ألف شفق تكشف النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية

صاحبة «قواعد العشق الأربعون» التركية تعود برواية جديدة

ألف شفق
ألف شفق
TT
20

ألف شفق تكشف النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية

ألف شفق
ألف شفق

عندما سألت ذات مسامرة شاعرنا الكبير محمود درويش في منزله الباريسي، عن أولى قراءاته، أجاب دون تردد: «الشاعر التركي ناظم حكمت». رحم الله شاعرنا الذي وضع قدمي على أول كنز أدبي تركي. منذئذ ما فتئت قدماي تتقدما على هذا الطريق، وتتوغل في أعماق هذا الأدب الذي قطع أشواطا شاسعة المسافات في الإبداع الأدبي شعرا ونثرا حتى بلغت أقلام يشار كمال، وإحسان أنار، وأحمد حمدي تابينار، ومؤخرا أورهان باموق صاحب رائعة «اسمي أحمر»، والحائز على جائزة نوبل، وألف شفق (اسمها من الحرف العربي ألف الذي يكني به الأتراك كل شخص مستقيم كحرف الألف).
اليوم ومع كل إصدار لباموق، أو شفق تتسابق دور النشر العالمية لترجمته بلغات شتى ولتتصدر هذه الأعمال المكتبات في أكبر المدن الغربية. لقد تعرف الغرب على هذه الكاتبة التركية الأصل التي تكتب بلغة شكسبير عبر رائعتها «قواعد العشق الأربعون»، حيث وضعت في متناول القارئ الغربي أجمل لقاء بين صوفيين: شمس التبريزي وجلال الدين الرومي في قونية العثمانية، وبداية رقصة المولوي التي تربط السماء بالأرض، وتقرب المخلوق من خالقه. ولم تقتصر نجاحات شفق على هذا الإنجاز الأدبي الفريد، بل تعدته أيضا في أعمال أخرى لا تقل إبداعا واتساعا: «لقيطة إسطنبول»، «شرف»، وسواهما. هذه الروائية التي تجمع بين سحر الكلمة، وسلاسة السرد، والتنقيب في زوايا التاريخ العثماني، على غرار كاتبنا أمين معلوف، تخطت عتبة أخرى من الإبداع - وإن يعيب عليها النقاد الأتراك بأنها أنغلوفونية وتكتب بأسلوب يعجب الغرب - في إصدارها الأخير: «صانع المهندس» ترجمة العنوان من الإنجليزية، أو «مهندس السلطان»، الترجمة في النسخة الفرنسية، أو «الفتى المتيم والمعلم» الترجمة بالعربية).
هذه الرواية تحمل القارئ إلى عوالم السلطنة العثمانية في أوج قوتها، وعظمتها، في عهد السلطان سليمان القانوني، وسليم الثاني (السكير)، ومراد الثالث. وبداية المشاريع المعمارية الكبرى التي قام بها يوسف بن خضر بن جلال الدين الحنفي المعروف بمعمار خواجة سنان الذي قام بتشييد أروع الأبنية العثمانية من مساجد، وحمامات، وجسور، وسواها. وكان له آلاف العمال، والصناع، والمهرة، وأربعة تلاميذ: أحمد آغا، وداود آغا، ويتيم بابا علي، وسنان الصغير.
جاهان الصبي الهندي، الذي تدور الرواية حوله، الهارب من زوج أمه الذي يتهمه بقتلها على متن مركب يحمله مع فيل أبيض يروضه كهدية للسلطان العثماني في إسطنبول من قبل المهراجا. هذا الصبي النحيل كقضيب خيزران، بقامة لا تشكو طولا ولا قصرا، ببسمة ساحرة، وغمازة في الخد الأيسر، كإصبع خباز في قرص عجين، توقعت له أمه مستقبلا باهرا، وتهافت الصبايا عليه يسحرهن بابتسامته، وغمازته. نعيش معه قصة فريدة من مروض للفيل في حديقة القصر، إلى معماري نادر المهارات، متتلمذا على يد معمار سنان الكبير، وعاشق متيم بابنة السلطان مهرماه.
تنطلق رواية شفق من النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية، التي باتت عادة متبعة من قبل السلاطين وهي قتل إخوة السلطان مع بداية الحكم، ولكن هذه المرة كانت تحت أنظار جاهان الذي دخل خلسة قاعة القصر التي حدثت فيها جريمة قتل إخوة السلطان مراد الثالث الخمسة بأمر منه كي لا ينازعوه في حكمه، متخفيا وراء ستارة.
