم «السبت» 26 نوفمبر (تشرين الثاني) باليوم العالمي لشجرة الزيتون، وهو اليوم الذي اختارته كل من اليونيسكو والمجلس الدولي للزيتون، ليكون اليوم العالمي للشجرة، في وقت هجر بعض المزارعين مزارع الزيتون، ولا يزال آخرون من بينهم خالد شوكت، متمسكين بإعطاء الشجرة كل الاهتمام والرعاية، رافضين التخلي عنها، بعد أن نال تغير المناخ من إنتاجها.
ويمتلك شوكت، ابن محافظة شمال سيناء المصرية، ذكريات سعيدة عند حصاد محصول الزيتون خلال فصل الصيف، وهذه الذكريات هي التي تنازع الحاضر المؤلم للشجرة، لتدفعه إلى التمسك بها، والبحث عن أدوات المقاومة في مواجهة تغيرات المناخ، التي بدأت تنال من إنتاجها.
وبينما احتفل العالم «السبت» باليوم العالمي لشجرة الزيتون، وهو اليوم الذي اختارته كل من اليونيسكو والمجلس الدولي للزيتون يوم 26 نوفمبر، ليكون اليوم العالمي للشجرة، وجد شوكت في هذه المناسبة الدولية، فرصة لتذكير أقرانه بفضل الشجرة عليهم، قائلاً بنبره يغلفها الحزن: «تذكروا أفضالها عليكم، ولا تُديروا لها ظهوركم، ودعونا نقاوم معاً ما تسببه تغيرات المناخ».
وانخفضت إنتاجية أشجار الزيتون إلى أكثر من النصف خلال المواسم الأخيرة، بسبب عدم استيفاء الشجرة لاحتياجات البرودة، بسبب ارتفاع درجة الحرارة، الأمر الذي يفرض معاملات خاصة، لم يعتد عليها بعض المزارعين، بحسب تقدير حسني الشيخ، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة أسيوط (جنوب مصر).
وتحتاج أشجار الزيتون إلى عدد من ساعات البرودة في فصل الشتاء، حيث تحتاج في المتوسط ما بين 100 إلى 150 ساعة كي تزهر في الربيع. وبسبب تغير المناخ وتذبذب الحرارة خلال فصل الشتاء، لم يتحقق التزهير المطلوب للشجرة، وانخفض إنتاج المحصول في موسم 2021، وبدأ شوكت وأقرانه ممن تمسكوا بأشجارهم، يسألون عن أدوات للصمود يمكنهم الاعتماد عليها في مواجهة تلك التغيرات.
ويقول شوكت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إجراءات مختلفة في التسميد، وكذلك في تقليم الأشجار يمكن للمزارعين اتباعها لتقليل الأضرار، ونجحنا باستخدامها في تقليل الأضرار خلال موسم 2022». ويضيف: «قد تكون هذه الإجراءات مكلفة بعض الشيء، ولا تجعل أرباحنا من الشجرة بمعدلات الماضي نفسها، ولكن على الأقل تحافظ على حياة الشجرة واستمرارها».
ولشجرة الزيتون رصيد كبير في حياة شوكت وأقرانه دفعتهم للتمسك بها مع البحث عن عمل آخر إضافي لتأمين متطلبات الحياة. غير أن رصيدها البيئي والمعنوي يجب أن يدفع حكومات دول البحر المتوسط، التي تمتلك 98 في المائة من مجمل الأراضي المزروعة بالزيتون عالمياً، لتكون أحرص على هذه الشجرة التي توصف بـ«الشجرة المباركة».
