فرنسا وإيطاليا أمام اختبار التعايش بين «الديمقراطيات» و«اليمين المتطرف»

ورقة اللجوء والهجرة هي القشة التي قصمت ظهر البعير

ميلوني تهاجم مواقف فرنسا في موضوع الهجرة (رويترز)
ميلوني تهاجم مواقف فرنسا في موضوع الهجرة (رويترز)
TT

فرنسا وإيطاليا أمام اختبار التعايش بين «الديمقراطيات» و«اليمين المتطرف»

ميلوني تهاجم مواقف فرنسا في موضوع الهجرة (رويترز)
ميلوني تهاجم مواقف فرنسا في موضوع الهجرة (رويترز)

عندما فاز التحالف اليميني المتطرف في الانتخابات العامة الإيطالية التي أجريت أواخر سبتمبر (أيلول) الفائت، كان منسوب القلق في العواصم الكبرى لبلدان الاتحاد الأوروبي مرتفعاً منذ سنوات، وهي تراقب عجز الأحزاب السياسية التقليدية عن كبح الصعود المطّرد للقوى اليمينية المتطرفة، التي تتسع دائرة شعبيتها ونفوذها في معظم الدول الأعضاء. وكان هذا الاندفاع مدفوعاً بمواقفها العلنية المناهضة للهجرة ومطالبتها بإعادة نظر جذرية في المبادئ والمعادلات التأسيسية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي. ولكن بعد الفوز الكاسح الذي حققته جيورجيا ميلوني، زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» الذي قام على أنقاض الحزب الفاشي الإيطالي، وتكليفها تشكيل الحكومة الجديدة، وجد الأوروبيون أنفسهم أمام أول اختبار حقيقي لوصول قوى اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إحدى الدول الوازنة داخل الاتحاد، بعدما كانت تقف على أبواب معاقل السلطة، أو تمسك بمقاليدها في بعض دول الصف الثاني. وإذ أدركت العواصم الأوروبية الكبرى أن ساعة المواجهة مع هذا التحدي المعلن قد أزفت، جاءت الأزمة التي نشبت بين فرنسا وإيطاليا حول استقبال سفن الإغاثة التي تنقذ المهاجرين غير الشرعيين في المتوسط، لتفتح الباب أمام تحديد «قواعد الاشتباك» في هذه المعركة التي ينتظر أن تكون مديدة بين الطرفين النقيضين داخل الاتحاد الأوروبي المنهمك في صراع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.
من القواعد الأساسية في دبلوماسية العلاقات الدولية، الحرص على تجنب التسبب في إحراج لدولة صديقة وسط أزمة إقليمية أو دولية، والإحجام عن إقحام هذه الأزمة في النزاعات الداخلية لكل من البلدين، خاصة تلك التي لها أبعاد انتخابية. إلا أن الحكومة الإيطالية الجديدة، التي ترأسها جيورجيا ميلوني، تجاهلت هذه القاعدة عندما سارعت أخيراً، من دون تنسيق مع باريس أو قبل صدور أي بيان رسمي عن قصر الإليزيه، إلى توجيه الشكر لفرنسا على قبولها استقبال إحدى سفن الإنقاذ في البحر المتوسط، التي كانت تحمل على متنها مئات المهاجرين غير الشرعيين الذين كانت إيطاليا ترفض استقبالهم.
بذلك، نفضت ميلوني عنها الضغوط التي كانت تتعرّض لها حكومتها اليمينية المتطرفة منذ أيام، وأحالتها إلى فرنسا... مُشعلةً أزمة دبلوماسية بين البلدين، اضطرت رئيس الجمهورية الإيطالي سرجيو ماتاريلا إلى التدخل مباشرة لمحاولة احتوائها، في الوقت الذي كانت العلاقات بين روما وبرلين تتعرض لاهتزاز مماثل أيضاً بسبب أزمة المهاجرين.
معاقبة ميلوني
مع هذا، ورغم المساعي الحثيثة التي كانت تبذل على جبهات عدة لتطويق هاتين الأزمتين، بقيت باريس مصمّمة على «معاقبة» ميلوني في العلاقات الثنائية وفي الملفات الأوروبية التي تهمّ إيطاليا، وأيضاً ظلت مصممة على توجيه رسالة واضحة إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تتمدّد داخل الاتحاد الأوروبي... والتي بات وصولها إلى الحكم، أو مشاركتها فيه، يتقدم إلى صدارة الهواجس الأوروبية.
