حكاية آخر أغاني وردة

الملحّن بلال الزين يروي لـ«الشرق الأوسط» لحظات ولادة «إيام»

الفنانة الراحلة وردة تتوسط الشاعر منير بو عساف (يمين) والملحّن بلال الزين
الفنانة الراحلة وردة تتوسط الشاعر منير بو عساف (يمين) والملحّن بلال الزين
TT

حكاية آخر أغاني وردة

الفنانة الراحلة وردة تتوسط الشاعر منير بو عساف (يمين) والملحّن بلال الزين
الفنانة الراحلة وردة تتوسط الشاعر منير بو عساف (يمين) والملحّن بلال الزين

أن تجلس في حضرة أسطورة الأغنية العربية وردة الجزائرية امتيازٌ عظيم. لكن أن تجالسها وتسمعَها تعبّر عن إعجابها بألحانك، فهذا إنجازٌ أعظم، يُنقش بحروفٍ من ذهب على السيرة الذاتية لأي فنان.
انقضت 13 سنة على أول تواصل جمع الملحّن بلال الزين بالسيّدة وردة، لكنه لا ينسى يوماً الشعور الذي انتابه في تلك اللحظة: «عندما قالت آلو أنا وردة، أحسستُ بأنّ التاريخ يحدّثني. تخيّلت بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب ومحمد سلطان وعمّار الشريعي جالسين إلى جانبها، وأنّ مجموعة العظماء هؤلاء كلهم يتحدثون إليّ».
بدأ بحث الفنانة وردة عن الملحّن بلال الزين والشاعر منير بو عساف منذ أن سمعت أغنية «وافترقنا» التي ألّفاها لفضل شاكر. يخبر الزين «الشرق الأوسط» بأنها «كانت تعشق تلك الأغنية إلى درجة أنها استخدمتها كرنّة لهاتفها».
حدث ذلك عام 2009 فيما كانت تستعد لتحضير ألبوم جديد. طلبت التواصل مع الزين ودخلت فوراً في صلب الموضوع، موضحة أنها راغبة في التعاون الفني. «كانت سعادتي لا توصف لكني شعرت بالمسؤولية»، يقول الملحن اللبناني. أيقنَ أنّ عليه تمييز هذا العمل عن كل ما سبقه في أرشيف وردة الثري.
يتذكّر كيف سألها عبر الهاتف: «بتغنّي لبناني؟»، فأجابت: «طبعاً بغنّي لبناني. أنا أمي لبنانية». انتهى الاتصال من دون أن تضع وردة شروطاً للأغنية، بل منحت الحرية والثقة الكاملتين لفريق العمل. «هكذا يكون الكبار»، يعلّق الزين الذي نقل المفاجأة السارة فوراً إلى الشاعر اللبناني منير بو عساف، فباشر الأخير الكتابة متحمّساً.
«إيام منعدّا ولو فينا نردّا... كنا ردينا أوقات صارت هلّق ذكريات... لكن يا خسارة الحياة بتمرق ما فينا نردّا». كلامٌ يليق بوردة الجالسة على عرش العمر والفن.
«وضعتُ اللحن وسجّلت demo مبدئية ثم أرسلتها إليها»، يسترجع الزين الحكاية ويتذكّر اتصال نجل وردة رياض قصري به، ناقلاً إعجاب والدته الكبير بالأغنية.

