تتكرر هذه القصة كل صيف تقريبا.
يذهب السائح إلى موقع ساحر لقضاء عطلة الصيف ويقرر فور وصوله أنه يريد شراء عقار في هذا الموقع لكي يعود إليه كل صيف. ثم لا يلبث أن يختار عقار الأحلام سواء على الطبيعة أو من على نافذة شركة عقارية، ويستغرق وقته في ترتيب التمويل اللازم لشراء العقار ولكنه قد يغفل الكثير من المخاطر الأخرى المتعلقة بشراء العقار في الخارج، وخصوصا في بعض الدول الأوروبية مثل إسبانيا.
وهناك عشرات الآلاف من البريطانيين الذين خسروا آلاف الجنيهات من صفقات عقارية خاسرة كانوا فيها ضحايا للكثير من الأخطار التي لم يتنبهوا لها.
هذه الأخطار يجب أن تدخل في الاعتبار عند دخول مغامرة شراء عقار في الخارج، وهي أخطار تزيد إذا كان المشتري يجهل لغة البلد الذي يشتري فيه العقار. أهم هذه الأخطار هي:
* عقارات شيدت بطريقة غير قانونية: هنالك الكثير من قوانين البناء التي لا تلتزم بها شركات العقار، خصوصا على أراض تكون مخصصة للمساحات الخضراء أو للزراعة أو ممنوع البناء فيها لقربها من شاطئ البحر بأقل من مائة متر. ونظرا للروتين البطيء في دول مثل إسبانيا يمكن اكتشاف هذه الخدع بعد سنوات طويلة من شراء العقار في وقت تكون فيه شركة العقار قد قبضت الثمن واختفت. وقد وقعت في الثمانينات فضيحة استخراج تراخيص بناء مزورة من مجلس مدينة ماربيا الإسبانية كان ضحاياها الكثير من الأبرياء من المشترين الأجانب. والنصيحة هي الاستشارة القانونية من محام يتحدث لغة المشتري ويكون من منطقة مختلفة عن تلك التي يقع فيها العقار. ويقوم المحامي بمراجعة السجلات الرسمية في المجالس المحلية للتأكد من أن كل تراخيص البناء قانونية وسارية المفعول.
* الفساد في مراحل التخطيط: في الكثير من الدول يتعين الحصول على تصاريح تخطيط تثبت أن العقارات قانونية. وتبدأ عمليات الفساد بإصدار التراخيص المزورة كما كان الحال في قضية مجلس مدينة ماربيا أو حتى بيع العقار بلا تصاريح. ويستطيع محام ماهر أن يتأكد من قانونية العقار حتى يمكن إنقاذ المشتري من شراء عقار قد يتعرض للهدم. ويجب الحرص في هذه المرحلة حيث القوانين المحلية تختلف من منطقة لأخرى داخل البلد نفسه.
* منازل بلا كهرباء: حتى لو كانت العقارات مرخصة وقانونية فإن الحصول على تراخيص الخدمات قد يستغرق شهورا، وفي بعض الأحوال ترفض المجالس المحلية إصدار التراخيص لبعض العقارات. إذا لم يكن العقار قد حصل على تراخيص الكهرباء والغاز، فلا بد من التأكد من موعد صدور هذه التراخيص قبل الشراء. وينبغي الحرص خصوصا عند شراء العقارات الجديدة أو من على الخريطة لأنها تمثل خطرا أكبر على المشتري.
* مواد البناء المغشوشة: لا تلتزم بعض الشركات بأصول البناء وتختصر في مواد البناء أو تبني العقارات بأساليب غير صحيحة. وتنتشر مثل هذه المنازل سيئة البناء في بعض مناطق جنوب إسبانيا. ولذلك لا بد من الاستعانة بشركة مسح هندسي محترمة لفحص العقارات قبل الشراء. ويجب إجراء المسوح الهندسية بغض النظر عما إذا كان العقار جديدا أو قديما. فالعقارات الجديدة تبنى أحيانا على تربة غير صالحة ومن دون أساسات كافية، أو حتى في مناطق غير صالحة تكون معرضة للفيضانات والسيول. ويمكن باستعراض سجل الشركة البائعة ومراجعة بعض المشترين التعرف على نوعية البناء وقيمته.
* تعاقدات غير صالحة: هذا الجانب من الاستثمار في العقار هو الأخطر، حيث يحصل المشتري على نسخة واحدة من التعاقد مكتوبة بلغة بلد العقار، ولا بد هنا من الحصول على ترجمة قانونية للتعاقد بلغة المشتري، وعدم الاعتماد على الترجمة التي توفرها الشركة البائعة. وحتى في حالة الحصول على تعاقدين بلغتين مختلفتين لا بد من مراجعة الترجمة للتأكد أن التعاقدات متطابقة مع اللغة الأصلية. وفي حالات كثيرة كانت الترجمات التي قدمت للمشترين مزورة ولا تتطابق مع التعاقدات الأصلية. ولا بد هنا من مطابقة الترجمة بلا زيادة أو نقصان عن الأصل حتى لا يجد المشتري نفسه معرضا لمخاطر غير مذكورة في الترجمة التي حصل عليها من الشركة البائعة. وإحدى الوسائل السريعة للتعرف على صحة الترجمة مراجعة عدد الفقرات في الأصل والترجمة وإذا كان العدد مختلفا فالترجمة أيضا تكون مختلفة.