وبالتزامن مع اليوم العالمي للشجرة (السبت)، أعادت مجموعة من محبي شجرة الزيتون في اليونان، تذكير العالم بأهمية الشجرة بيئياً ومعنوياً وغذائياً. وقال محبو الشجرة على موقعهم «mia elia»، إن هناك أسباب عدة تدفعهم للحرص على الاحتفال بهذا اليوم، ومنها أن أشجار الزيتون مفيدة للبيئة بطرق عديدة. فهي تساهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وتعمل على مكافحة الاحتباس الحراري والتصحر، حيث تشير الدلائل إلى أن زراعة الزيتون، يزيد من تثبيت ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في التربة.
كما أن هذه الشجرة المباركة، تُخرج الزيتون وزيت الزيتون، وكلاهما مغذيان للغاية وصحيان. وهما من المكونات الرئيسية في حمية البحر المتوسط. ويدرجها العديد من الطهاة المشهورين في وصفاتهم كدليل على الجودة العالية والقيمة الغذائية.
ويشتهر زيت الزيتون بخصائصه المضادة للأكسدة وقيمه العلاجية، وتُظهر الأبحاث أنه يمكن أن يمنع العديد من الأمراض، مثل السرطان ومشاكل القلب والتهاب المفاصل والسمنة.
وبالإضافة إلى هذه القيم الغذائية والبيئية، فإن هناك قيمة معنوية، تتمثل في أن شجرة الزيتون من أكثر الأشجار المحبوبة في تاريخ البشرية، حيث اعتبرها الناس مقدسة منذ العصور اليونانية القديمة، وكان غصنها دائماً رمزاً لطول العمر والسلام والوئام والنمو والبعث والصداقة. كما أنها ألهمت العديد من الفنانين والشعراء والكتاب في جميع أنحاء العالم.
ويقول محبو الشجرة على موقعهم: «نحن نحتفل دائماً بهذا اليوم على الطاولة مع العائلة والأصدقاء. نستمتع بالمأكولات الشهية محلية الصنع، المصنوعة من زيت الزيتون الطازج».
وكانت اليونيسكو قد أعلنت عن هذا اليوم (اليوم العالمي لشجرة الزيتون) في الدورة الأربعين للمؤتمر العام للمنظمة في عام 2019، بناءً على اقتراح من الحكومتين اللبنانية والتونسية. وتقول على موقعها: «تحتل شجرة الزيتون، وتحديداً غصن الزيتون، مكانة مهمة في أذهان الرجال والنساء. ومنذ العصور القديمة، كان يُستخدم هذا الغصن رمزاً للسلام والحكمة والوئام، وبالتالي هو مهم ليس فقط للبلدان التي تنمو فيها هذه الأشجار النبيلة، ولكن أيضاً للناس والمجتمعات في جميع أنحاء العالم».
وتُشجع اليونيسكو الجميع على المشاركة من خلال أنشطة مختلفة، مثل المناقشات والمؤتمرات وورش العمل، والفعاليات الثقافية والعروض التقديمية أو المعارض.
وبينما تشجع اليونيسكو على تلك الأنشطة الثقافية، يشجع حسني الشيخ، الأستاذ بكلية الزراعة في جامعة أسيوط (جنوب مصر) شوكت وأقرانه من المزارعين، على الاستمرار في نهجهم بعدم إهمال تلك الشجرة ومقاومة تغيرات المناخ.
ويقول الشيخ لـ«الشرق الأوسط»، إن «أحد أسباب تلك المشكلة (إهمال زراعة الزيتون بمصر)، هو التوسع في استخدام الأصناف الأجنبية التي تحتاج إلى ساعات برودة أكثر من الأصناف المحلية».
ويكمل: «إضافة إلى إجراءات التقليم والتسميد المختلفة التي تتناسب مع تغيرات المناخ، والتي يجب أن يعرفها المزارعون جيداً، نشجعهم على العودة إلى إنتاج الأصناف المحلية».