لم يبقَ إذاً سوى السفر إلى القاهرة للقاء وردة شخصياً وتسجيل الأغنية. عن السيّدة التي جلست قبالته، يقول بلال الزين: «عظيمة بكل تفاصيلها... إحساسها، كلامها، ثقتها. فكّرت بيني وبين نفسي وقت التقيتها، أنه مهما تعب الفنان وتقدّم في السن، لا يخفت إحساسه وتستمر خبرته في الصعود إلى أن يموت». يتابع: «عندما غنّت (إيام) ربما لم تكن وردة في أوج قدراتها الصوتية، لكنها كانت في أوج خبرتها وإحساسها، وقد أثبت مغناها في (إيام) هذا الموضوع».
خلال العشاء الأول الذي جمع وردة بمؤلفَي الأغنية في منزلها، تقمّص الزين شخصية الصحافي. انهال عليها بالأسئلة رغبة منه في التقاطِ بعضٍ من خبرتها وتاريخها الذهبي. لم تتذمّر نهائياً ولم تبخل عليه بإجابة ولا بحكاية.
ثم حان موعد الدخول إلى الاستوديو لتسجيل «إيام». هناك أيضاً أبصر الزين وجه الفنانة المحترفة التي ترفض أن تخطئ في لفظ ولو حرف واحد. استمتعت وردة بتسجيل أغنية ذكّرتها بلهجة والدتها، واختصرت من خلالها رحلة كل إنسان أيقن أن العمر غفلة أجمل من أن تُملأ بالحزن والغضب والخصام: «كنا رجّعنا أحباب فارقناهم... كنا صالحنا أصحاب زعّلناهم... كنا سامحنا يللي جارحنا... كنا اللي مرة جرحناه رحنا نقلّو سامحنا».


السيدة وردة مع الملحن بلال الزين خلال تسجيل "إيام"
مضت 4 سنوات بين تسجيل الأغنية وإصدارها. سنواتٌ رحلت في خلالها وردة عن هذه الدنيا، ولم تشهد على النجاح الذي لاقته «إيام» فور صدورها عام 2013.
يحتفظ بلال الزين ببعض الصور وبذكرى ثمينة عن رحلته القصيرة مع تلك الأيقونة، وهو ممتنّ لأنه حظي بفرصة التعاون معها. يقول: «أنا طبعاً محظوظ لأن اسمي ارتبط باسمها فنياً، لكن يا ليت الظروف سمحت بإنجاز أكثر من أغنية واحدة». لا ينسى مرافقته إياها خلال زياراتها إلى لبنان وحفلها في بيروت عام 2011: «لا يغيب عني تفصيل من تجربتي معها. وردة مدرسة في الأخلاق والفن والتعامل مع الناس».
يختلط شوق الزين إلى أيام وردة الذهبية، مع اشتياقه إلى بلده لبنان. فهو اختار الغربة طَوعاً منذ 4 سنوات. لطالما أنبأه قلبه بأن الأمور لن تتحسن في الوطن، وأن التغريبة، مهما أجّلها، فإنها آتية لا محالة. حين كتب ولحّن «لبنان الحلو» لجاد نخلة عام 2006، أدرك أنه سيعيش كلماتها في يوم من الأيام. وها هو حالياً في السويد، يحاول أن يرتّب حياته الجديدة وينطلق من جديد في مساره الموسيقي.

«لا تمر لحظة من دون أن أشعر برغبة في العودة. نحن هنا مثل الجثث في البراد. لا شيء يعوّض دفء الوطن، لكن حتى أهلي وأصدقائي توزعوا في كل بقاع الأرض». يتعامل الزين مع الواقع الجديد بعقلانية، فمصلحة أولاده تأتي أولاً وهي تقضي بأن يعيشوا في مكان يمنحهم الأمان والكرامة والبيئة النظيفة التي لا تهدد صحتهم، حسبما يقول.


الملحّن بلال الزين
تدريجياً، يعود الزين إلى نشاطه الفني. لحّن مؤخراً أغنية «منبعد ومنقسى» لماجد المهندس، و«شكراً سلف» لجاد نخلة، وهو يستعد لإطلاق جديده مع ناصيف زيتون وفهد الكبيسي.
هو الذي تعامل مع كبرى الأصوات، من وردة، إلى شيرين، ووائل كفوري، ووائل جسار، وملحم زين، ينظر بعينٍ ناقدة جداً إلى ما يحصل حالياً على مستوى الأغنية العربية. يقول إن «بعض الأغاني التي تصدر مؤخراً هي أشبَه بالنُكتة». ويضيف أن الأغنية الدسمة فُقدت من السوق لمصلحة «الترند». لكنه رغم سيطرة هذا النوع من الأغاني التي تخضع لحُكم الأرقام والسوشيال ميديا، ليس مستعداً للتنازل عن اللون الكلاسيكي الذي التصق بهويته الموسيقية.
في محاولة لتذويب جليد المسافات بين السويد ولبنان، أطلق الزين منذ فترة حوارات مباشرة عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مع زملائه وأصدقائه. يتحاورون غالباً في شؤون الفن، ويناقشون أحياناً مآسي الوطن العربي التي أرغمت أبناءه على هَجره. يجد الزين في تلك النوافذ الأسبوعية واللقاءات الافتراضية مع أبناء وطنه، ما يمنحه دفئاً في غربته.



خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
TT

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية، ضمن خطتها للمنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية من خلال إبراز إمكانيات منظومة الرعاية الصحية في مصر.

وأطلقت الهيئة منصات مشروع للسياحة العلاجية تحت شعار «نرعاك في مصر - In Egypt We Care»، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز مكانة مصر بوصفها وجهة رائدة للرعاية الصحية المتكاملة، وتقديم خدمات طبية متطورة بمعايير عالمية، وفق بيان للهيئة، الجمعة.

ويجسّد مشروع «In Egypt We Care» رؤية الدولة المصرية في تعظيم الاستفادة من الإمكانيات الصحية المتقدمة، وتعزيز ملف السياحة العلاجية بوصفه أحد المحاور الاستراتيجية للتنمية المستدامة، وفق تصريحات صحافية لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية، الدكتور أحمد السبكي الذي أكد أن «المشروع يستند إلى بنية تحتية طبية قوية، ومنشآت صحية حديثة، وكوادر بشرية مؤهلة، وفق أعلى المعايير الدولية».

وأوضح الدكتور السبكي أن إطلاق المنصات الرقمية للمشروع يمثّل نافذة تواصل مباشرة مع المرضى من داخل مصر وخارجها، للتعريف بالخدمات الطبية المتخصصة التي تقدمها منشآت الهيئة العامة للرعاية الصحية، بما يُسهم في تسهيل الوصول إلى الخدمة، وتعزيز ثقة المتعاملين بجودة الرعاية الصحية المقدمة.

وتستهدف منصات «In Egypt We Care» تقديم تجربة علاجية متكاملة تبدأ من التواصل المبدئي، مروراً بتقديم المعلومات الطبية والخدمات المتاحة، وصولاً إلى المتابعة والرعاية، بما يعكس احترافية منظومة الرعاية الصحية المصرية، ويعزز قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية، حسب السبكي الذي أكد أن المنصات الرقمية للمشروع ستُسهم في إبراز قصص النجاح، وعرض الإمكانيات الطبية المتقدمة، والترويج للسياحة العلاجية المصرية.

الهيئة تراهن على الخدمات والبنى الرقمية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

ويمثّل إطلاق المنصات الرقمية «نرعاك في مصر - In Egypt We Care» التي تبرز الخدمات المتاحة في مجال السياحة العلاجية خطوة مدروسة تعكس فهماً عميقاً من الجهاز الإداري للدولة المصرية لمتطلبات المنافسة الدولية في هذا القطاع المتخصص، وفق تصريحات الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجه نحو الرقمنة لم يعد خياراً، بل أصبح أداة أساسية لجذب السائحين من المرضى الدوليين، وبناء الثقة لديهم، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية، وفق معايير واضحة وشفافة».

ويشير الطرانيسي إلى أن «هذه الخطة المصرية الطموحة تؤكد حرص الدولة على توحيد الجهود بين السياحة والصحة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الطبية المتطورة والكوادر المؤهلة، بما يعزز مكانة مصر بصفتها وجهة واعدة للسياحة العلاجية إقليمياً وعالمياً».