يأتي هذا التوتر في العلاقات بين شريكين أساسيين في الاتحاد الأوروبي بعدما كانت فرنسا وإيطاليا قد تجاوزتا مرحلة أخرى شديدة التوتر في عهد الحكومة الإيطالية الشعبوية السابقة، وصلت إلى حد استدعاء باريس سفيرها في روما لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية. ويُذكر أن الأزمة نشأت عندما قام نائب رئيس الحكومة الإيطالية (آنذاك) لويجي دي مايو بزيارة إلى العاصمة الفرنسية للتضامن مع مجموعة من «السترات الصفر» التي كانت تنظّم احتجاجات عنيفة ضد ماكرون. ثم تفاقمت العلاقات لاحقاً بفعل التصريحات المتكررة المعادية لفرنسا التي كان يطلقها ماتيو سالفيني، زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف والنائب الآخر لرئيس الحكومة الإيطالية. ويومذاك، أدّى كلام سالفيني إلى قرار باريس إقفال الحدود البريّة مع إيطاليا وإلى قطيعة دبلوماسية كاملة طالت أشهراً بين البلدين. ولكن، بعد سقوط تلك الحكومة الشعبوية، لعب رئيس الجمهورية الإيطالي ماتاريلا دوراً أساسياً في التهدئة ورأب الصدع بين البلدين. وأثمرت جهود ماتاريلا توقيع اتفاقية للتعاون الاستراتيجي، طوت صفحة الخلافات، ومهّدت لـ«شهر عسل» بين باريس وروما، في عهد رئيس الحكومة الإيطالية السابق ماريو دراغي. ومع هذه الاتفاقية، بدأت تظهر ملامح محور أوروبي جديد بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
«المشروع الأوروبي»
والحسابات الداخلية
اليوم، ترى أوساط دبلوماسية أوروبية في العاصمة الإيطالية أن الخطأ الذي ارتكبته ميلوني في مقاربتها للأزمة، أعطى باريس فرصة استراتيجية لتفعيل المخطط الذي كان الرئيس الفرنسي يعمل لإعداده مع حلفائه الأوروبيين بهدف تطويق القوى اليمينية المتطرفة الحاكمة في بلدان الاتحاد، و«تحديد» قواعد المواجهة الجديدة مع الدول الأعضاء التي تستهدف «المشروع الأوروبي» أو تسعى إلى تغيير المبادئ الأساسية المشتركة التي يقوم عليها.
وإذ تعترف هذه الأوساط بأن ردة الفعل الفرنسية كانت مُبالغاً فيها، ترى أن ميلوني لم تأخذ في الاعتبار أن ماكرون يواجه المعركة ذاتها مع ناخبيه حول موضوع الهجرة. هذا، فضلاً عن أن رئيسة الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرفة تذكّر الرئيس الفرنسي بغريمته السياسية الفرنسية مارين لوبان، ما يعني أنه ليس من الوارد أن يظهر في موقف الضعيف أو المتهاون أمامها.
في المقابل، فإن المقاربة الإيطالية لهذا الملف الشائك تخضع هي أيضاً لمقتضيات الوضع الداخلي، وتدفع ميلوني إلى التصلّب في موقفها للتعويض عن انسداد الأفق أمامها في معالجة الملفات الأخرى الملحة. وهي هنا توجه رسالة إلى ناخبيها، مفادها أنها مستعدة للذهاب أبعد من حكومة دراغي في معالجة أزمة الهجرة، ولا سيما أنها ليست قادرة في المرحلة الراهنة على تنفيذ الوعود التي قطعتها في حملتها الانتخابية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة. فضلاً عن ذلك، فإن ميلوني محكومة بعجزها عن إبداء أي تساهل في معالجة ملف الهجرة لمعرفتها أن حليفها «اللدود» سالفيني يتحّين هذه الفرصة للمزايدة عليها شعبوياً ويمينياً... محاولاً استعادة شعبيته الضائعة التي نزحت إلى معسكر ميلوني و«فاشييها الجدد».
