كيف غيَّرت ترجمة «الكتاب المقدس» وجه الأدب العربي الحديث؟

من بيروت إلى العرب أجمعين

كيف غيَّرت ترجمة «الكتاب المقدس» وجه الأدب العربي الحديث؟
TT

كيف غيَّرت ترجمة «الكتاب المقدس» وجه الأدب العربي الحديث؟

كيف غيَّرت ترجمة «الكتاب المقدس» وجه الأدب العربي الحديث؟

ما تأثير ترجمة الكتاب المقدس لدى المسيحيين إلى اللغة العربية، على الكتابات الأدبية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟ إلى أي مدى تأثر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وأنسي الحاج وآخرون، بهذه الترجمات؟ وما المسار الذي اتخذته قبل أن تخرج بالحُلَّة التي نعرفها؟ وما خلفية هذه الترجمات؟ وهل كان يمكن لها أن تأخذ صيغاً أخرى مختلفة؟
بعض التأثيرات التوراتية في الشعر الحديث هي جُلّ ما نتنبه إليه في الغالب، لكنَّ كتاب «الترجمات العربية للكتاب المقدس وأثرها في عصر النهضة» للدكتور أمين ألبرت الريحاني، الصادر منذ أيام عن «دار نلسن»، يحاول أن يحيط بالموضوع من مختلف جوانبه. فهو يتناول حركة الترجمة العربيّة للعهدين القديم والجديد بشقَّيها البروتستانتي والكاثوليكي، وأثرها في الفكر والأدب العربي الحديثين.
نعرف أن بطرس البستاني هو من راجع اللُّغة العربيّة للترجمة البروتستانتيّة، لكن لا يقال كثيراً إن البستاني كان يستشير صديقه وزميله الشيخ ناصيف اليازجي في مراجعة تلك الترجمة وتراكيبها ومصطلحاتها ومفرداتها كي تأتي على المستوى المطلوب. ثم إن إبراهيم اليازجي راجع بعد ذلك الترجمة العربيّة للنص الكاثوليكيّ. ما يعني أن عائلة اليازجي، مع الأب الشيخ ناصيف والابن الشيخ إبراهيم، هما من أشرفا على أهم ترجمتين عربيتين عرفتهما العربية في القرن التاسع عشر، وهما البروتستانتيّة ومن ثم الكاثوليكيّة. وحين نذكر البستاني واليازجيين، فإنما نتحدث عن ثلاثة من كبار لغويي زمنهم، الشيخ ناصيف صاحب لغة كلاسيكية، يملك ناصية الفصاحة والبيان، تشبه لغته كبار العباسيين من الشعراء والأدباء. البستاني صاحب دائرة المعارف الموسوعيّة، وقاموس «محيط المحيط» من جهة، ومن جهة أخرى صحافي مواكب للتطوّر اللغوي الحديث. أما الشيخ إبراهيم اليازجي فتتلمذ على هذين القطبين اللّغويين: اللّغوي الشيخ ناصيف، والقطبِ الأدبي المعلم البستاني الموسوعي المعرفة. فلا غرابة أن يصبحَ فقيهَ عصره وبلاغيَّ زمانه.
الحيوية اللُّغويّة الناشطة في القرن التاسع عشر بأركانها، كانت من محركات حركة الترجمة بكل فروعها، وترجمة الكتاب المقدّس، ومن ثم ولادة النصوص الأدبية لكبار أدباء النهضة التي وصلت إلى المستوى الذي نعرفه، وبخاصّة الأدب المهجري في النصف الأوّل من القرن الماضي، والحركة الشعرية الحديثة التي انطلقت في لبنان والعالم العربي مع خمسينات وستينات القرن العشرين. وثمة تأثيرات تجاوزت الأدب إلى الكتابات الفلسفية والفكرية.
يعود الكتاب للبحث عن ترجمات قديمة للكتاب المقدس، تعود إلى ما قبل القرن السادس عشر، حيث يعثر على أربع ترجمات، لا نعرف عنها سوى معلومات ضئيلة. واحدة تعود إلى العصر العباسي أوردها ابنُ عبدِ ربِّهِ في كتاب العِقْدِ الفريد، وأخرى إلى زمن المأمون على يدِ أحمد بن عبدِ الله بن سلّام. ونُسخة ثالثة كانت موجودة في طرابلس، لبنان، مأخوذة عن نُسخة دمشق عام 1238، والتي بدورها نُسِخَت عن نسخة أنطاكية عام 1021، إضافةً إلى ما عُرفت بطبعة «تِتراغلوت». وكلها ترجمات مجتزأة، لا نعرف إن كان ما وصلنا هو كامل ما تمت ترجمته في تلك الفترات أم هي أجزاء من كلٍّ ضاع بمرور الوقت. لكنَّ الملاحظ أنها في غالبيتها ترجمات لنصوص من العهد القديم. ويضيف المؤلف معلقاً: «ما نفترضه أن الكثير من تلك الترجمات القديمة لم تصل إلينا، لأسباب مختلفة كالحروب وإتلاف المكتبات وقلّة الاهتمام بالكتاب المقدّس لأسباب دينيّة وثقافيّة واجتماعية مختلفة».
ملاحظتان يشير إليهما الكاتب: «الأولى أن الترجمات التي حصلت لمختارات من العهد القديم، هي أضعاف الترجمات التي تمّت لمختارات من العهد الجديد. والملاحظة الثانية أن الترجمات التي وصلت إلينا، حرصت كل الحرص على أن تأتي بلغة عربيّة بليغة، لا تشوبها شائبة».
وسبب التركيز على العهد القديم في رأيه هو «أن المسلمين اهتموا بأقوال المسيح، كالموعظة على الجبل، أكثر من اهتمامهم بسيرته. فالمسيح عندهم صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب لاهوت وناسوت، وقيامة من الموت». لذلك لم يعنوا بالمعتقدات المسيحية بقدر ما أرادوا جلاء وجه المسيح الرسولي، والإنساني، والروحي وربما وجهه الفلسفي.
الترجمات العربيّة الحديثة