وتراهن مصر على التنوع في الأنماط السياحية، وسبق أن أطلقت وزارة السياحية والآثار المصرية حملة ترويجية تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، لإبراز منتجاتها السياحية المختلفة ومقاصدها المتنوعة ما بين السياحة الثقافية والشاطئية وسياحة المؤتمرات والسفاري والغوص والسياحة الرياضية والسياحة العلاجية وغيرها.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «المنافسة في السياحة العلاجية أصبحت شرسة جداً، ومصر لديها كل المقومات للمنافسة ولكنها تحتاج إلى إطار منظم وواضح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إطلاق منصات متخصصة تنقل هذا الملف من مرحلة الإمكانيات إلى مرحلة الخدمة الجاهزة للبيع عالمياً يمكنها اختصار رحلة السياحة العلاجية بدءاً من البحث مروراً بالحجز والإقامة والنقل والمتابعة بعد العلاج».

ورأى كارم أن هذه المنصات يمكن أن تخدم قطاع السياحة المصري من جهات متنوعة، فهي «تزيد الثقة لدى السائح الأجنبي بالخدمة المقدمة، لأنه يتعامل مع جهة حكومية واضحة، وتفتح أسواقاً جديدة، وتُعطي ميزة تنافسية لمصر، بالإضافة إلى التجربة العلاجية المتكاملة والجودة الطبية بتكلفة أقل من دول أخرى»، على حد تعبيره.

ولفت إلى ضرورة ربط هذه المنصات بمستشفيات معتمدة دولياً، وكذلك ربطها بأماكن الاستشفاء السياحية مثل سيوة والأقصر وأسوان، بما يدعم قطاع السياحة خلال الفترة المقبلة.

وشهدت مصر طفرة في استقبال السائحين خلال السنوات الماضية، إذ وصلت إلى استقبال أكثر من 19 مليون سائح في عام 2025، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار. وتطمح الدولة المصرية إلى وصول عدد السائحين الوافدين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
TT

«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)

أعلن الموسيقي أسامة الرحباني تفاصيل حفل «أسافر وحدي ملكاً»، الذي يُقام احتفاءً بالذكرى المئوية لولادة الراحل منصور الرحباني، وذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد في المكتبة الوطنية في بيروت، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، ومؤسِّسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون هدى إبراهيم الخميس.

ويُعدّ الحفل أوراتوريو سيمفونياً ملحمياً مستوحى من ديوان منصور الرحباني «أسافر وحدي ملكاً». وهو قصيدة واحدة مؤلّفة من 34 جزءاً. يُقدَّم العمل مجاناً في أمسيتين متتاليتين في 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتحتضنه كنيسة القلب الأقدس العريقة في منطقة الجميزة. ويرتكز الأوراتوريو على النصوص الكاملة للديوان، الذي يُعدّ أحدث ما صدر لمنصور الرحباني في حياته عام 2007.

تحيي الحفل الفنانة هبة طوجي برفقة الأوركسترا الوطني السيمفوني الأوكراني، وبمشاركة جوقة جامعة سيدة اللويزة، في تعاون مشترك بين مهرجان أبوظبي والفنان أسامة الرحباني.

«أسافر وحدي ملكاً» تكريم للراحل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، وصف أسامة الرحباني هذا العمل بأنه «تحفة فنية أبحر في موسيقاها على مساحة واسعة»، مضيفاً: «ساعدني النصّ كثيراً على الإبداع موسيقياً. كنت أبحث عن نصّ بهذه الضخامة، مستشعراً غياب والدي الراحل، فوجدتُ هذا الكتاب إلى جانبي ليشكّل المادة التي أفتّش عنها».

وعما إذا كان يرى في هذا الديوان ما يختزل المسيرة الفنّية لمنصور الرحباني، أوضح: «المسألة لا تتعلّق بما يليق بمنصور الرحباني، بل بما هو أبعد من ذلك؛ إذ يعرّفنا إلى الحالة الإبداعية الحقيقية التي يمثّلها، كما يسمح للقارئ، كما للمشاهد، بأن يبحر في صور بلاغية ونصوص موسيقية تنسجها قصائد الكتاب برقيّ».

