فلورنسا... جميلة توسكانا ومهد النهضة وليوناردو دا فينشي ومايكل أنجلو

ما الأسباب التي تجعلك تزورها أكثر من مرة؟

فلورنسا مدينة الفن الجميل (شاتر ستوك)
فلورنسا مدينة الفن الجميل (شاتر ستوك)
TT

فلورنسا... جميلة توسكانا ومهد النهضة وليوناردو دا فينشي ومايكل أنجلو

فلورنسا مدينة الفن الجميل (شاتر ستوك)
فلورنسا مدينة الفن الجميل (شاتر ستوك)

لكل مدينة في إيطاليا سحرها، ولكل مقاطعة جمالها وسماتها. عندما تذكر صقلية تشتمّ رائحة التوابل والبهارات، وعندما تذكر سردينيا تتذكر الشواطئ ورائحة السمك المنبعثة من أطباقها، وعند الحديث عن باري تشتهي أكل جبن البوراتا، وعندما تذكر توسكانا تتخيل أشجار السرو الرفيعة والطويلة التي تصطف جنباً إلى جنب مستقبلة الزوار الذين يأتون إليها بهدف الغوص في التاريخ والفن والأكل وتذوق ألذّ أنواع زيت الزيتون.

جسر «فيكيو» الأشهر والأقدم في فلورنسا

في زيارة استمرت أسبوعاً كاملاً إلى إيطاليا، بدأت من صقلية، وتوقفت في روما، لتنتهي في فلورنسا، لنكون بذلك قد غطينا 3 مدن إيطالية، تنتمي كل منها إلى مقاطعة مختلفة، وتحمل كل منها صفاتها، لكن تبقى الصفة المشتركة في نهاية المطاف هي الجمال، وأمنية العودة لزيارة المدينة من جديد.

سافوي من أهم وأجمل أماكن الإقامة في وسط فلورنسا

الطقس كان مشمساً ودافئاً في يوم غير عادي من أيام شهر أكتوبر (تشرين الأول) الخريفي، ونقطة الانطلاق كانت من محطة «تيبورتينا» للقطارات، وما أن تركنا روما حتى بدأت المناظر تتبدل والطبيعة تتغير منذرة بروعة حقيقية في انتظارنا في فلورنسا المدينة الكبرى في مقاطعة توسكانا وعاصمتها، وبيت أهم روائع النهضة الفنية والهندسة المعمارية المتجسدة في مبنى الـ«دوومو»، وهو عبارة عن كاتدرائية بقبة، قام بهندستها برونيليشي، في حين صمم جرسها جيوتو، و«غاليريا ديل أكاديميا» حيث تجد منحوتة «ديفيد» لمايكل أنجلو، وغاليري «أوفيتزي» حيث تجد معروضات دا فينتشي وبتيشيللي.

ديكور ناعم ومريح

صحيح أن روما هي مهد الفن والروعة المعمارية، إلا أن فلورنسا لا تقل روعة عن العاصمة الإيطالية، لكنها تعيش في هدوء أكبر من روما، من دون أن تبخل على زوارها بالكم الهائل من المعمار والفن حتى التسوق، أضف إلى ذلك الريف والخضرة والجبال القريبة.
ساعة ونصف ساعة بواسطة القطار من روما، تأخذك إلى محطة «ماريا نوفيلا»، لتبدأ رحلة اكتشاف هذه المنطقة الساحرة، والغوص في تاريخها السياسي المضطرب فترة حكم عائلة مديتشي القوية والثورات الدينية والديمقراطية، فكان يطلق على هذه المدينة ما بين عامي 1865 و1870 لقب عاصمة مملكة إيطاليا، وكانت تعرف أيضاً باسم «جوهرة النهضة».

ما الأسباب التي تجعلك تزور فلورنسا أكثر
من مرة؟

الأسباب كثيرة، لأن فلورنسا ليست مجرد مدينة، بل كنز حقيقي يحوي كثيراً من المجوهرات التي تستحق التمعن، وأجمل ما فيها هو المشي والالتحاق برحلات سياحية للمشاة التي تأخذك إلى أزقة المدينة للتعرف على أجمل معالمها وأشهر جسر فيها، وهو «بونتي فيكيو» Ponte Vecchio، وهذا الجسر سيكون المسلك اليومي لتحركاتك، لأن العبور من خلاله مهم جداً وأساسي، فهو مخصص للمشاة ويربط طرفي المدينة.