مقالات ذات صلة

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجحة ارتفاع عدد الضحايا.

«الشرق الأوسط» (دار السلام)
شمال افريقيا مجموعة من الشباب أثناء إلقاء أكياس معبأة بالمياه من شرفة منزلهم (فيديو متداول للواقعة)

مصر: حادث «أكياس المياه» يكشف خطر الأخبار المضللة على «المنصات»

تحول مشهد لمجموعة من الشباب وهم يلقون من شرفة منزلهم أكياساً معبأة بالمياه على تجمع للمُصلين بعد انتهائهم من صلاة العيد بالقاهرة لمادة متداولة على منصات التواصل

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق شجرة الشعب... قصة مشتركة من التصميم (أ.ب)

ما مستقبل شجرة «سيكامور غاب» التي جرى قطعها؟

طُلب من الجمهور في منطقة «نورثمبرلاند» البريطانية التصويت لاختيار أحد الفنانين الستة المرشحين لإبداع عمل فني من خشب شجرة «سيكامور غاب»، التي تعرضت للقطع.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
TT

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)
حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

شكَّل حوارٌ مسرحيّ من أسئلة طُرِحت وأخرى تكوَّنت من التجربة الشخصية، ورشةَ «صياغة نصّ مسرحي» التي نظَّمها «مسرح المونو» بالتعاون مع «المسرح الملكي في لندن». حوارٌ يندرج ضمن سلسلة لقاءات أسبوعية يحرص المسرح على استضافتها، في محاولة لترسيخ حضور ثقافي يتغلَّب على وطأة الحرب وثقل أخبار الخراب.

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية، بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق. منذ اللحظة الأولى، وضعت المشاركين أمام جوهر الكتابة، فسألتهم أيّ نوع من المسرح يُثيرهم، وأيّ حكاية يريدون سردها؟ أسئلة كشفت عن بنى تفكير متشابكة؛ إذ انحاز الحضور إلى مسرح يُقلق، ومسرح يتوغَّل في الداخل، فيُحاكي ثنائية الجسد والروح، ويتناول العبث والوجود والمناطق الرمادية التي يختلط فيها الحقيقي بالمتخيَّل.

مكان يراهن على الثقافة حين يثقل الواقع بما يكفي (الشرق الأوسط)

هذا التوجُّه انعكس في المداخلات التي لم تكتفِ بوصف رغبات جمالية، فلامست قضايا الظلم والسخرية السوداء والدورات النفسية المُغلقة، حيث تتكرَّر الأحداث كأنها عالقة في دوّامة بلا نهاية. من الإجابات، بدا أنّ المشاركين يميلون إلى تجاوز الحكاية التقليدية، متّجهين نحو تفكيك بنيتها وإعادة صياغتها وفق تصوّرات مغايرة.

ضمن هذا السياق، جاءت مداخلة فلينتوف أقرب إلى إدارة حوار جماعي منها إلى تقديم محاضرة بالمعنى التقليدي. استمعت إلى الحضور بانتباه وطرحت أسئلة إضافية تُعزّز النقاش، أكثر مما قدَّمت نموذجاً تعليمياً مُتكاملاً حول كيفية كتابة النصّ المسرحي. تحدّثت عن الفكرة التي تنشأ في الداخل وعن حاجة غامضة تدفع الكاتب إلى إخراج ما يختلج فيه، مشيرةً إلى ضرورة التقاط هذه البذرة الأولى من دون الإفراط في تحليل مسارها أو محاولة ضبط نهاياتها مُسبقاً.

خرائط للسرد... والتجربة الشخصية تبقى المرجع (الشرق الأوسط)

هذا المنحى التفاعلي على أهميته ترك انطباعاً بأنّ الورشة مالت إلى العموميات أكثر مما اقتربت من أدوات الكتابة في ذاتها. فبين طرح الأسئلة وتبادل الأفكار، كان ثمة توقُّع بالحصول على مفاتيح أوضح لبناء النصّ المسرحي لجهة البنية وتطوّر الشخصيات وإيقاع المشهد. تصويبات فلينتوف جاءت دقيقة في بعض اللحظات، وكذلك نصائحها، لكنها ظلَّت موزَّعة ضمن سياق حواري مفتوح، أكثر من ضبطها بإطار منهجي متماسك.