ورفض أسامة الرحباني فكرة تقديم هذا التكريم عبر مشاركة مجموعة من النجوم الذين عاصروا والده، بدل حصره بالفنانة هبة طوجي، موضحاً: «عندما نقرّر تقديم عمل فنّي متكامل، لا يمكن التفكير بهذه الطريقة، وإلا تحوَّل إلى حفل غنائي. نحن أمام أوراتوريو راقٍ يميل إلى الأعمال الملحمية الضخمة».

وزير الثقافة غسان سلامة خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق «أسافر وحدي ملكاً» (الشرق الأوسط)

ويُجسّد ديوان «أسافر وحدي ملكاً» تجربة منصور الرحباني الوجودية، ومواجهته قدره بصلابة حول الرحيل والغياب، الوجود والغربة، فيعبق الكتاب بنَفَس فلسفي شمولي كوني وتأمّلي، تُغلّفه رمزية واضحة حيناً ومخفية أحياناً، تماماً كما تقضي البراعة الشعرية التي يشكّل منصور أحد أبرز أركانها في الشعر العربي الحديث.

ويختصر الديوان زمن الخوف والملاجئ أيام الحرب اللبنانية. ومما يقوله منصور: «في اليوم السابع جاز القصف، صعدنا في الشرفات، جلسنا، وتنبّأت على بيروت». ويضيف: «سأموت الليلة عن بيروت، سأُصلب في الحمراء. فيكون للبنان رجاء وحياة للشهداء». ويرى أسامة الرحباني في هذا العمل ترجمة صادقة لحبّ منصور لبيروت ولبنان، مشيراً إلى أنّ قارئ الكتاب لا بد أن يغوص في كلماته ومعانيه لما تحمله من دعوة إلى تفكيك النصوص والتأمُّل فيها، وهو ما ينعكس موسيقياً في هذا العمل. ويضيف: «تشمل الموسيقى كلّ هذه الصور في نغماتها، إلى جانب صوت هبة طوجي الذي يضفي على العمل بريقاً وتألقاً. لقد مثّلت هبة لبنان على أفضل وجه، وقدّمت نموذجاً عن المرأة العربية صاحبة الفن الأصيل، بحضورها وبصوتها. سعيد بتعاوني معها، فهي مرآة تعكس أفكاري».

وخلال المؤتمر، وصف وزير الثقافة غسان سلامة الراحل منصور الرحباني بأنه أحد أعظم فناني الرحابنة، مضيفاً: «لقد سافر وحده ملكاً، بعدما ترك لنا كنوز الدنيا في شِعره»، كما أعلن عن مشروعات عدة تسعى الوزارة إلى التعجيل في تنفيذها، من بينها إنجاز دار الأوبرا في منطقة ضبية، متمنّياً الانتهاء من عملية بنائها مع نهاية العام، بدعم من دولة الصين التي تتكفَّل بتكلفتها. كما أعلن عن رصد مبلغ 700 ألف دولار لترميم قصر «اليونيسكو» وتجديده.

هدى إبراهيم الخميس خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

من جهتها، أكدت هدى إبراهيم الخميس، ممثلة مهرجان أبوظبي الفني، في كلمة مقتضبة، أنّ إرث منصور الرحباني هو للعالم أجمع، ويجب ألا يُحفظ فقط، بل أن يُحيى ليبقى نابضاً بين محبيه.

وعن سبب اختيار كنيسة القلب الأقدس لاستضافة الحفل، قال أسامة الرحباني ردّاً على سؤال أحد الصحافيين: «عندما أنوي تقديم عمل فنّي، تبحث عيناي عن مكان مُشبَّع بالجمال. وجدتُ في هذه الكنيسة ما ينسجم مع رؤيتي، فهي تاريخية وعريقة، وجمالها يسكن قبابها وجدرانها وتفاصيلها كافة». وأضاف: «بحثت طويلاً عن مكان يحتضن هذا العمل الضخم ولم أوفّق. كنتُ أتمنى إقامته في كنيسة لا مادلين في فرنسا». لتردّ عليه هدى إبراهيم، الخميس، بعد دقائق معلنة استعدادها لتحقيق هذا الحلم، ونقل العمل يوماً ما إلى رحاب هذه الكنيسة.