شفق جعلت من الصبي الهندي شخصية خارقة قادرة على كل شيء، فهو استطاع أن ينجو مع فيله الأبيض من الغرق بعد أن قذف بهما قبطان الباخرة في البحر، ويعيش على جزيرة نائية في عرض المحيط الهندي، ثم يسعفه الحظ بأن يلتقطه مركب آخر ويوصله إلى إسطنبول، شريطة أن يقوم بالسرقة من تحف وثروات القصر لحسابه، مهددا له بالقتل إن لم يفعل، يتقرب من الأميرة الساحرة مهرماه عن طريق الفيل، ولكن يسرق بخفة وصيفتها، وكل ما يمكن أن تصل يده إليه إرضاء للقبطان الذي يهدده. يشارك مع فيله في حرب السلطان سليمان في مولدافيا ويهاجم أعداءه بشراسة ويظهر شجاعة منقطعة النظير، ويساعد معمار سنان الذي اكتشف السلطان سليمان مواهبه في بناء جسر على نهر كي تمر قواته عليه قبل بدء المعركة الكبرى ضد المولداف. يسر السلطان من فعل الصبي وفيله وكذلك المعمار سنان الذي يكتشف حذاقة وذكاء الصبي الآتي من خلف البحار.
تتابع شفق روايتها وتغلو قليلا في إضفاء صفات خارقة على بطل روايتها، الذي يقهر زعيم الغجر بالبان، ويفحمه بالحجة كي يسفد فيله شوتا فيلته غولبهار. ثم هو الذي يختاره معمار سنان ليكون تلميذه المفضل فيرسله إلى مدرسة القصر ليتعلم الهندسة، ثم يطلب منه المساعدة في بناء مسجد السليمانية أعظم أثر خلفه سليمان القانوني في إسطنبول، وعليه يقع الخيار لزيارة روما والالتقاء بنحات العصر ونابغته مايكل أنجلو. وبقدرة قادر يتعلم الصبي التركية بسرعة كبيرة ليكون قادرا على الحديث وبطلاقة مع الأميرة ميهرماه، والسلطان، ومعمار، والقبطان المهدد، ثم يتعلم الإيطالية بنفس السرعة ليتكلم مع الإيطاليين في روما ومع مايكل أنجلو، وكذلك بالنسبة للفرنسية. لكن قدرة جاهان لا تتوقف بالنسبة للكاتبة عند حد، فهو يناقش السلطان بمزايا بناء قنطرة لقطر المياه في إسطنبول على عكس ما يرى الوزير الأول رستم باشا، صهر السلطان المتزوج من كريمته مهرماه بتدبير من أمها روكسلان، ويتكبد عناء اللحاق بالسلطان في رحلة صيد على فيله ويبحث معه بناء القنطرة، ومصحة، دون أن يأذن له معلمه معمار سنان، أو أن يغضب السلطان من وجوده غير المرغوب فيه في رحلة صيد. فكيف لمروض فيل أن يرتقي بهذه السرعة ليكون أحد متحدثي السلطان دون إذن، والمعروف أن مقابلة السلطان سليمان لم تكن بهذه السهولة، ولا سيما من قبل هذا المروض الذي تسلل من إسطبلات القصر على ظهر فيله، ووصل في الوقت المناسب، الذي تمكن فيه الملك من اصطياد ظبية سقطت مضرجة بدمائها بصدفة أخرى بين قدمي جاهان ليأتي السلطان ويتكلم معه حول مشروع معماري في عز رحلة صيد.
مثل هذه المصادفات والمبالغة في السرد تتكرر مرة أخرى عندما يعلم الباشا رستم بمغامرة جاهان فيأمر بسجنه في القلعة الكبرى، وهناك يلتقي صدفة برئيس الغجر بالبان الذي سجن قبله بتهمة سرقة، فينقذه من موت محتم بعد مرض ألم به، وتتدخل ميهرماه لدى زوجها ليعفو عنه ويخرجه من السجن. مع أن معلمه معمار سنان لم يتدخل البتة لإنقاذ صانعه المدلل من سجنه مع علمه بأنه سجن دفاعا عن مشروعه المعماري. ثم ينقذه مرة ثالثة وبصدفة محضة أيضا بعد أن أوثقه صديقه داود ورماه في كوخ مهجور بعيدا عن إسطنبول بعد أن زور وصية المعلم سنان الذي أوصى بأن يكون جاهان خليفته في منصبة.