من أطباق مطعم «إل باريوني»


من أجمل ساحات فلورنسا؛ «بياتزا ديل دوومو» حيث تجد أجمل التماثيل وأجمل الواجهات الرخامية وأفضل طريقة للصعود إلى أعلى مبنى الـDuomo وتفادي الانتظار في طابور طويل، لشراء تذكرة والالتحاق بجولة مع دليل سياحي، تخولك الصعود لرؤية أجمل مباني فلورنسا وأسطحها المكسوة بالقرميد الأحمر. تستغرق الرحلة نحو ساعتين ونصف ساعة.
وتعتبر ساحة «مايكل أنجلو» من أكثر الأماكن النابضة بالحياة، وأجمل ما فيها هو موقعها على تلة مرتفعة مطلة على جميع معالم فلورنسا، وهذه الساحة مناسبة جداً لمحبي غروب الشمس. يتجمهر فيها الناس قبل موعد المغيب كل يوم ليصطفوا على شرفتها الشاهقة وعلى سلمها العريض للتمتع بالمنظر المطل على المدينة وسماع الموسيقى التي يعزفها موسيقيّو الطريق ويشاهدون العروض الفنية الحية.
وإذا كنت من عشّاق وداع الشمس في وقت الغروب، فأنصحك بالتوجه إلى جسر «سانتا ترينيتا» حيث ستشاهد لوناً غريباً للشمس، وهي تحترق محولة السماء إلى كرة باللون البرتقالي، وهي تغرق وتختفي خلف الأفق، ومن الجسر ترى الناس يصطفون على ضفتي الجدران التي تحرس جانبي النهر الذي يتحول في تلك اللحظة إلى مرآة تعكس صورة جسر «بونتي فيكيو» الأقدم في فلورنسا. وإذا حوّلت نظرك إلى الجهة اليمنى من الجسر ترى القصور وهي ترمي بظلها في النهر، ليتحول هذا المكان عند الغروب كل مساء إلى أجمل نقطة رومنسية يأتيها الزوار من كل الأماكن لمشاهدة تلك اللحظات المدهشة.
أما إذا كنت تبحث عن نقطة رائعة لمشاهدة غروب الشمس، لكن في مكان لا يقصده السياح كثيراً وغير مكتظ بالناس فأنصحك بالتوجه إلى «Fiesole» ويمكن الوصول إليه بواسطة التاكسي أو حافلة النقل العام، وتبعد هذه النقطة بنحو 20 دقيقة من وسط المدينة.
من أجمل الحدائق في المدينة هي حديقة Cascine، وفيها تمضي ساعات طويلة تتمتع خلالها بالخضرة والطبيعة الخلابة والزهور الملونة، والأهم هو أن الدخول إليها مجاني.
وللغوص أكثر من التاريخ الغابر الذي تتنفسه في كل زاوية من زوايا فلورنسا لا بد من زيارة قصر Palazzo Strozzi الذي يعود بناؤه إلى عام 1489 وهو من بين القصور المميزة، لأنه يضم معرضاً للفنون المعاصرة، وفيه أجمل اللوحات الفنية، والدخول إليه مجاني أيضاً.