«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
TT

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» بنسخته الثالثة، وذلك في متنزّه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب»، ويستمر حتى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي.

ويخوض الزوار تجربة ثقافية وترفيهية متكاملة، صُمّمت لتكون مساحة نابضة بالحياة، تحتفي بالكُتّاب والقُرّاء من مختلف الفئات العمرية، بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة.

وأكد الدكتور عبد اللطيف الواصل، الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة، أنهم يعملون على تعزيز جودة الحياة بوصفها إحدى المرتكزات الرئيسة لـ«رؤية السعودية 2030»، من خلال جعل الثقافة أسلوب حياة، وتوسيع آفاق المعرفة، وتمكين الإنسان من الإسهام في تنمية مجتمعه فكرياً وثقافياً.

وأوضح أن المهرجان في نسخته الثالثة يُجسّد هذا التوجُّه عبر تقديم تجربة ثقافية ترفيهية شاملة في الطائف، بما تحمله من مكانة ثقافية وإرث أدبي عريق، وبوصفها أول مدينة مصنّفة ضمن شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة بمجال الأدب على مستوى السعودية.

وأشار الواصل إلى أن المهرجان يستهدف مختلف فئات المجتمع، عبر برنامج متنوع يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية، بما يتيح للزائر الخروج بحصيلة ثقافية مميزة، وقضاء أوقات ممتعة تناسب جميع الأعمار، ضمن سعي الهيئة لترسيخ حضور الثقافة في المشهد العام، وتعزيز مكانة الأدب في الحياة اليومية، وتهيئة بيئة تفاعلية محفزة تجمع الكُتّاب والقرّاء والمثقفين.

يُقدِّم المهرجان برنامجاً متنوعاً يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية (واس)

وأكد أن المهرجان يسعى للاحتفاء بالكُتّاب والقرّاء بوصفهما الركيزة الأساسية في منظومة الإنتاج الثقافي، وتوفير منصة تفاعلية، تتيح للمبدعين من داخل السعودية وخارجها التواصل الإبداعي الخلّاق، بما يسهم في إثراء الساحة الثقافية وتلبية تطلعات الجمهور للأدب والثقافة والفنون، في صورة تعكس حيوية المشهد الثقافي السعودي.

ويشتمل المهرجان على أربعة مواقع رئيسية هي: منطقة الدرب، والمطل، والفِناء، والصرح، حيث تُقام أكثر من 270 فعالية، تتضمن 176 تفعيلة ثقافية، و84 عرضاً مسرحياً، و7 أمسيات غنائية وشعرية، إضافةً إلى تجسيد 45 عملاً أدبياً وفنياً.

وخصصت الهيئة 20 منصة فنية تُمكّن الحرفيين من عرض منتجاتهم في بيئة احترافية، ومنصات تفاعلية تتيح للزائر الاستماع إلى قصائد مختارة، وعروض موسيقية، والتعرّف على سيَر وأعمال أدباء من التاريخ، والتنقل بين عوالم تعبيرية متنوعة تبدأ من الرواية التاريخية وتنتهي بعالم المانجا.

وهيأت الهيئة جناحاً تفاعلياً يعرّف الزوار بدورها في دعم قطاعات الأدب والنشر والترجمة، وأبرز مبادراتها ومشاريعها الثقافية، وخططها المستقبلية، وتصميم منطقة متكاملة للأطفال تضم 5 أركان رئيسية، تقدم أنشطة تطبيقية، وألعاباً تعليمية مبتكرة، تنمّي التفكير وتعزز القيم، كذلك مسرح الحكواتي الذي يقدم قصصاً هادفة، في بيئة ترفيهية تسعى لبناء جيل واعٍ ومثقف.