ولكن ما نعيبه على الخيال الروائي للكاتبة أنها أقحمت وقائع من محض خيالها ليس لها سند تاريخي. فجعلت جثة سليمان القانوني أشهر وأقوى سلاطين بني عثمان بعد وفاته في موقعة سيكتوار في المجر أن توضع على ظهر الفيل شوتا لإيهام جنود الانكشارية بأن السلطان ما زال حيا تحاشيا لهبوط معنوياتهم وخسارة المعركة. مع أن الواقعة التاريخية الصحيحة هي أن فتح قلعة سيكتوار قد تم قبل وفاته بمرض النقرس وعندها قال جملته الشهيرة: الآن طاب الموت.
الصبي الهندي لم تتوقف مغامراته مع السلاطين، إذ بات أيضا بعلاقة طيبة مع السلطان سليم السكير الذي كان يطيب له اللهو متسكعا مع حاشيته على ظهر الفيل الأبيض في شوارع إسطنبول ليلا بعد سكرة ثقيلة لم يعد أقداحها. وهو الذي ساعد معلمه سنان في بناء مسجد السلطان سليم أيضا ورسم قبته النادرة الجمال في الهندسة المعمارية. وتتوالى هذه المبالغات في الرواية إلى حد يدفع القارئ للتساؤل: لماذا لم يذكر التاريخ شيئا عن هذا الهندي العبقري كما ذكر زوجة السلطان روكسلان؟.
وتدخل الكاتبة جاهان في مغامرة أخرى يقوده إليها رئيس الخدم عندما يصطحبه إلى حمام غسل الأحزان حيث الماء والخمرة والوجه الحسن وتوهمه بائعة الهوى التي اختارها له بأنه قتلها بعد أن دفعها بقوة وسقطت على رأسها فاضطر إلى الهرب ليختبئ لدى صديقه القديم داود الذي بات رئيس المعماريين في السلطنة بعد أن خلف معمار سنان، وليكتشف أنه خانه ليهرب منه مجددا ليستقل مركبا يقله إلى أكرة في الهند بعد أن بلغ من الكبر عتيا ليجد هناك السلطان شاه جيهان يشيد تاج محل ليضم رفات زوجته ممتاز محل التي أحبها حبا جما. يقدم جاهان نفسه للملك كمساعد للمعماري الكبير سنان الذي يطلب من مهندسه أمان الله خان شيرازي بأن يوكل إليه برسم قبة الضريح، ويطلب له زوجة هندية شابة حامل من زوج توفي بعد زواجه مباشرة وتصغره سنا بنحو سبعين سنة. جاهان الذي كان عاشقا لابنة السلطان مهرماه، وحزن حزنا شديدا على موتها، تزوج بعد سبعين سنة بزوجة تخالفها في كل شيء من حيث الجمال والكمال، لكنها كانت رقيقة. وعندما تضع الزوجة طفلها الذي يتبناه جاهان، يعطيه اسم معلمه: سنان.
وهنا تنهي الكاتبة مغامرة فريدة من نوعها لبطل روايتها جاهان.
تعترف الكاتبة بأنها تلاعبت ببعض التواريخ، وكذلك تخيلت الكثير من الأحداث غير الواقعية، وأن فكرة هذه الرواية جاءتها صدفة عندما كانت تركب سيارة أجرة في إسطنبول ومرت أمام الجامع الجديد ورأت طفلا يستند إلى جداره ثم وقع بصرها على مصور للمسجد في أحد الكتب وأمام الصورة فيل أبيض. هذه الصور مجتمعة ألهمتها هذه الرواية التي تميزت بسلاسة سردها المتسلسل للأحداث مع بعض الحبكات بين مقطع وآخر لا تقطع نفس قارئها، بل تسافر معه في إسطنبول في أوج عظمتها، يتعرف على شوارعها، وساحاتها، ومراحل بناء مساجدها، بل وألبستها ومأكولاتها. لكن يبقى لدي كقارئ، قبل أن أكون ناقدا، كيف بقي جاهان هذا العبقري في البناء، والألمعي في التعلم السريع للغات، واختلاطه بالسلاطين، مروضا للفيل ينام في الإسطبل ليلا ويعمل مهندسا معماريا نهارا في أكبر وأعظم الآثار المعمارية التي خلفها معمار سنان؟ ألم يستحق من عظماء السلاطين الذي أسدى لهم كل هذه الخدمات أن يكون له مكانا لائقا، حتى بعد موت الفيل شوتا هرما؟
لقد جاءت هذه الرواية بدرجة أقل إبداعا من الروايات الأخرى التي دفعت بالروائية إلى مقدمة الروائيين الأتراك، ربما لأن شخصية مروض الفيل جاهان لم تكن مقنعة، وإقحامها في التاريخ العثماني وإبرازها كشخصية حقيقية التي قد تخفى على القارئ العادي حقيقة وجودها من عدمه. لكن هذا لا ينتقص من متعة القراءة لرواية تسافر ببطلها وبنا عبر قارات ثلاث، على مدى عمره المديد.