التسوق في فلورنسا
تعتبر فلورنسا روما مصغرة عندما تبحث عن التسوق، حيث توفر جميع وأهم الماركات الإيطالية من دون أي استثناء، ففي فلورنسا تنحصر المحلات في شوارع قريبة بعضها من بعض، ولن تضلّ طريقك في الوصول إليها، فوسط المدينة صغير نسبياً، وكل الشوارع تتلاقى، فسيكون من السهل جداً إيجاد المحلات التجارية التي تبيع السلع الراقية، إضافة إلى البوتيكات الصغيرة المستقلة أيضاً. إذا كنت تبحث عن ماركات مثل «ميو ميو» و«أرماني» وغيرهما، فتجدها جميعاً بالقرب من الدوومو وساحة «Piazza Dell Signoria»، أما إذا كنت تفضل التبضع في مكان واحد فقد يكون مركز «لا ريناشينتي» هو الخيار الأفضل، لأنه يبيع أغلب الماركات الإيطالية والعالمية تحت سقف واحد، وتنتشر أيضاً محلات كثيرة عند شارع «فيا دي كالزيولي» وشارع «فيا دي تورنابووني» حيث تجد «غوتشي» و«بوتشي» و«برادا». ويبقى محل «غوتشي غاردن» عنواناً من الضروري أن تتوجه إليه، وهو يقع عند ساحة «بياتزا ديلا سينيوريا» ليس بهدف التبضع فقط، إنما لزيارة متحف «غوتشي» التابع له، والدخول إلى المحل التجاري بالمجان. أما تذكرة دخول المتحف فيبلغ ثمنها نحو 10 يوروهات، وتجد في غوتشي غاردن ما لا تجده في أي محل «غوتشي» حول العالم، لأن الدار تقوم بتخصيص بعض التصميمات لحقائب اليد والملابس والأحذية لـ«غوتشي غاردن» فقط.
ولمحبي الأسواق الشعبية والتذكارات، يعتبر شارع «ميركات ديل بوركيه» من أجمل الأماكن التي تجد فيها الهدايا والمنتجات المحلية، وهذه السوق تفتح من الساعة التاسعة صباحاً، حتى الساعة السادسة والنصف مساء.
الإقامة
يوجد في فلورنسا كثير من الفنادق، بميزانيات مختلفة، لكن إذا كانت زيارتك قصيرة وتفضل النزول في وسط المدينة حيث لن تكون بحاجة لاستخدام سيارات الأجرة أو النقل العام، وكنت من نوعية السياح التي لا تأبه للسعر، طالما أن الفندق راقٍ ويتمتع بموقع ممتاز، فأنصحك في هذه الحالة بفندق «هوتيل سافوي» Hotel Savoy الواقع عند «بياتزا ديلا ريبوبليكا» التابع لشركة روكو فورتيه، التي تأسست على يد سير روكو فورتيه، وشقيقته أولغا بوليتزي، عام 1996. وتضم هذه العلامة 14 فندقاً ومنتجعاً حول العالم، وميزة الفنادق التابعة لهذه العلامة بما فيها «سافوي» أنها تختار مباني أثرية وتطورها وتركز فيها على حجم الغرف لتكون كبيرة. ويوجد في «سافوي» جناح خاص يطلق عليه «جناح السبا»، مخصص لضيوف الفندق، ومنه تطل على أجمل مباني المدينة التي تتميز بقببها وأسطحها الحمراء.
ومن عناوين الإقامة المميزة في فلورنسا فيلا سان ميكيلي - بلموند هوتيل. تقع على تل في دير من القرن الخامس عشر. واجهة عصر النهضة الجميلة مستوحاة من أعمال مايكل أنغلو، بينما تمزج التصميمات الداخلية بين السمات التاريخية والمفروشات المعاصرة. يقع مكتب الاستقبال في الكنيسة السابقة للدير، مع أسقف عالية وأقمشة مخملية غنية بألوان عميقة. تم تحويل الأديرة إلى صالة استقبال.

فندق «إل تورنابووني»

يقع في شارع «فيا تورنابووني» الفاخر، الذي يعد من أجمل شوارع فلورنسا، وهو فندق أنيق يقع في قصر من القرن الثالث عشر. تم الحفاظ على الميزات الأصلية فيه قدر الإمكان، بما في ذلك مدفأة أصلية في إحدى الغرف، ولوحات جدارية رائعة في سقف الغرف الأخرى. ويتميز بموقعه القريب من التسوق.

بورتريه فيرنزي
يحتوي على أجنحة فقط، تملكه عائلة فيراغامو بخمسينات وستينات القرن الماضي عندما انطلقت الأزياء الإيطالية الراقية وأصبحت فلورنسا نقطة جذب للمشاهير. تصطفّ الصور بالأبيض والأسود لنجوم السينما على الجدران، حتى إن هناك إيصالاً وُضع في إطار لحذاء للنجمة مارلين مونرو من دار فيراغامو، بينما تقدم النوافذ الممتدة من الأرض حتى السقف مناظر خلابة لنهر أرنو وجسر فيكيو.