اللافت في العرض البصري الذي رافق الورشة، أنه حاول رسم خريطة لأنماط الكتابة المسرحية، بين تقليدية وتجريبية. جرى التوقُّف عند نماذج تعتمد زمناً مغلقاً ومكاناً واحداً، حيث يتكثَّف الصراع ضمن مساحة محدودة، مقابل نماذج أخرى تنفتح على تعدُّد الأزمنة والأمكنة، وتسمح بتشظّي السرد. كما برزت مقاربات أكثر راديكالية، تعتمد تفكيك البنية بالكامل، سواء عبر نصوص مجزّأة أو أعمال تتخلَّى عن الشخصية على أنها المحور الأساسي للحكاية.

تفاصيل تُبنى منها ملامح نصّ (الشرق الأوسط)

بدت هذه الإشارات، رغم اختصارها، كأنها تدعو إلى التفكير في شكل المسرح أكثر من محتواه، وفي علاقته بالزمن تحديداً. بالزمن الذي يسير إلى الأمام، أو يتكسّر، أو يُعيد نفسه في حلقات متكرّرة. وهو طرحٌ يتقاطع مع ما عبَّر عنه المشاركون، الذين بدوا ميّالين إلى مسرح يكسر الخطّ المستقيم للحكاية، ويستبدل به مسارات مُتداخلة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية.

وسط هذا النقاش، تبرز أهمية المبادرة التي يقودها «مسرح المونو» الذي يواصل، عبر ورشاته الأسبوعية، خَلْق مساحة لقاء بين كتّاب أو مخرجين ومهتمّين بالمسرح، في وقت تتكثَّف فيه الحاجة إلى منصّات تسمح بالتفكير الجماعي وتبادل الخبرات. وهذا أحد أدوار المسرح في الشدائد، فيسعى إلى حماية الحضور الثقافي للمدينة في مواجهة صوت الصاروخ وصورة الدمار.

أفكار على الشاشة وأسئلة تتكوّن في القاعة (الشرق الأوسط)

نجحت ورشة فلينتوف، بما حملته من تفاعل وأسئلة، في تحريك النقاش حول الكتابة المسرحية، وإنْ بقيت بعض جوانبها في إطار الإضاءة العامة. التجربة توزَّعت بين ما طُرح وما ظلَّ معلقاً، فتركت أثرها في تحفيز مزيد من الاشتغال، وأكدت أنّ الكتابة المسرحية تنطلق في أساسها من سؤال بلا إجابة نهائية.


الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
TT

الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)
يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)

«لا بد أنه القمر المكتمل (Full Moon)». كم مرة نستخدم هذه العبارة عندما نواجه سائقين متهورين أو تقلبات في المزاج أو سلوكيات غريبة أو ارتفاع الحوادث.

فلطالما ارتبط اكتمال القمر بالخرافات والسلوكيات الغريبة. وتعود هذه الفكرة إلى القرن الأول، حين افترض الفيلسوف اليوناني أرسطو والمؤرخ الروماني بليني الأكبر أن اكتمال القمر يسبب الجنون. وفي الواقع، كلمة «مجنون» (lunatic) بالإنجليزية مشتقة من الكلمة اللاتينية «lunaticus» التي تعني «من القمر» أو «متأثر بالقمر».

لكن مع تطور الأبحاث العلمية، يزداد الجدل حول حقيقة تأثير القمر على الإنسان، وما إذا كان هذا الارتباط حقيقياً أم مجرد وهم نفسي متوارث.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» ما يقوله العلم عن تأثير القمر، ولماذا لا تزال هذه الفكرة راسخة في أذهان الكثيرين.

في الواقع، قد يكون أي «تأثير» للقمر مرتبطاً بأسلافنا. لكن أهميته الكبيرة في بعض الممارسات والطقوس الروحية، القديمة والحديثة، إضافة إلى ارتباطه بالفولكلور والأساطير والحكايات الشعبية، تعني أنه رغم ما تقوله العلوم، لا يزال البعض يختار الإيمان بقوة القمر.