أما الترجمات العربيّة الحديثة، التي وُلدت منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر للعهدين القديم والجديد، فهي متعدّدة، وتمت بدوافع لاهوتيّة بعضها اجتماعي وثقافي، أحصى منها الكاتب تسع ترجمات عرضها بالتفصيل، مع الإحاطة بمعظم خصائصها، وهي: بوليغلوت إسطنبول، وبوليغلوت باريس، وبوليغلوت لندن، وبروباغندا روما، ودباسية حلب، وشدياقية بيروت، وبروتستانتيّة بيروت، ودومنيكانيّة الموصل، وكاثوليكية بيروت.
جميعها ترجمات كاملة غير مجتزأة، تمت بجهد جماعي مدعوم من هيئة أو مؤسسة رهبانيّة، واشترك في مراجعتِها أكثر من كاتب مشهود له. ومع ذلك اشتكت هذه الترجمات من لبس في بعض التراكيب، وغموض في بعض المصطلحات. وكان لا بد من انتظار القرن التاسع عشر لتأتي لغة الترجمة مواكبة للعصر.
فحتى القرن التاسع عشر، بدا التطور اللغوي بطيئاً. كان لا بد من انتظار وقت طويل كي نرى ترجمة، تتوفر لها ليس فقط لغة صحيحة نحوياً، وإنما أيضاً لغة عصرية مواكبة لزمنها.
المقارنة اللغوية بين الترجمتين البروتستانتية والكاثوليكية تصل إلى خلاصة مفادها أن الترجمة البروتستانتيّة هدفَتْ إلى تبسيط اللغة بحيث يفهمها القارئ المتعلّم كما يفهمها العامّة. لذلك أتت عباراتها سليمة، صحيحة، قريبة من الناس، مبسّطة لا تعقيد فيها ولا غموض.
انتقلت عدوى التأثر بالكتاب المقدس، من النهضويين في بيروت، إلى كبار شعراء العربيّة الحديثة، أمثال أبي القاسم الشابّي، وبدر شاكر السيّاب، وسواهما. يقول المؤلف: «ولَئِنْ بدأت الشرارة الأولى مع شبلي الشمَيِّل وفرح أنطون فهي لن تنتهي مع يوسف الخال وبدر شاكر السيّاب. فهذه المسألة تُشَكِّل محوراً رئيسياً من المحاور الفكرية والفلسفيّة في الأدب العربي الحديث. وأغلب الظن أن تكاثر الدراسات حول هذا الموضوع سيُوَلِّد مزيداً من الدراسات حتى تتكامل الصورة وتُعالَج من مُختلف جوانبها».
قد يستغرب البعض ما يذكره الكتاب أن مناظرة العلمانية بين فرح أنطون وشبلي الشميل كانت تحت تأثير هذه الترجمات، خصوصاً الترجمتين الأساسيتين. فهو يرى أن النقد الديني الذي ظهر في تلك الفترة كان تحت وقع قراءة الكتاب المقدس بالعربية: «هاتان الترجمتان كانتا أبرز هديّة تُقدَّمُ، عن قصد أو غير قصد، إلى التحرر الفكري العربي في مطلع القرن العشرين، والتحرّر الفكري العربي كان أبرز هديّة تُقدَّمُ، عن قصد أو غير قصد، إلى الحداثة العربية بمستوياتها الأدبيّة والفلسفيّة والسياسية».
يعتقد الكاتب أن عمه أمين الريحاني الذي يحمل اسمه ويدير إرثه ومتحفه في مسقط رأسه في الفريكة كان من أكثر الكُتّاب جرأة في الإفصاح عن تأثره بالفكر الديني، سلباً أو إيجاباً، من خلال الترجمة العربية للكتاب المقدّس. ويقول إن مكتبته في الفُرَيْكَة «تضم نُسختين من الترجمة العربيّة البروتستانتيّة للكتاب المقدّس، الأولى تعود إلى الطبعة الثامنة في مطبعة الأميركان، بيروت، سنة 1896، والثانية تعود إلى المطبعة نفسها، بيروت، 1909؛ ما يعني أن قراءاتِه العربيّة للعهدين القديم