فندق «فورسيزونز»
يمتد هذا الفندق الفخم على مبنيين كبيرين من عصر النهضة، ويقع في «Giardino della Gherardesca»، تم تزيين الديكورات الداخلية بمصنوعات فنية رائعة.
المطاعم
في إيطاليا، وفي أي مدينة، لن تكون بحاجة لتوصيتك بالمكان الأفضل لتناول الطعام فيه، فهناك بعض الأماكن مخصصة للسياح، لكنها قد لا تكون على المستوى المطلوب، ابحث دائماً عن الأماكن التي تجد فيها أهل البلد وعن الـ«تراتوريا»، أي المقاهي التقليدية.
إليك أفضلها في فلورنسا: «إل باريوني» Il Parione و«لا غيوسترا» La Giostra و«تراتوريا ماريوني» Trattoria Ma Marione و«تراتوريا ماريو» Trattoria Mario. لاحظنا في فلورنسا أن البيتزا شبه مختفية عن لوائح الطعام، لأن الأطباق الأشهر في توسكانا هي الباستا، ولا سيما تلك التي تقدم مع الكمأة المحلية، لكن في حال كنت من محبي البيتزا وتبحث عن مطعم جيد وغير مخصص للسياح في فلورنسا، فأنصحك بمطعم «نيرومو» Neromo. ولمحبي الطعام الراقي والحاصل على نجمة ميشلان فأنصحك بـ«غوتشي أوستيريا دا ماسيمو» Gucci Osteria Da Massimo التي تترأس مطبخه الطاهية المكسيكية من أصول لبنانية كريمة لوبيرز، يشار إلى أنه تم افتتاح «غوتشي كافيه» Gucci Cafe بالقرب من المطعم الرئيس، الذي يقدم الشاي والقهوة والمأكولات الخفيفة، بالإضافة إلى الحلويات المنمقة.


مقالات ذات صلة

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

سفر وسياحة إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
سفر وسياحة منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة

عادل عبد الرحمن (لندن)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري عقب توقيع اتفاقيتي «إدارة وتشغيل المنظومة الرقمية المستحدثة» بمطار القاهرة يوم الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تأشيرة رقمية فورية بمطار القاهرة لتسهيل دخول السياح

تشرع الحكومة المصرية في تطبيق تأشيرة رقمية فورية بمطار القاهرة الدولي في أغسطس المقبل، تمهيداً لتعميم هذه الخدمة على باقي المطارات.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
الاقتصاد توقعات بزيادة عدد رحلات الطيران الملغاة في كوريا الجنوبية خلال يونيو (إكس)

شركات طيران في كوريا الجنوبية تقلص رحلاتها جراء ارتفاع أسعار النفط

ألغت شركات الطيران منخفض التكلفة في كوريا الجنوبية 900 رحلة طيران للذهاب والعودة وأقرت إجازات غير مدفوعة الأجر وإجراءات طوارئ أخرى جراء حرب إيران

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مسافرون ينظرون إلى لوحة الإعلانات بمطار هامبورغ قبل السفر (رويترز)

تحذيرات في ألمانيا من إلغاء رحلات الطيران بسبب ارتفاع أسعار الكيروسين

في ضوء الفجوات المتوقعة في إمدادات الكيروسين، حذر الاتحاد الألماني للمطارات من إلغاء محتمل لملايين الرحلات الجوية وارتفاع أسعار تذاكر الطيران.

«الشرق الأوسط» (برلين)

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.


«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
TT

«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)

هل تخطط لزيارة الريف الإنجليزي في عطلة الصيف المقبل؟ إذا كنت ترغب فعلاً في ذلك، ولا تريد أن تبتعد كثيراً عن لندن، فـ«قصر ليدز» قد يكون ضالتك. «قصر الملكات»، كما يُطلق عليه، لا يبعد أكثر من ساعتين عن لندن، وهو يستحق بلا شك يوماً على الأقل يتم قضاؤه في استكشاف تاريخ القصر، وساكنيه، والاستمتاع بمحتوياته الملوكية، وحدائقه الرائعة، والبحيرات والأنهار المحيطة به. وفوق ذلك، لا بد من تجربة «المتاهة» الموجودة في أرجائه، التي «تحتجز» بحقّ من يدخلها وتتحداه أن يعرف طريقة الخروج من شبكة معابرها المعقدة... وكما أي شيء آخر يحصل في بريطانيا، سيكون اليوم أكثر متعة لو كان الطقس مشمساً.