مصدر الأسطورة

في فرضية قديمة تعود إلى قرون، اعتقد أرسطو وبليني الأكبر أن الدماغ، لكونه رطباً، قد يتأثر بالقمر كما تتأثر مياه الأرض به. واعتقدا أن القمر قادر على التسبب في الجنون أو الصرع.

كما تناول بعض المفكرين المعاصرين هذه الفكرة. فقد بحث الطبيب النفسي أرنولد ليبر هذا الاعتقاد في كتابيه «تأثير القمر: المدّ البيولوجي والعواطف البشرية» (1978) و«كيف يؤثر القمر عليك».

واقترح ليبر أن جسم الإنسان، الذي يتكون بنحو 70 في المائة من الماء، يتعرض لتغيرات تشبه المد والجزر تبعاً لمراحل القمر، كما يحدث في محيطات الأرض. وادعى أن معدلات القتل والانتحار والاعتداءات الشديدة وحالات الطوارئ النفسية وحوادث السير المميتة ترتفع بشكل كبير خلال البدر.

ورغم أن هذه النظرية قد تبدو منطقية في البداية، فإن الخبراء سارعوا إلى رفضها. فقد بيّنت إحدى الدراسات أن قوة جاذبية الأرض أقوى بـ5012 مرة من جاذبية القمر، وأن تأثير القمر لا يتجاوز وزن برغوث. وبينما ينظم القمر المد والجزر في المسطحات المائية الكبيرة، فإن تأثيره على كوب ماء أو حوض استحمام أو جسم الإنسان يُعد ضئيلاً للغاية.

وقد خلص علماء الفلك والفيزياء وعلم النفس إلى أن سلوك الإنسان لا يرتبط بمراحل القمر.

وفي عام 1985، أجرى باحثون تحليلاً شمل 37 دراسة قارنت بين دورات القمر ومعدلات مكالمات مراكز الأزمات والانتحار والجرائم والمشكلات النفسية، وأظهرت النتائج عدم وجود أي علاقة بين البدر وزيادة هذه الحالات.

كما أكدت دراسات حديثة أخرى عدم وجود صلة بين اكتمال القمر ودخول المستشفيات أو الحالات النفسية أو السلوك العدواني. بل إن دراسة أُجريت في فنلندا وجدت أن جرائم القتل كانت أقل خلال البدر.

إذاً، لماذا تستمر هذه الخرافات رغم نفي العلم لها؟

السلوك المرتبط بالوعي القمري

عندما يستمر اعتقاد لآلاف السنين، قد يفترض الناس أن له أساساً ما. وقد أشارت مقالة إلى أن تأثير «جنون القمر» ربما نشأ لأن ضوء القمر الساطع كان يؤثر على نوم أسلافنا، ما قد يؤدي إلى قلة النوم وتغير المزاج.

واليوم، تشير بعض الأدلة إلى أن النوم قد يتأثر بدورات القمر، وهو ما قد يفسر بعض التغيرات السلوكية.

لكن كثيراً من الخبراء يرون أن الإيمان القوي بتأثير القمر هو مثال على «الارتباط الوهمي» أو «التحيز التأكيدي»، حيث يركز الناس على الأحداث التي تدعم معتقداتهم ويتجاهلون ما يخالفها.

فنحن أكثر ميلاً لملاحظة الأمور الغريبة عندما يكون القمر بدراً، وتبقى هذه الملاحظات عالقة في الذاكرة.

وتقول المعالجة النفسية إيمي مورين: «قد يكون التوقع بأن الأمور تصبح أكثر غرابة خلال البدر يتحول إلى معتقد يحقق نفسه. فقد يبدأ الناس في التصرف بشكل مختلف لأنهم يعتقدون أنهم يجب أن يفعلوا ذلك».

وسواء كان للقمر تأثير خفي على سلوك الإنسان أم لا، فإن هناك جانباً يتعلق بالوعي في طريقة تفاعل البشر مع دوراته.