* الشروط الصعبة: هناك بعض التعاقدات التي تحمل شروطا صعبة سواء في استكمال عملية الشراء أو الالتزام بها فور التوقيع ومن قبل إجراء الأبحاث اللازمة على العقار. وتضع هذه الشروط المشتري أمام مواقف صعبة خصوصا إذا كان التأخير في التنفيذ خارجا عن إرادته. ولا بد من التروي وفحص كافة الشروط قبل التوقيع وربما اشتراط فترة أسبوعين لمراجعة الوضع قبل المضي قدما في عملية الشراء. ويمكن خلال هذه الفترة العودة من العطلة ومراجعة بعض الخبراء قبل استكمال عملية الشراء.
الأزمة الإسبانية
مما يعرفه الكثير من المستثمرين في العقار الإسباني أن تداعيات الأزمة العقارية التي بدأت منذ عام 2008 لم تنته بعد. وما زالت الأسعار السائدة في سوق العقار الإسبانية تقل عما كانت عليه في عام 2007 بنسبة 40 في المائة على الأقل.
ولكن قطاعات عريضة ما زالت ترفض فكرة الاستثمار العقاري في إسبانيا ليس لتداعي الأسعار وإنما بسبب بعض المشاكل الماضية التي وقعت لغيرهم من المستثمرين مثل فساد بعض البلديات وإصدار تراخيص بناء مزورة أعقبها قرارات بهدم عقارات، وسوء تخطيط بعض المناطق مما أسفر عن كثافة معمارية غير عادية أفقدت العقارات نسبة كبيرة من قيمتها. وبالمقارنة مع مبيعات العقار في عام 2007 انخفضت الآن مبيعات العقار الإسباني بنحو 90 في المائة.
مما يحجم على اتخاذ قرار الشراء في إسبانيا أيضا وجود توقعات من البنوك الإسبانية باستمرار الوضع الراهن. وفي العام الأخير بلغ عدد العقارات المصادرة بسبب تعثر أصحابها في دفع أقساط القروض العقارية 300 ألف عقار. وتحاول البنوك الإسبانية المكبلة بهذه العقارات غير المبيعة أن تتخلص منها بأسعار مغرية وقروض شاملة ولكن ندرة السيولة تقف بالمرصاد لهذه الجهود.
كل هذه العوامل قد تقنع بعض المستثمرين بدخول السوق وهو في أسوأ حالاته لالتقاط الفرص الثمينة من عقارات متميزة من حيث الموقع والجاذبية بأسعار غير مسبوقة. ولمن يريد الاستثمار للمدى المتوسط والبعيد، فإن هذه الأسعار لن تتكرر مرة أخرى وسوف تزيد بالتأكيد في غضون عدة سنوات.
وتقول باربارة وود من شركة «بروبرتي فايندر» بأن هناك الكثير من الحيرة في السوق لاضطراب مستوى الأسعار وفقا للمصادر المتعددة. وهي تنصح من يدخل السوق الإسبانية الآن بالبحث عن أفضل المواقع والتقاط أفضل الفرص، لأن العقارات دون المستوى سوف تهبط أكثر عن معدل أسعارها الحالية.
وتعمل وود كوكيلة شراء عقارات وتقول: إن الأسعار في منطقة الأندلس تراجعت بنسبة 40 في المائة وأن التحدي الرئيسي أمامها هو إقناع البائعين بقبول هذه الأسعار المخفضة. أما بالنسبة للمشترين فهي تؤكد أنهم يشترون في قاع السوق، وأن العقارات الجيدة سوف تستعيد قيمتها في غضون سنوات قليلة. وهي تتفاوض على شراء منزلين على الشاطئ في موقع قريب من مدينة نرخا الساحلية كان سعر كل منهما قبل ثلاث سنوات 280 ألف يورو ولكنهما بيعا بمبلغ 180 ألف يورو لكل منهما. وفي صفقة أخرى بيع عقار آخر بالقرب من مدينة ايستبونا بمبلغ 412 ألف يورو، وكان ثمنه قبل عامين 527 ألف يورو وأنفق المشتري عليه 67 ألف يورو للتحسينات.
وتحذر شركات عقار محلية من أن نشاط البيع من على الخريطة قد عاد مجددا من بعض شركات العقار المحلية. ولكن شركة ميرسر العقارية أكدت أنها لم تسمع عن صفقة بيع من على الخريطة منذ عامين على الأقل، وهي ترى أن الحل الأفضل هو الانتظار حتى نفاد مخزون العقار القياسي غير المبيع في إسبانيا قبل إضافة المزيد من العقارات الجديدة إلى السوق. وهي ترى أن شراء عقارات قائمة أفضل وأسهل تمويلا من مشاريع جديدة لم تظهر بعد.