«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة
TT
20

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال المتعاقبة من المصريين، واستمتعت بأشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي.

تنطلق الرواية، التي صدرت أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، من مفارقة فانتازية صارخة تجد سبيلها إلى متن شديد الواقعية، مُفجرة الكثير من المكاشفات المأساوية والساخرة في آن واحد، أو «التراجيوكوميديا»، وهو المصطلح الذي يُصدّر به الكاتب روايته، ومقتبس من قاموس «الأكاديمية الملكية الإسبانية»، ويشير إلى «العمل الدرامي الذي يجمع بين ملامح الكوميديا والمأساة».

كيان عجيب

يهبط طبق طائر فوق «أرض الموقف»، هكذا يأخذنا السطر الأول للرواية إلى عالمها الخيالي «الشاطح»، حيث يختبر سكان هذا الحي الشعبي في ليلة غير متوقعة عواقب هبوط هذا «الكيان العجيب» الذي تتقزم بجواره بنايات المنطقة، فيبدو وكأنه «درويش في مولد فضائي»، كما يصفه الراوي العليم، الذي يرصد فزع أبطال المكان من ماهية هذا الطبق العملاق بقبته الزرقاء الشفافة، ويفرض عليهم عزلة كاملة ويقطع أخبارهم عن العالم.

يبدو هبوط هذا الكائن الفضائي الفانتازي ذريعة فنية تكشف عن طبقات المجتمع الذي تقدمه الرواية بصفته عينة مصغرة لعالم عشوائي يُواجه سؤالاً كونياً عصياً على التفسير، فتختلط نوازع أبطال العمل وطرق تعاملهم مع هذا الكيان الذي هبط عليهم في «ليلة غبراء»، مُحدثاً حالة من الهرج التراجيدي والعبثي في مكان غارق بالجهل والعنف المتوارثين بين أفراده، فتقودهم ملابسات تلك الليلة الثقيلة إلى سيرة جريمة بدائية «قابيلية هابيلية»، على حد وصف الرواي.

تطرح الرواية تشريحاً مجتمعياً لتلك المنطقة العشوائية، بما يحكمها من تراتبية وهيمنة ثقافة «شريعة الغاب»، في مقابل القانون المُهمش في أعراف أصحاب المكان الذين يواجهون كائناً فضائياً يزاحمهم ويقطع وسائل الاتصال كافة عنهم. يعقد هؤلاء «مجلس حرب» مُصغّراً لمناقشة كيفية التعامل مع هذا الحدث العجيب. ويفتح غرق كل فرد من «أرض الموقف» في «بلواه السوداء الخاصة»، أفق الرواية على سرد مُتعدد الطبقات يختلط فيه الخاص بالعام، والواقعي بالغرائبي، وسرديات العالم المُتفوق في مواجهة المجتمع البدائي.