الأهمية الروحية للقمر

يحمل القمر أهمية كبيرة لدى ثقافات السكان الأصليين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، كان السكان الأصليون الأوائل يعتبرون أن «الجدة القمر» تنظم المد والجزر وتراقب مياه الأرض، وكانت الأقمار الكاملة تُستخدم لتتبع مرور السنة، ولذلك تحمل أسماء مختلفة بحسب كل قبيلة. ولا تزال طقوس تكريم القمر والرقصات المرتبطة به تمثل جزءاً مهماً من العلاقة مع الطبيعة.

كما يحمل القمر أهمية روحية لدى مجموعات أخرى أيضاً. ففي علم التنجيم، يُعتقد أن دورات القمر تؤثر بشكل كبير على السلوكيات والمشاعر.

وغالباً ما يُرتبط القمر بالعقل الباطن، ويُعتقد أن «برج القمر»، المرتبط بموقعه لحظة الولادة، يكشف عن العواطف والحدس.

ويُنظر إلى التوافق الواعي مع مراحل القمر كأداة قوية للعناية الذاتية. فكل 29.5 يوم، يُكمل القمر دورة كاملة، وترتبط كل مرحلة منها بأنشطة معينة تختلف حسب الثقافات. فمثلاً، يُعتقد أن البدر وقت للتأمل، بينما يمثل القمر الجديد فرصة لتحديد الأهداف.

ورغم أن العلم دحض العديد من الأساطير المرتبطة بالقمر، لا يزال البعض متمسكاً بهذه المعتقدات.


اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
TT

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)
قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأدميرال هوراشيو نيلسون والأسطول البريطاني، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ويسابق الغواصون الزمن، في ظل تراكمات رسوبية عميقة وانعدام الرؤية على عمق 15 متراً تحت سطح الماء، من أجل كشف حطام سفينة «دانبروج» التي تعود للقرن التاسع عشر، قبل أن تتحول إلى موقع بناء في منطقة سكنية جديدة تجري إقامتها قبالة ساحل الدنمارك.

وأعلن متحف «فايكنغ شيب» الدنماركي، الذي يقود عمليات البحث والتنقيب تحت الماء منذ أشهر، اكتشافاته، الخميس، بعد مرور 225 عاماً على وقوع معركة كوبنهاغن في عام 1801.

ويقول مورتن يوهانسن، رئيس قسم الآثار البحرية بالمتحف: «إنها تشكل جزءاً من الهوية الوطنية في الدنمارك».

مورتن يوهانسن رئيس قسم الآثار البحرية بمتحف سفن الفايكنغ في الدنمارك يعرض جزءاً من عظم الفك السفلي البشري الذي استُخرج من حطام السفينة الدنماركية الرئيسية «دانبروغ» التي غرقت خلال معركة كوبنهاغن عام 1801 في كوبنهاغن بالدنمارك 31 مارس 2026 (أ.ب)

ويوضح يوهانسن أن هناك الكثير الذي كُتب عن المعركة «من جانب أشخاص شديدي الحماس، لكننا في الواقع لا نعرف كيف كان شعور الوجود على متن سفينة تتعرض للقصف حتى دمرتها السفن الحربية الإنجليزية تماماً، وربما يمكننا التعرف على بعض تفاصيل تلك القصة من خلال رؤيةِ ما تبقّى من حطامها».

وشهدت معركة كوبنهاغن هجوم نيلسون والأسطول البريطاني على «البحرية» الدنماركية وهزيمتها.

وأسفرت الاشتباكات البحرية الوحشية التي استمرت ساعات، والتي تُعد واحدة من «المعارك الكبرى» التي خاضها نيلسون، عن مقتل وإصابة الآلاف.

وكان الهدف منها هو إخراج الدنمارك من تحالف لقوى شمال أوروبا، كان يضم روسيا وبروسيا والسويد.

ومن المقرر أن تجري قريباً إحاطة موقع الحفر بأعمال بناء لصالح مشروع «لينيتهولم» الضخم، لإقامة منطقة سكنية جديدة في وسط ميناء كوبنهاغن.