والجديد تعود، على الأرجح، إلى هاتَين الطبعتين». وحسب البعض فإن كتاب الريحاني «المحالفة الثلاثيّة في المملكة الحيوانيّة» الذي تضمن نقداً مبكراً للفكر الديني بأسلوب نقدي لاذع، هو أحد هذه التجليات. فيه نقرأ: «لا تظنّوا أنّ إيماني بالروح القدس فاترٌ. كلَّا غيرَ أنّ اللهَ عزّ وجلّ أعطانا عقولاً نستنير بها ونميّز بين الحقيقة والوهم». وفي مكان آخر يقول رداً على بعض ما جاء في العهد القديم إنّ «قصّة الحوت الذي بلَعَ يونان لا أقدِرُ على بلعِها. والشمس التي وقفَت في نصف النهار هي شمس اصطناعيّة كالشمس التي تُشرِقُ على المراسح في الملاهي البشريّة». ومؤلفات أمين الريحاني مليئة باللوم على رجال الدين، وليس هنا مجال لذكر كل الاستشهادات. لكن الخلاصة «أن الرَيحاني كان لُوثريّ النزعة، كالْفِنيّ المَيل، أكثر منه كاثوليكيّ المعتقد. هو بذلك أقرب إلى صديقه أيّوب تابت، البروتستانتيّ العقيدة، الأخلاقيّ السلوك في تبوّئه لاحقاً رئاسة الجمهوريّة اللبنانبّة. والرَّيحاني بذلك قد تخطَّى سائر المهجريين وأدباء النهضة من خلال نزعته التحرريّة البارزة في معتقداته الدينيّة المسيحيّة».
ثمة إشارة في الكتاب إلى أن مكتبة جبران في بشرّي تضم نُسخة الترجمة البروتستانتيّة، المطبعة الأميركانيّة، بيروت، 1909. وهي نفس النسخة الموجودة في مكتبة الريحاني. «هل كان هذا التفضيل يعودُ إلى كونهما من أصحاب الثقافة الأنكلوسكسونيّة؟ أم هو عائد لاعتقادهما بأن الترجمة البروتستانتية هي الأكثر انفتاحاً والأكثر تحرّراً؟».
عند جبران تأثيرات الكتاب المقدس واضحة في كل كتاباته خصوصاً «عرائسِ المروج» (1906)، و«الأرواح المتمرّدة» (1908)، و«دمعة وابتسامة».
والتأثيرات ظهرت مع النصف الثاني من القرن العشرين خصوصاً في قصيدة النثر، من خلال أعمال رواد مجلة «شعر» مثل يوسف الخال، وأدونيس، وبدر شاكر السيّاب، وخليل حاوي، وشوقي أبي شقرا، وأنسي الحاج، وفؤاد رَفقة، ومحمد الماغوط، وسواهم. «تأثير يتغذّى برموز ودلالات مستوحاة من المسيح ولعازر، وأيّوب... ورؤى مستوحاة من معاني نشيد الإنشاد وسِفر الجامعة والمجوس والموعظة على الجبل والعشاء الأخير والتوبة والصلب والقيامة والجلجلة والشوك والغار والقديس والقدّاس والبخور والإيمان والطلبات».
شوقي أبي شقرا دمج بعض المعاني القدسية بغريب الألفاظ، وفتح أبواب التأويل على غاربها، بما أفسح من سوريالية. ويوسف الخال برز تأثره بالكتاب المقدس جلياً في مجموعتَيه «البئر المهجورة» (1958) و«قصائد في الأربعين» (1960). وبدر شاكر السياب بدا تأثره في ديوان «أنشودة المطر» (1960) وقصيدته «المسيح بعد الصلب» لنكتشف دلالاتِ البعث.
أحَدَ عَشَرَ مترجماً لبنانيَّا، أحصاهم صاحب الكتاب من أصل 31 مترجِماً من جنسيّات مختلفة، أسهموا أو نفَّذوا مشاريع الترجمات. هؤلاء بعملهم اللغوي كانوا ينقلون مع ترجماتهم هذه، الأدب العربي من العهد القديم إلى عهد حديث ومختلف، يصعب نكران دورهم الكبير فيه.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».