ثم إنه رغم التعهدات التي أعلنتها ميلوني عند تكليفها تشكيل الحكومة الجديدة بألا تغيّر السياسة الخارجية التي كانت تنهجها حكومة دراغي، فقد أدّت القرارات والخطوات التي أقدمت عليها خلال أقل من شهر منذ توليها الحكم، إلى تعديل التحالفات الأساسية التي كانت تستند إليها تلك السياسة، وبخاصة في الدائرة الأوروبية التي تشكّل المجال الحيوي لهذه السياسة. وحقاً، بعدما كانت الحكومة السابقة قد استعادت أجواء التناغم والانسجام مع المحور الفرنسي - الألماني، التي جسّدتها الزيارة الثلاثية التي قام بها دراغي وشولتز وماكرون إلى العاصمة الأوكرانية كييف في يونيو (حزيران) الفائت، يخيّم الآن صمت دبلوماسي شبه تام بين روما والقوتين الكبريين في «منطقة اليورو». يضاف إلى ذلك أن التقارب الذي كان قد حصل بين روما ومدريد، يبدو اليوم مهدداً بعدما رفضت إسبانيا الانضمام إلى مبادرة البلدان المتوسطية ضد سياسة الهجرة، وهي السياسة التي كانت إيطاليا قد ردّت بها على التهديدات الفرنسية. وهذا مؤشر إلى أن مدريد تقف على أبواب انتخابات عامة، يرجح أن يفوز بها الحزب الشعبي المحافظ، الذي قد يضطر إلى التحالف مع الحزب اليميني المتطرف «فوكس» لتشكيل حكومة.
حسابات ومخاوف
على أي حال، ما تخشاه الأوساط الأوروبية هو أن تؤدي هذه الأزمة وما تنشأ عنها من تداعيات في حال فشل مساعي احتوائها سريعاً، إلى إعطاء ميلوني الذريعة المنشودة لمدّ الجسور مع بلدان «مجموعة فيشغراد». وهذه الأخيرة هي التحالف السياسي الذي نشأ في العام 1991 ويضمّ بولندا والمجر وسلوفاكيا وتشيكيا، التي تسيطر على الحكم فيها أحزاب يمينية تسعى إلى إعادة النظر في القواعد التأسيسية للمشروع الأوروبي وتغيير معادلات النفوذ داخل المؤسسات الأوروبية. لكن أوساطاً أخرى تميل إلى الاعتقاد بأنه يستحيل على فرنسا وإيطاليا الاستمرار في هذا الصدام... نظراً إلى الترابط الوثيق بين مصالح البلدين. وبالتالي، ترى أن مياه العلاقات الثنائية ستعود قريباً إلى مجاريها.
في مقابل ذلك، يرى المراقبون الدبلوماسيون في العاصمة الإيطالية أن هامش المناورة للتراجع في ملف الهجرة يكاد يكون معدوماً أمام ميلوني. والسبب هو طبيعة التحالف الحاكم الذي تتنافس أطرافه الثلاثة على زعامة المعسكر اليميني وتجنح من منطلق شعبوي إلى التطرف في هذا الملف لبلوغ هدفها، وأيضاً لحاجتها الملحة لتحويل الانتباه عن الأزمة المعيشية، على الأقل في الأشهر الأولى من ولايتها.
للعلم، كانت ميلوني قد أعلنت هذا الأسبوع حالة «التعبئة الدبلوماسية» لاحتواء تداعيات الأزمة التي تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد، ولاتساع دائرتها خارج الحيّز الثنائي بين باريس وروما، خاصة بعد التصريحات الأخيرة لرئيسة الحكومة الإيطالية التي قالت فيها: «الأزمة الدبلوماسية مع فرنسا لم تعلّمني أي جديد لم أكن أعرفه. سأواصل القيام بواجبي في الدفاع عن مصالح الأمّة وحماية أمنها وحدودها، رغم التلويح بالعزلة والانهيار المالي». لكن من المتوقع أن يزداد الضغط على الحكومة الإيطالية خلال الأسابيع المقبلة، في ضوء البيانات الأخيرة عن تدفقات المهاجرين الكثيفة القادمة من الشواطئ الليبية المحاذية لمصر، والتي استنفرت خفر السواحل والأجهزة الأمنية الإيطالية. هذا، في الوقت الذي كانت شعبية ميلوني تسجّل ارتفاعاً غير مسبوق بلغ نسبة 53 في المائة. وكانت هذه البيانات أفادت أن عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية في الأسابيع