إحدى تلال القصر

يقع «قصر ليدز» في مقاطعة كنت، شرق لندن، وليس كما يوحي الاسم في مدينة ليدز، شمال إنجلترا. القصر موغل في القدم، إذ يرِد ذكره للمرة الأولى في كتاب يوم الدينونة (Domesday Survey) عام 1086، الذي تم فيه إجراء مسح شامل لتسجيل سكان إنجلترا وممتلكاتهم، بأمر من الملك ويليام الفاتح، دوق النورماندي الذي غزا إنجلترا وتوّج ملكاً عليها إثر «معركة هيستينغز» عام 1066. في ذلك المسح، سُجّل القصر المقام على جزيرتين وسط نهر لين (River Len)، باسم أودو، مطران بايو، الأخ غير الشقيق لويليام الفاتح. لكن القصر انتُزع منه ومُنح لعائلة أخرى عقب وصول ملك جديد إلى سدة الحكم.

وعلى مدى سنوات طويلة، تم تطوير القصر وتوسيعه، وتعزيز دفاعاته، خصوصاً بعد تحويله إلى «قصر ملكي» بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. بين عامي 1278 و1290، سكنت القصر الملكة الإسبانية إيلانور القشتالية، زوجة الملك إدوارد الأول. ومن القصص الطريفة التي تُروى عن تلك الحقبة، أن حماماً بني في القصر خصيصاً للملك إدوارد، بعد وفاة زوجته إيلانور. السبب؟ أن الملك استمتع بتجربة الاستحمام خلال مشاركته في الحروب الصليبية في «الأراضي المقدسة»، فبني له حمّام في قصر ليدز لهذه الغاية خصيصاً.

الملكة كاثرين الأرغوانية ابنة إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون

ولتعزيز علاقته بفرنسا، تزوج إدوارد الأميرة الفرنسية مارغريت (أخت الملك فيليب الرابع المعروف بـ«الملك العادل»). قدّم إدوارد القصر لمارغريت كمهر زواج، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة اعتبار القصر جزءاً من مهر الملكة، وبقى في ملكيتها بعد وفاة زوجها.

لم تسر تلك المسيرة بلا شوائب. فبعد وفاة والدته، لم يسارع الملك إدوارد الثاني إلى منح القصر لزوجته الملكة، بل أهداه إلى أحد النبلاء، يدعى بادلسمير. ارتكب هذا الأخير خطأ لا يُغتفر. فقد رفض أن يأذن للملكة إيزابيلا بزيارة القصر عندما طلبت إذناً بذلك. فما كان من الملك إدوارد سوى أن حاصر القصر وسيطر عليه... وقطع رأس بادلسمير.

توالى على القصر ملوك وملكات، وتوالت الزيجات وخلافات التوريث. قصص طويلة، مشوقة، وحزينة، لمن يهتم بتاريخ إنجلترا وملوكها. من بين القصص التي تستحق التوقف عنها قصة الملكة جوانا النافارية (شمال إسبانيا) التي عوملت في البداية معاملة حسنة من الملك هنري الخامس، ابن زوجها، لكن العلاقة بينهما ساءت لاحقاً. وفي عام 1419، اتهمها بأنها تستخدم السحر لقتله. صادر عائداتها المالية، وأمر بسجنها، ثم وضعها في إقامة جبرية. قبل وفاته، لان قلب الملك كما يبدو، فأعادها إلى القصر ومنحها حريتها. معاناة جوانا، يوماً بعد يوم، مروية في كتاب ضمن أرشيف القصر.

استمر القصر ملكياً على مدى قرون... إلى أن تم نقله إلى الملكية الخاصة في القرن السابع عشر مع نهاية حقبة أسرة تيودور. في عام 1665، استخدم القصر لإيواء أسرى الحرب مع هولندا، قبل تغيير ملكيته مجدداً إلى أسرة اللورد فيرفاكس، مع استمرار زيارات الأسرة الملكية الإنجليزية للقصر وقضاء وقت فيه.

الليدي بايلي مع ابنتيها

في القرن العشرين (عام 1925)، انتقلت ملكية القصر إلى السيدة أوليف بيجيت، الثرية الإنجليزية – الأميركية، التي كانت تفتش عن مكان ريفي تستريح فيه بمقاطعة كنت. أشرفت أوليف، التي صارت تُعرف بـ«الليدي بايلي» بعد زواجها للمرة الثالثة، على تحسينات واسعة في القصر، الذي تحوّل خلال الحرب العالمية الثانية إلى مركز إيواء تتم فيها معالجة الجنود الذين تم إجلاؤهم من دنكيرك خلال الزحف النازي في غرب أوروبا. بعد وفاة الليدي بايلي عام 1974، انتقلت ملكية القصر إلى «مؤسسة قصر ليدز» التي حوّلته إلى مركز سياحي يزوره أكثر من 600 ألف زائر سنوياً.