تؤسس الرواية لعبة فنية مركزية من خلال توظيف ضمير «الراوي العليم» الذي اعتمد الحس الساخر نبرةً سردية ممتدة على مدار العمل، في أسلوب «ميتا - سردي» يضع نفسه طرفاً في النزاع الدائر بما يكسر إيهام الراوي، ويجعل القارئ أمام «لغز» يتعلق بهويته، وصوته الفلسفي والنقدي المشغول بـ«الطبيعة اللغوية لسكان المنطقة». يتقاطع صوت الراوي مع الأبطال بمستويات لغوية مختلفة، من الفصحى إلى الدارجة، ليبدو أننا أمام شخصية خفية تختبر مرونة اللغة على أرضية تلك المنطقة العشوائية، حيث «اللغة بحر قد تهيج مياهه في جزء وتسكن في آخر»، كما يقول. ورغم أن الراوي يكشف عن هويته في نهاية العمل، في تطور مباغت للقارئ، فإنه يترك الباب موارباً لاحتمالات سردية لا نهائية، تثير الشكوك حول حقيقة هبوط مركبة فضائية من الأساس.

مواصفات كونية

تتمادى «لعبة اللغة» في الرواية بحيث تبدو بقواعدها ونحوها وصرفها طرفاً في تلك الأحداث الفانتازية، حيث تخرج من «معياريتها» لتبدو وكأنها عاجزة عن ملاحقة فوضى ما يحدث. ينظر أحد شخصيات النص، (الشيخ حازم)، المهجوس بقواعد النحو والصرف، بعجز حيال جنون الأحداث التي ضربت منطقته السكنية، فيشعر أنه أصبح «لا محل له من الإعراب»، ويرى العبث من حوله غير قابل للتبرير: «كأن يُرفع المجرور»، ويستطرد بقوله: «فضائيون، وشموس صفراء، وصدى وصفير، وأشعة زرقاء تخرج من عينيّ كيان غريب، وجريمة قتل تُسفك فيها الدماء علناً، هذا شيء لا يقدر أي مدقق لغوي على تصحيحه.هذه مهمة تحتاج إلى مُصحح بمواصفات كونية».

تُوظّف تحوّلات اللغة وتدريجاتها في الرواية بوصفها كائناً حياً يتلمس التحوّلات التاريخية للزمان والمكان، فيشير السرد للتطوّر التاريخي لـ«أرض الموقف» من ضاحية للباشاوات والبكوات، وصولاً إلى تحولها البطيء إلى منطقة هامشية وعشوائية، مساكنها أقرب لـ«علب الكبريت». وتبرز المفارقة الساخرة في اختيار أسماء سُكان المكان المُستعارة من المعجم العالمي: فهناك «مارادونا» و«هتلر» و«شكسبير» و«ليونيل ميسي»، الذين يعيشون على هامش العالم «محرومون، ومنبوذون ومهملون».

يجد هؤلاء أنفسهم بعد هبوط الطبق الطائر جزءاً من تدوينات المؤثرين عبر مواقع التواصل، لتصبح «أرض الموقف» بؤرة اهتمام لأول مرة في تاريخها، فاتحة سؤالاً حول المركزية في مقابل عزلة المهمشين حول العالم، وسط أوهام التواصل وتلاشي الحدود، في تقليب لسرديات العولمة الشهيرة التي تصف العالم بـ«قرية صغيرة»: «يقول البعض إننا لسنا وحدنا، وإن العالم قرية صغيرة. يقول آخرون إننا وحيدون في هذا الكون، وإن عزلتنا محتومة. كلاهما مُحق؛ فكل شيء نسبي. خذوا مثلاً هبوط الطبق الطائر في أرض الموقف نموذجاً. هذا دليل دامغ على نظرية القرية وأننا على الأرجح فلاحون كونيون».