الأربعة الأخيرة قد تجاوز 18 ألفاً، على الرغم من سوء الأحوال الجوية وانعدام وجود أي سفن إنقاذ تابعة للمنظمات غير الحكومية في عرض البحر خلال هذه الفترة. وأيضاً، عُلم أن ثلثي هذا العدد جاء من السواحل الشرقية الليبية. هذا، وتأتي هذه التدفقات التي زادت عن 50 ألفاً منذ بداية العام الحالي، بعد تجديد الاتفاقات الموقعة بين روما وطرابلس لتمويل مراقبة الشواطئ الليبية، وبعد انقطاع سبل الحوار والتعاون بين إيطاليا والبلدان الواقعة على الضفة المقابلة من البحر المتوسط. يضاف إلى ما سبق أن عدد المهاجرين المصريين الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية منذ مطلع هذا العام قارب 20 ألفاً، متجاوزاً بذلك عدد المهاجرين التونسيين الذين كانوا دائماً يحتلون المرتبة الأولى.
الأرقام الحقيقية للمهاجرين
في سياق متصل، تقود فرنسا راهناً حملة أوروبية تهدف إلى «كشف الأرقام الحقيقية» لأزمة الهجرة، كما جاء في تصريح للناطق بلسان الحكومة الفرنسية أوليفييه فيران، وتفنيد مزاعم حكومة ميلوني بأن إيطاليا تتحمل وحدها عبء الهجرة غير الشرعية الوافدة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وتستند هذه الحملة إلى بيانات المرصد الأوروبي «يوروستات»، التي تفيد أن عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى إيطاليا منذ بداية هذا العام حتى نهاية الشهر الفائت، بلغ ضعفي الذين وصلوا خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، في غياب أي استراتيجية للتنسيق مع بلدان المنشأ والعبور، والتركيز على استهداف المنظمات غير الحكومية وسفن الإنقاذ التابعة لها، التي أنقذت 10 آلاف مهاجر من أصل 100 ألف تقريباً وصلوا منذ مطلع العام الحالي.
كذلك، تذكّر الحملة بأن سياسة إغلاق الموانئ في وجه سفن الإنقاذ ليست كافية وحدها لمعالجة الأزمة، لأن وجود هذه السفن في عرض البحر ليس الدافع الأساسي وراء تدفق المهاجرين إلى السواحل الأوروبية، بل الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بلدان شمال أفريقيا والعمق الأفريقي. وعليه، فإن فكرة «خطة مارشال» أوروبية لمساعدة البلدان الأفريقية يجب أن تكون هي الأساس لأي سياسة مشتركة من أجل معالجة أزمة الهجرة في الأمد الطويل.
وفي مقابل ذلك، نبهّت باريس إلى أن تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر «طريق البلقان» بلغت 128 ألفاً العام الماضي، أي ما يقارب نصف التدفقات الإجمالية التي بلغت 275 ألفاً، وأكثر من تلك التي وصلت إلى سواحل إيطاليا. وتذكّر الحكومة الفرنسية بأن معظم المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى أوروبا يطلبون اللجوء لاحقاً في بلدان أوروبا الوسطى؛ خصوصاً ألمانيا وفرنسا والنمسا. وبالتالي، فإن أي خطة مشتركة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن «طريق البلقان» هي البوابة الرئيسة للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وليست إيطاليا. ثم إن الغالبية الساحقة من المهاجرين ينتهي بهم الأمر لاحقاً في بلدان أوروبا الوسطى والشمالية. إلى جانب ذلك، ذكّرت المفوضية الأوروبية أخيراً بأنه مع وصول الموجات القاسية الأولى من الشتاء، وتفاقم أزمة الطاقة الخانقة في أوكرانيا بعد القصف الروسي المركز على منشآت إنتاج الطاقة وتوزيعها، من المتوقع أن ينزح نحو 3 ملايين أوكراني إضافي إلى أوروبا في الأسابيع والأشهر المقبلة.