بعد هذه الجولة على تاريخ القصر، هذه قائمة بأبرز الأشياء التي يمكن للزائر أن يراها أو يقوم بها خلال زيارته «قصر ليدز».

غرف القصر

يمكن للزائر أن يحصل على دليل مسموع يشرح له قصص القصر وساكنيه غرفة غرفة. هذه مكتبة، وتلك غرفة طعام وإلى جانبها غرفة نوم تحوي سريراً فاخراً. ستتعرف على مشاهير قضوا أوقاتاً في القصر، مثل تشارلي شابلن وإيرول فلين وإيان فليمنيغ وونستون تشرشل. ستطلع أيضاً على رسومات لملكات وملوك إنجلترا السابقين ممن أقاموا في القصر.

الملكة كاثرين خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس

ولعل ما سيلفت انتباه الزوار مدى اختلاف مقياس «الجمال» فنياً بين الماضي والحاضر. فالملكة كاثرين تبدو حقاً وكأنها في مأتم خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس الذي يبدو أيضاً عابساً في اللوحة تماماً كالقسيس الذي يعقد قرانهما وكبقية الحاضرين لحفل الزفاف. في المقابل، تبدو «الليدي بايلي» مع ابنتيها في لوحة مشرقة أمام حديقة القصر. في الواقع، هناك ما لا يقل عن 500 عام بين معايير الجمال في لوحة كاثرين وهنري، وتلك التي تظهر فيها بايلي مع ابنتيها.

المتاهة

منظر من إحدى نوافذ القصر

لا بد لأي زائر أن يجرب «المتاهة» (Maze) في حديقة القصر. في الحقيقة، سيكون الزائر محظوظاً إذا وجد طريقه للخروج من هذه الشبكة المعقدة من المعابر التي يشبه بعضها بعضاً، فيجد من يدخل المتاهة نفسه محتجزاً في سجن يركض فيه من ممر إلى آخر ليعود إلى نفس النقطة التي انطلق منها، فيعاود الكرة مراراً ليجد نفسه مجدداً في المكان ذاته. في أي حال، لا بد أن يجد الزائر طريقة ما للخروج، ربما من خلال تتبع خطوات زوار آخرين نجحوا في الوصول إلى نقطة النهاية. إذا كنت تخشى أن «تضيع» ولا تعرف كيف تخرج من «المتاهة»، فالنصيحة ألا تدخلها... لكنها تبقى تجربة ممتعة بلا شك، سواء أكنت وحدك أم في تحدٍّ مع أفراد أسرتك حول من يعرف طريقة الخروج أولاً.

في أسفل «المتاهة» نفق تحت الأرض يحوي تماثيل لكائنات بحرية مصنوعة يدوياً، مع إنارة مميزة، لمن يرغب في مثل هذه التجربة.

الطيور

الطيور جزء أساسي من أي زيارة للقصر

في الساعة الثانية بعد الظهر، يمكن للزوار أن يحضروا عرضاً للطيور التي تعيش في أرجاء القصر والحدائق الشاسعة المحيطة به. ستتعرف على النسر «موزارت» والصقر «بروك» والبومة «كوكو» والبومة «نوريس» والصقر «سارابي». يتولى مختصون بالطيور تنظيم عرض لهذه الطيور التي تقوم بما يُطلب منها، أحياناً ترفض القيام بما هو متوقع منها، فتسبب حرجاً لمدربها وضحكات من المتفرجين على المأزق الذي يجد نفسه فيها بعدما تباهى بأنها تستمع لأوامره.

على أي حال، إذا استمع الطائر لما يُطلب منه، فستجده يتناول طعامه من خلال القيام بحركات لا يتوقع أن يقوم بها طائر من الطيور الكاسرة للوصول إلى المكان المخفي فيه الطعام. في الحقيقة، ستكتشف أن الطيور الكاسرة، مع تدريب كافٍ، يمكن أن تصير أليفة نوعاً ما. وهي، كما يؤكد المشرفون على العرض، حرة في البقاء في أرجاء القصر أو الرحيل. ليست أسيرة أقفاص. فهي تطير ثم تعود... لا شك أنها تعرف قيمة الإقامة في قصر!