قضية ماربيا
وكانت قضية فساد إداري في ماربيا قد وقعت قبل عدة سنوات وأثرت سلبيا على الاستثمار العقاري في المنطقة. وحاولت البلدية المحلية في منطقة الأندلس إصلاح الأوضاع فقررت قبل فترة إعفاء العقارات المخالفة لقوانين وشروط البناء من الإزالة. ويبلغ عدد هذه العقارات نحو 18 ألف عقار ويملك معظمها مستثمرون أجانب في إسبانيا اتبعوا كل الخطوات القانونية ولكنهم كانوا ضحايا عمليات فساد وتراخيص بناء مزورة سمحت لهم بالبناء في مناطق محميات طبيعية وقريبا من الشواطئ، في مخالفة صريحة لقوانين البيئة الإسبانية.
وكان لهدم بعض العقارات التي يملكها بريطانيون آثار مدمرة على الثقة في السوق الإسبانية التي شهدت انسحابا منظما من الأجانب وانهيارات سعرية متكررة. وبعد تفكيك مجلس مدينة ماربيا عقب الفضيحة وسجن بعض الأعضاء فيه في عام 2006. ظلت الأوساط القانونية الإسبانية تبحث عن حل مناسب للأزمة لتحقيق التوازن بين احترام القانون واستعادة الثقة في سوق العقار الإسبانية.
ويشترط قانون البيئة الإسباني، الذي يعود تاريخه إلى عام 1988، منع البناء على السواحل لمسافة مائة متر من أعلى نقطة يصلها المد البحري، ولذلك فإن أي عقارات ساحلية بنيت منذ عام 1988 ضمن هذه المسافة اعتبرت غير قانونية.
وتطالب جهات قانونية في إسبانيا بالعدالة والتعويض للملاك المتضررين خصوصا في حالات الهدم العشوائي التي جرت بعد تطبيق القوانين بأثر رجعي، في حالات كان فيها شراء العقارات بنوايا سليمة من المستثمرين. وهناك مكاتب قانونية تقدم الاستشارات القانونية وتساعد المستثمرين المتضررين على استعادة حقوقهم. ويقول رئيس مكتب استشاري بأن المذنبين في هذا الوضع هم مجالس المدن والمحامين، وهي الجهات التي خدعت المستثمرين ولم تقدم لهم المشورة القانونية السليمة.
وتوجد حاليا جماعات ضغط بين المقيمين في إسبانيا للدفاع عن حقوق المستثمرين في العقار، ومعارضة تطبيق قوانين غامضة عليهم تدعي الجهات الرسمية أنهم خالفوها بينما يؤكد المحامون أن المستثمرين لم يكونوا يعلمون بها أصلا.
وأصدر مجلس منطقة الأندلس قرارات قضت بعدم معاقبة المستثمرين الأجانب الذين اشتروا عقارات بنوايا طيبة، ولذلك سمحت بإضفاء الصفة القانونية على أغلبية هذه العقارات، ما عدا نحو 400 عقار في منطقة ماربيا بنيت بمخالفات صارخة لقانون الحفاظ على المناطق الخضراء وبالقرب من ساحل البحر.
ومن ضمن الإجراءات المتخذة ضد المطورين الذين خدعوا المشترين مصادرة أراضٍ يملكونها لتعويض المجالس البلدية عن الأرض المفقودة، لاستخدامها في المشاريع العامة مثل الحدائق والمراكز الرياضية.
ويوصف الوضع الحالي في سوق العقار الإسبانية بأنه متردٍ بسبب توقف عمليات البيع والشراء، ليس فقط على السواحل الجنوبية ولكن في كل أنحاء إسبانيا. وتضطر شركات العقار حاليا إلى تقديم حسومات هائلة من أجل تحقيق مبيعات عقارية، وفي منطقة «كوستا ديل سول» تقدم شركات عقارية حسومات تصل إلى نسبة 55 في المائة من قيمة العقارات. واستطاعت شركة تشرف على مشروع اسمه «هابيتات» في المنطقة أن تبيع بتخفيضات وصلت إلى 35 في المائة، بينما تصل عدد الوحدات غير المبيعة في معظم المشروعات إلى الثلث أو أكثر.
إن المخاطر العقارية في إسبانيا وأوروبا متعددة وخطيرة ولكنها لا يجب أن تمنع الإقبال على فرص الاستثمار العقاري الجيدة خصوصا مع تراجع الأسعار الآن في بعض الأسواق.
شراء العقارات في أوروبا ومخاطره
تتراوح بين مبانٍ غير قانونية وعقود مزورة
العقارات الساحلية تجذب المشترين خلال العطلات
شراء العقارات في أوروبا ومخاطره
العقارات الساحلية تجذب المشترين خلال العطلات
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