ماتاريلا

حلم «المجر الكبرى» عند فيكتور أوروبان
* في حين يستبعد المسؤولون في المـؤسسات الأوروبية أن يكون التوتر الحاصل في العلاقات بين باريس وروما، والفتور الذي يعتري علاقة إيطاليا بألمانيا وإسبانيا، ثمرة استراتيجية مدروسة لإرضاء فئة معينة من الناخبين في هذه البلدان. ومع ترجيح هؤلاء أن يكون نتيجة خطأ في الحسابات الإيطالية، ناجم عن قلة خبرة رئيسة الحكومة الإيطالية الجديدة جيورجيا ميلوني، وتواضع تمرسها في العلاقات الدولية، فإنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن باريس لن تفوّت هذه الفرصة للمضي في خطة توجيه الرسائل إلى الحكومات والقوى اليمينية المتطرفة في الاتحاد، وتحديد قواعد المواجهة معها.

أوربان

ويشير هؤلاء إلى أن القيادة الفرنسية تعتمد على دعم محدود زمنياً من كل من ألمانيا وإسبانيا وبلجيكا، وكذلك في الفترة الأخيرة، من البلدان المجاورة للمجر، بعد استحضار رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوروبان فكرة «المجر الكبرى» التي تشكّل الأساس العميق لمشروعه السياسي.
وكان أوروبان قد ظهر أخيراً في مباراة ودية لكرة القدم بين المجر واليونان، وهو يرتدي وشاحاً يحمل خريطة لبلاده، تضمّ بعض المناطق من البلدان المجاورة كانت قد خسرتها المجر عند سقوط الإمبراطورية النمساوية المجرية في الحرب العالمية الأولى. ولقد سارعت رومانيا إلى التنديد بما وصفته «استفزازاً غير مقبول، يتعارض مع الواقع الحالي والاتفاقات المعقودة بين البلدين». وبادرت أوكرانيا إلى استدعاء السفير المجري في كييف، معتبرة «أن هذا التصرف، في مثل هذا الوقت بالذات، لا يساعد على حسن سير العلاقات الثنائية، بل يتعارض مع مبادئ السياسات الأوروبية».

ماكرون

هذا، وعلّق رئيس الوزراء المجري على ردود الفعل الأولى للدول المجاورة بالقول: «المنتخب الوطني المجري هو لكل المجريين حيثما كانوا». تجدر الإشارة إلى أنه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، اقتُطع من المجر ثلثا أراضيها، وتوزّعت المناطق المقتَطعة على رومانيا وسلوفاكيا وصربيا وأوكرانيا والنمسا وكرواتيا وسلوفينيا وبولندا. الأمر الذي أدّى إلى وجود جاليات مجرية كبيرة في هذه البلدان... وبالأخص، رومانيا التي يبلغ عدد المجريين فيها 6 في المائة من السكان. كما يزيد عدد المجريين على نصف مليون نسمة في كل من صربيا وكرواتيا.
وفي أول ردة فعل أوروبية على هذه الحادثة، دعا ناطق بلسان المفوضية إلى «الامتناع عن أي تصرفات من شأنها تعكير الاستقرار الأوروبي وتوجيه رسائل تتعارض مع مبادئ حسن الجوار».



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.